اللبنانيون ينقسمون بين ثقافة الموت و«ثقافة الحياة» عند كل مفترق

رلى موفّق

May 26, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: أية أسباب قد تجعل وجهاً إعلامياً في تلفزيون «المنار» التابع لـ «حزب الله» ونائباً ممثلاً لـ «الحزب» في البرلمان يشنّان حملة شعواء استفزازية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد المخرجة اللبنانية نادين لبكي، بعد فوزها بـ «جائزة لجنة التحكيم» في «مهرجان كان السينمائي» الدولي عن فيلمها «كفرناحوم» الذي يُسلّط الضوء على الطفولة المعذبة والمهمشة؟ سؤال طُرح بقوة على مختلف المستويات، خصوصاً أن ردّة الفعل الأولى على هكذا «حدث لبناني» لا بدّ من أن تحمل في طيّاتها كثيراً من مشاعر الفرح والاغتباط والشعور الوطني، بمعزل عن الدخول في أية عملية تقييم فنية أو إبداعية للفيلم.
الأخبار بدأت تتوالى عن حجم الإعجاب الذي ناله الفيلم. الجمهور يُصفّق وقوفاً لمدة 15 دقيقة إثر عرضه الأول، ما أوحى أن لبنان على مقربة من تحقيق «فوز ما». الأنظار كانت تتّجه إلى «السعفة الذهبية» لكن «جائزة لجنة التحكيم» كانت من نصيب الفيلم. فوز مخرجة لبنانية بجائزة في هذا المهرجان الرفيع، الذي هو حلم كل إنسان، يُعد «فخراً». فهي الأولى بين المخرجات اللبنانيات، والجائزة يحصل عليها لبنان للمرة الثانية بعد 27 سنة، ذلك أن المخرج السينمائي الراحل مارون بغدادي حصدها في العام 1991 عن فيلمه «خارج الحياة».
سارع رئيس الحكومة سعد الحريري، فور صدور النتائج السبت في 19 أيار/مايو، للتهنئة عبر تويتر: «كل لبنان يفتخر بنجاحك يا نادين». وكذلك علّق وزير الثقافة، ووزير شؤون المرأة وكثير من الفنانين والمثقفين، وناشطون ومواطنون. ترددت كلمة «فخر» في التعليقات، فكان أن كتبت الإعلامية في «حزب الله» منار صبّاغ الـ «تغريدة» التي حوّلت الـ «تويتر» والـ «فيسبوك» إلى ساحة مواجهة كلامية حقيقية، ذلك أن الاقتناع السائد هو أن تلك التغريدة لم تكن من بنات أفكارها، فكل شيء منسّق ومنظم ومنضبط ومخطط له ومدروس في هذا «الحزب الحديدي». خرجت صبّاغ لتكتب أنه «بمناسبة الإفراط بالحديث عن الشخصيات التي ترفع رأس لبنان عالياً لجائزة أو مسابقة، أو تحد ما.. يا معشر المثقفين، أبناء فينيقيا منهم تحديداً، هذه الصور لشهداء اليوم الأول من معركة القصير 2013. قبلهم وبعدهم ارتقى كثر من قديسينا الشهداء.. باعتقادي لبنان يكفيه هذا المجد لقرون».
«تغريدة» تنمّ عن مستوى الانقسام الذي يسود المجتمع اللبناني الثقافي والاجتماعي والسياسي. فلا فخر غير «فخر شهداء الحزب» ولا سيما أولئك الذين سقطوا في «القصير» السورية، الذين هم في نظر كثر من اللبنانيين، ومن السوريين تحديداً، ميليشيا غازية قتلت وهجّرت واحتلت منازلهم. ميليشيا مسؤولة عن تشريد مئات الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال، وهم الأطفال أنفسهم الذين يتناول الفيلم معاناتهم وشظف حياتهم.

الموسوي ووجع الرأس

ربما أصابتهم نادين لبكي مقتلاً بفيلمها، رغم أن ما تعالجه – وفق المقتطفات التي نُشرت عنه (لم يُعرض سوى في «كان») – يتناول واقع الأطفال الذين يتم استغلالهم في الشوارع ويتعرّضون لسوء المعاملة ويُحرمون من أدنى رعاية ومِن الحقوق والحب والحنان. ما أثار غضبهم، والذي انضم إلى التعبير عنه نائب «الحزب» نواف الموسوي عبر «تغريدته»: «بلا لبكي، بلا وجع راس. وقت الجدّ ما فيه غير سلاحك بيحميك»، ربما هو «زين الرافعي» البطل الرئيسي لهذا الفيلم، الذي هو طفل سوري لاجئ إلى لبنان، قيل إنه من درعا، المدينة التي أشعل أطفالها الثورة السورية، وإن كانت المسؤولة الإعلامية للبكي تشير إلى أنه لاجئ سوري من إحدى قرى الريف. سواء أكان من درعا أم مِن غيرها، فهو في نهاية المطاف لاجئ يُجسّد جزءاً من معاناة النزوح أو اللجوء السوري إلى لبنان، وجزءاً من رحلة العذاب في الوطن الأم، ومن رحلة القهر والذل والألم في الوطن المؤقت، ومن الممارسات العنصرية التي تطاله نتيجة الأمراض السياسية اللبنانية.
لبكي ترصد في عدستها البُعد الاجتماعي. قالت إنها تُؤمِن بقوّة السينما في إحداث التغيير الحقيقي، وعلى الرغم من أنها كمخرجة لا تمتلك حلولاً لما يمرّ به ملايين الأطفال المحرومين، من مشاكل وتحدّيات وآلام، إلا أنها تتمنى أن يصبح «كفرناحوم» أكثر من مجرّد فيلم، وأن «يفتح حواراً جاداً حول قضايا هؤلاء الأطفال، وأن يؤدي إلى تغيير جذري وعاجل وملموس».
ولكن مجرّد أن يكون الأبطال عبارة عن شخصيات حقيقية من أطفال اللجوء الذين يغزون شوارع لبنان، وغالبيتهم ممن هُجّر من القصير وحمص والقلمون على يد النظام السوري وميليشيا «حزب الله»، وحين يعكسون جزءاً كبيراً من معاناتهم الفعلية، يصبح الفيلم مزعجاً ومرفوضاً.

عقدة الذنب…

في رأي الباحثة منى فياض أن ردّة الفعل السلبية تُعبّر عن «عقدة ذنب». تقول: «أعتقد أن ما من أحد شاهد الفيلم، فقط سمعوا بموضوع «ربع ساعة من التصفيق في أوروبا»، فحرّك ذلك عقدة الذنب لديهم. وسيُعيد الفيلم إثارة الأسئلة والمسببات لواقع هؤلاء الأطفال ومَن ساهم وساعد في تهجيرهم، بحيث يتحوّل أيضاً إلى إدانة لأفعالهم، إضافة إلى أنهم يستغربون أن لدى اللبنانيين ثقافة مختلفة عن ثقافتهم التي تُمجّد الموت وما يسمّونه شهادة، ولكنها ليست بشهادة إطلاقاً، حين يكون هناك اعتداء موصوف على الشعب السوري».
ولعل الأهمّ بالنسبة إلى فياض، التي تُعرَف بمعارضتها لكل عقيدة «حزب الله» وأدائه، هو «اعتبارهم أن أحداً سواهم لا يحق له أن يكون لديه شهداء أو ضحايا أو مظلومين، لكنهم في الحقيقة يشعرون أن النبض اللبناني هو نبض رافض، ويشعرون بالكُرهِ تجاههم، على الرغم مما حققوه في الانتخابات النيابية الأخيرة من زيادة في كتلتهم النيابية وتأمين الفوز لكتلة سورية. وقد جاءت ردة فعلهم عصبية بفعل ردة الفعل القوية التي شكّلها الفيلم».
يذهب كثير من المثقفين إلى الاعتقاد بأن «التصفيق الحار لـ «كفرناحوم» بهذا الشكل يعكس بشكل ضمني، هذا الشعور بعقدة الذنب تجاه هذا الشعب المشتت الذي لا أحد يفكر بوقف مأساته التي تحصل، وكونه طفلاً تظهر عليه آثار التهجير وكيفية فقدانه لحقوقه. فالحالات الخاصة هي التي تجعل المرء يتعاطف مع القضايا العامة».
في واقع الأمر، «كفرناحوم» لا يحكي فقط قصة الطفل زين الذي يرفع دعوى ضد أبويه لأنهما أنجباه، بل يحكي أيضاً قصة شقيقته في الفيلم «سحر»، التي توفيت بعدما زوّجها أهلها في سن الحادية عشرة، ما دفعه إلى قتله انتقاماً لشقيقته وهروبه إلى عاملة منزلية أثيوبية هي الأخرى من ضحايا التهميش، تخوض معركة للحصول على أوراق رسمية لطفلها «يوناس»، الذي يتولى زين رعايته كي تستطيع هي العمل والحصول على قوتها.
كفرناحوم، البلدة الفلسطينية الواردة في العهدين القديم والجديد، والتي كانت تحتوي على سوق تجاري مكتظ بالبضائع المتنوعة والموضبة بشكل غير منظم ومنسّق، باتت تعبيراً شعبياً يرمز إلى حيث الفوضى. تقول زينة صفير المسؤولة الإعلامية لدى لبكي ذات الثقافة الفرنسية: «لقد وظّفت نادين التعبير المستخدم بالفرنسية “C’est comme un Capharnaüm” في سياق إيصال رسالتها عن الفوضى».

حزب الله: البيان لا يعبر عن رأينا

لا تستطيع صفير التكهن بمسبّبات ردّة الفعل هذه، إلا أنها تحرص على لفت الانتباه للبيان الصادر عن «العلاقات الإعلامية في حزب الله»، والذي اعتبر فيه أن «ما صدر من تغريدات وتعليقات من قبل بعض الأخوة والأخوات بخصوص فيلم المخرجة اللبنانية نادين لبكي لا يُعبّر عن رأي حزب الله، ولم يكن له من داع على الإطلاق».
«حزب الله» قصد تغريدتي صبّاغ والموسوي. وأتى توضيحه على خلفية الانزعاج من الأجواء التي ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي، والتي انعكست في الإعلام وأخذت تتطوّر، حتى أنها أحدثت تساؤلات داخل البيئة الشيعية عن الجدوى من خوض تلك المعارك الكلامية. مَن انزعج مِن كلام صبّاغ والموسوي أخذ يستند إلى توضيح «حزب الله» لتبرئته من هذا الحقد على «الفينيقيين» و«المثقفين» وما هو «مُتمايز» عن مشروعهم وعن ثقافتهم.
رفض «الحزب» لما قاله نائبه، على الأخص، يعني أن النائب لا يُفترض أن يعاود تأكيد ما سبق أن قاله، لكنه فعل ذلك وبشكل فظ، إذ أنه وفي أول جلسة لمجلس النواب الجديد، وأثناء إعلان نتائج عملية الاقتراع لمنصب رئيس المجلس، اعترضت النائبة بولا يعقوبيان، الإعلامية التي خاضت الانتخابات كممثلة للمجتمع المدني وفازت عن دائرة بيروت الأولى التي تضم الأشرفية، لعدم ذكر الاسم الذي صوتت له. قالت يعقوبيان أنها صوتت لنادين لبكي، فما كان من الموسوي أن عاجلها قائلاً: «بلا لبكي». قَصَدَها الموسوي ليُفهم مَن فاته الفهم في المرة الأولى، تماماً كما انبرى نائب «حركة أمل» غازي زعيتر، والآتي من عالم المحاماة، إلى التعامل ليس فقط خارج أصول اللياقة بل خارج أصول القانون نفسه، إذا قال لها: «بدك كتير حتى تتعلمي»، إذ كانت يعقوبيان تُشير إلى أنه كان يجب أولاً إعلان الاسم الذي صوتت له ومن ثم إعلان الورقة ملغاة، لكن الفضيحة بحد ذاتها تكمن في أن الورقة لم تُعلن ملغاة بل ضُمت إلى الأوراق البيضاء، وهو خطأ قانوني، لم يتوقف عنده أحد ممن يفترض أنهم مشرعون.
هو التعاطي الفوقي الذي لا يُعير الاعتبار للآخر. منطق «فـائض القوة»، الذي يُريد مَن يعـتـبر نفــــسه أنه أطبق يده على البلاد، تكريسه. هو منطق رفض الرأي الآخــر وضيق الصدر. منطق تعميم «ثقافة الموت» على «ثقافة الحياة»، وكأنه كُتب على اللبنانيين أن يكتسوا باللون الأسود، فيما يخرجون من الألم والمحن وحتى الحروب بنظرة إلى الحياة ملؤها الأمل والفرح.
الانقسام الذي حصل حول فيلم نادين لبكي «كفرناحوم»، الذي لم يُشاهده اللبنانيون بعد، يؤشر إلى عمق الهوّة بين بيئة «حزب الله» أو ما يريدها أن تكون عليه، وبين الآخرين، حيث عند كل استحقاق أو حدث سياسي أو ثقافي أو فني يطفو الاختلاف على السطح وتتحرك الغرائز!

حين تُعرّي لبكي الحقيقة…!

مُعبّرٌ كلام نادين لبكي على مسرح «كان» بعدما تسلمت جائزتها. يُعرّي كلامها الحقيقة المرّة التي لا يعيشها لبنان فحسب بل العالم كله، كل دولة فيها مهمّشون سواء أكانت عربية أم افريقية أم حتى غربية.
في كلمتها، وإلى جانبها يقف زين الرافعي، الطفل السوري الساحر بنظراته، قالت لبكي: «بينما أحتفل معكم بالسينما لا يمكنني إلا أن أتذكر فتاة صغيرة اسمها «سيدرا» التي لعبت دور «سحر»، وهي شقيقة «زين» في الفيلم. اليوم على الأرجح قضت يومها بكامله واقفة تحت الشمس، وجهها ملتصق بشبابيك السيارات تحاول قدر الإمكان الدفاع عن نفسها ضد الشتائم والإهانات من هنا وهناك. على الأرجح حاولت التحايل قدر ما يمكنها بحكمة طفلة في الثانية عشرة تعلمتها من الشارع. التحايل لمواجهة الاعتداءات. ثم أنها على الأرجح عادت إلى منزلها لتقوم بالجلي وغسيل ثياب العائلة كلها، وعلى الأرجح قامت بتحضير الطعام لكل أخوتها، ثم ذهبت إلى النوم وهي تحلم بأن تتمكن يوماً من الذهاب إلى المدرسة، مثل كل أطفال الأرض. أقول ذلك لأنني أعلم أننا جميعاً الموجودين هنا، يمكننا تغيير شيء ما.
أنا مؤمنة بعمق بقدرة السينما، السينما لم تقُم فقط من أجل التسلية ولجعلنا نحلم، هي أيضاً صُنعت من أجل جعلنا نفكّر من أجل كشف اللامرئي، لقول ما لا يمكننا قوله، لا يمكننا أن نُكمل بإدارة ظهرنا ونبقى صامتين أمام عذابات هؤلاء الأطفال، الذين يُعاركون بقدر ما يستطيعون في هذا الـ»كفرناحوم»، الذي أصبح عليه العالم. لا أعلم ما هو الحل الصحيح. أنا نفسي لا أملكه. بكل ما ملكته من إرادة، لم أتمكن من إنقاذ «سيدرا» من الشارع، ولا أعلم ما سيكون عليه مصير «زين» أيضاً عندما سيعود إلى منزله ولا مصير أخواته وأخواته، ولا مصير الصغيرة السورية أيضاً في الفيلم «ميسون»، لكني أدعوكم للتفكير، لأن الأطفال الذين لا يتلقون الحب، هم أساس تعاسة هذا العالم، أتمنى أن نفكر معاً لإيجاد حل».

11HOR

اللبنانيون ينقسمون بين ثقافة الموت و«ثقافة الحياة» عند كل مفترق

رلى موفّق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left