ضابط الشرطة بين وجاهة أنور وجدي وكوميدية إسماعيل يسن وهيبة يوسف وهبي، ثلاثة شخصيات لرجل واحد

في العصر الذهبي للسينما المصرية

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: ثمة مواصفات ايجابية لابد من توافرها في شخصية ضابط الشرطة إذا ما تم تقديمها دراميا على شاشة السينما، هذه قاعدة رقابية يلتزم بها غالبية من يشرعون في تقديم أفلام بوليسية تعتمد على البطولات الأمنية والإثارة والأكشن، حتى وإن اقتضت الضرورة الإشارة الى مساوئ بعض الضباط المنحرفين توجب ان يكون هناك نموذج آخر موازي يتسم سلوكه بالانضباط والمثالية.
بهذه المقاييس ظل ضابط الشرطة صورة مبهمة غير مكتملة الأوصاف بالنسبة للجمهور لا يظهر منه سوى الجانب الذي تسمح به الرقابة باستثناء تجارب محدودة أخذت الطابع الكوميدي كان بطلها الفنان اسماعيل يسن ربما اشهرها فيلم ‘اسماعيل يسن في البوليس′، وهذا بالطبع لا يتم القياس عليه لأنه جاء ضمن سياقات انتاجية كانت تهدف في وقتها الى استثمار نجومية الفنان الأشهر والأنجح في زمانه، وهناك ملابسات وتفاصيل كثيرة أحاطت بهذا الفيلم تعلقت بالبطل وطريقة أدائه وشعبيته التي سمحت له بتجاوز القواعد والقوانين وتقديمه الشخصية بشكل كاريكاتوري مضحك دون ان يثير حفيظة المسؤولين بالأجهزة الرقابية.
وعلى العكس من هذا النمط تماماً جسد أنور وجدي دور الضابط بشكل مختلف في ثلاثة أفلام هي غزل البنات وأربع بنات وضابط وريا وسكينة فقد قدم الشك النموذجي والصورة المبهرة فهو الوسيم الرقيق الملتزم الصارم القوي المقتحم، ولم تختلف الحالة بالنسبة لأبطال آخرين فنفس الصورة ظهر بها يوسف وهبي في فيلم بين الحياة والموت للمخرج كمال الشيخ عندما كان يلعب دور حكمدار العاصمة الذي وجه النداء الشهير لأحمد إبراهيم ‘عماد حمدي’ القاطن بدير النحاس محذراً إياه من تناول الدواء الذي ارسل ابنته في طلبه، ثم لم يكتف بالنداء الإذاعي وذهب إليه في مسكنه لانقاذه والاطمئنان عليه.
هذا الفيلم من أكثر الأفلام إثارة عرض في السينما لفترة طويلة وقت انتاجه ولا يزال يعرض في التلفزيون الى الآن، ومن الثوابت في السينما المصرية القبض على المجرمين وتسليمهم للعدالة وغير مسموح بهزيمة الشرطة لأن في ذلك حسب ما تعتقده الرقابة أو ما كانت تعتقده فقدان الثقة بين الشرطة والشعب، فضلا عن أن الجمهور نفسه في كثير من الأحيان لم يكن يقبل بهزيمة الضابط لكونه مارداً منوط به توفير الحماية والأمن.
على سبيل المثال قدم فريد شوقي وهو ملك الترسو دور الضابط والجاويش في العديد من الأفلام، يأتي على رأسها دور الريس خميس في فيلم ‘رصيف نمرة خمسة’، متطوع البحرية الذي يقاوم عصابة تهريب المخدرات، زكي رستم ومحمود المليجي وصبيانهم، في هذا الدور تفاعل الجمهور مع نجمه المفضل وظل ينتظر انتصاره على العصابة وصفق بحرارة عندما تمكن خميس من إلقاء المجرم من فوق الكوبري ليغرق في النيل، هذه اللحظة مثلت قمة النشوة لدى أنصار فريد شوقي ومحبيه لأنه البطل الشعبي ولا ينبغي ان يهزم.
المعنى المتضمن في مشهد النهاية يترجم الارتياح العام لدى السواد الأعظم من الناس لفكرة تحقيق العدالة وإنصار المظلوم، وفي مستوى آخر من التلقي ينحاز الجمهور إلى تغليب الرحمة على القانون وهو ما رأيناه في فيلم ‘كلمة شرف’ حيث أدى الفنان القدير أحمد مظهر دور مأمور السجن الذي تعاطف مع السجين المظلوم فريد شوقي وسمح له بزيارة زوجته المريضة والعودة الى الزنزانة خلال بضعة ساعات في مبادرة إنسانية استثنائية للغاية تحمل مسؤوليتها بشكل شخصي.
وفي إطار مختلف نسبياً قدمت السينما الصراع بين السلطة والثأر في ستينيات القرن الماضي على خلفية ما كان يقوم به البوليس السياسي من اعتقالات وتقييد للحريات في فيلم ‘غروب وشروق’ وأوضحت المعالجة في جانب من الفيلم ان هناك فصيلا وطنياً كان موجوداً بين صفوف الشرطة إبان حكم الملك فاروق انحاز للشعب ومهد لقيام ثورة يوليو بالتنسيق مع الضباط الأحرار في الجيش، وهؤلاء كان يمثلهم في الفيلم محمد الدفراوي الذي سهل دخول رشدي أباظة بيت محمود المليجي رئيس البوليس السياسي ومكنه من تصوير مذكراته التي تتضمن أسرار خطيرة.
لم تنحز سينما الخمسينيات والستينيات تماماً لجهاز الشرطة بنقل الصورة المضيئة فقط وإنما اشتبكت في بعض الأحيان مع السلطة الأمنية وأدانتها على سبيل المثال فيلم ‘في بيتنا رجل’ الذي قام ببطولته عمر الشريف كان نموذجا لملاحقة العناصر الأمنية للثوار والفدائيين فالبطل الشهيد إبراهيم حمدي أو ‘عمر الشريف’ ظل مطاردا ومرصوداً حتى الاستشهاد، ونحن لا نتحدث هنا عن السياق التاريخي للأحداث بقدر ما نشير إلى دور السينما في تسليط الضوء على عيوب ومزايا السلطات التنفيذية الأمنية أو الشرطوية.
هذا السرد لبعض العينات السينمائية يختص فقط بالمعالجة الدرامية لشخصية ضابط البوليس في فترة ما قبل وما بعد ثورة يوليو مباشرة، أما فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وما تلا هذه المراحل والحقب فسوف يتم تناوله بما يدل عليه من افلام كان لها صدى وتأثير على الجمهور العريض وساهمت في تكوين الصور المتباينة للرجال الرسميين المختلف عليهم.

Email this page