موظف سابق في دهاليز البنك الدولي ورؤية نقدية ضد الفساد ومع الاصلاح وترحيب شعبي متحفظ
عمان – “القدس العربي” بسام بدارين:
“الوزير الصامت “.. هذا الوصف لائق تماما بوزير التربية والتعليم الاردني الذي أصبح بقرار سياسي رفيع المستوى ومفاجئ رئيسا لحكومة انتقالية تسعى لاحتواء ازمة خانقة في الأردن.
بالعادة يشتكي زملاء الرزاز من صمته وترفعه عن المناقشات التفصيلية فهو قليل المداخلات وينشغل بمهامه وملفاته فقط ولا يزاحم او ينافس او يصارع سياسيا او بيروقراطيا.
شعبية الرزاز وهو مثقف ومفكر اقتصادي أصلا برزت الى السطح بسبب الاصلاحات السريعة التي قام بها في وزارة التربية والتعليم العملاقة.
طوال فترة عمله وزيرا للتربية والتعليم كان الرزاز قليل الكلام ويتفاعل مع الطلاب والمعلمين عبر صفحته النشطة على فيسبوك ونجح فيما يبدو بالسيطرة على تلك الاعتبارات المتعلقة بامتحان الثانوية العامة، الأمر الذي أسس له مكانة رفيعة في وجدان شرائح كبيرة في المجتمع.
استمعت “القدس العربي” مباشرة للرزاز وهو يتحدث ردا على استفساراتها عن الاصلاح التدريجي وضرورة التخلص مما سماه بـ”فوبيا الثانوية العامة”.
وقبل تكليفه بأيام فقط تحدث لـ”القدس العربي” عن وجود تيارين في الادارة العامة لا بد من التعايش بينهما حتى تصبح خطوات الاصلاح تدريجية وعميقة ومقنعة.
الرئيس المكلف الجديد ورغم قلة كلامه العلني باعتباره من شخصيات الظل لم يكن متحمسا لبرنامج التصعيد الضريبي أصلا حتى انه اعتزل اجتماعات اللجنة الوزارية الاقتصادية التي كانت تبحث التفاصيل.
في أكثر من موقع ومناسبة حرص الرزاز على التذكير بضرورة التعامل مع الاصلاح بكل معانيه في سياق شمولي وعميق واستراتيجي وليس في اطار التكتيك السياسي او البيروقراطي فقط وسبق ان تحدث مع “القدس العربي” مباشرة في هذا الامر.
سبق للرزاز ان رفض عدة مرات الانضمام لثلاث حكومات سابقة لكن تعيينه وزيرا للتربية والتعليم بقرار مباشر من القصر الملكي في الحكومة التي رحلت للتو كان صاعقا ومفاجئا بسبب صعوبة الاصلاح والتغيير في هذه الوزارة اولا، وثانيا بسبب الخلفية الاقتصادية للرجل فقد كان رئيسا لمؤسسة الضمان الاجتماعي.
الرزاز قد يكون قبل الوزارة والرئاسة الموظف الوحيد الذي حصل على موقعه بمسابقة تأهيلية قبل سنوات.
وغادر الرزاز موقعه المتقدم في ادارة البنك الدولي قبل 12 سنة عندما قرر العودة الى عمان والاقامة فيها.
وهو وضع يؤهل الرجل للاستثمار في خبرته الخاصة مع البنك الدولي وصندوق النقد على اساس اعادة التفاوض على اشتراطات ومطالب الاصلاح الاقتصادي.
صورة من صفحة رئيس الوزراء الجديد على “فيسبوك” يشارك الطلاب بعمل ميدانييوصف الرزاز عبر وسائط التواصل الاجتماعي باسم “عمو عمر” خصوصا في اوساط الشباب وطلاب الثانوية حيث برزت هذه الكنية بعد حوار شهير بينه وبين طالبة سألته بصيغة العم الوزير عن كيفية السهر اثناء الامتحانات فأجابها بنفس الصيغة مشجعا لها واخترع لطلاب الثانوية العامة فكرة “الدراسة عليكم والدورات علينا” بمعنى اتخاذ اجرأ قرار في تاريخ وزارة التربية والتعليم الاردنية وهو الغاء الرسوب في الثانوية العامة.
بطبيعة الحال الرزاز يتميز دوما حتى في المواقع الوظيفية برؤية نقدية وسبق له ان ترأس لجنة ملكية خلصت علنا بصورة نادرة إلى حصول فساد وقرارات خاطئة في عملية التخاصية وبيع بعض مؤسسات القطاع العام.
المشكلات التي يمكن ان يواجهها الرزاز وهو يرث حمولة ثقيلة لها علاقة بزهده في القتال والصراع رغم صلابته وبخلفيته اليسارية والقومية وبعدم وجود بعد عشائري يحميه وهي عناصر بكل الاحوال تخدمه في الشارع مع التيار المدني المتنامي تحديدا.
اغلب التقدير أن الشارع المنفعل سيحتفل ولو قليلا بتعيين الرزاز بسبب سجله النظيف وحسابه على تيار ورموز الاصلاح. لكن جزء من هذا الاحتفال سيكون له علاقة بالتأكيد ببهجة التخلص من سلفه الملقي.
ومن المتوقع ان يرحب الشارع باستلام الرزاز لمهامه لكن بتحفظ وقد يفسح له الحراكيون بعض المساحة والوقت شريطة ان يمضي بالبرنامج المعلن لهم والمعتمد اليوم على فتح كل الملفات وليس فقط على ملف قانون الضريبة المثير لعاصفة الحراك أصلا.
المهمة ليست صعبة لكن الرزاز يردد دوما مقولة تتعلق بعدم وجود مستحيل خصوصا وانه قد يكون الخبير الاقتصادي الوحيد الذي قبل استلام الحكومة في هذه المرحلة العصيبة.
سبق للدكتور الرزاز ان اغضب الحرس القديم في الدولة عدة مرات وهو لا ينتمي للنادي الذي يؤمن بالاعتبار الأمني على حساب السياسي دوما وهو بكل حال من خارج النادي التقليدي لكن التفويض الملكي الممنوح له على الارجح شامل وعميق وكبير.
نجاح الرزاز في مهمته مرتبط بأجنحة الدولة الاخرى وخصوصا الامنية والسيادية وخلال اسابيع فقط يفترض ان يكتشف الجميع مستوى تجاوب والتزام الدولة العميقة وغير العميقة في انجاح الخيار الملكي تحت وطأة ايقاع الشارع الصاخب، لان الرزاز من الشخصيات الجدية لكنه نزق سياسيا ويمكنه الانسحاب ببساطة اذا لم تتعاون معه بقية أجهزة الدولة.
وحتى ينجح الخيار الملكي الجديد يبدو أن المعادلة تحتاج إلى صيغة تخضع بقية المؤسسات للأجندة التي سيلتزم بها علنا النجم الجديد في منطقة الدوار الرابع وسط العاصمة عمان.
وهي صيغة من المنطق القول مبدئيا انها ينبغي ان تقدم للشارع المنتفض اشياء محددة او تنازلات ذات قيمة.
نحن بلد صغير ونحن بعض جيداً ، معالي عمر الرزاز رجل نظيف، مثقف، من عائلة سياسية وادبية عريقة، اتمنى له التوفيق، وخصوصاً فيما يتعلق بمحاربة الفساد والقضاء عليه، وبعكس ذلك اعتقد اننا نشتري الوقت.
كل الذين يتم تعينهم في الوزارات في الأردن هم على أساس خبراء اقتصاديون ويحملون شهادات دكتوراه من جورج تاون أو جامعة هارفارد، ومع ذلك فان سياستهم تنم عن تخبط وعدم دراية. هذا الوضع يثير تسأل.
انا انصح الرزاز باعادة توزيع رواتب الموظفين على دفعتين او اكثر كما هو الحال في الدول التي حاول الملقي ان يحذوا حذوها كاجراء مبدئي في الايام القادمه والذي من شانه ان يحرك السوق في الاردن ويجعل من قدرة المواطن على ظبط جزئي لميزانيته الاسبوعيه او النصف شهريه لا ان يبقى المواطن منتظرا ثلاثيين يوما ليتسلم راتبه .
تغيرت المعطيات الاقتصادية والمالية في الأردن كثيرا عن تلك التي كانت قبل بضع سنوات , وهذا ما لا يعرفه الكثير من المواطنين , فلم يحاول المواطن إجراء أي تغيير في خطته الاقتصادية بشكل طوعي استباقي , وظل على نهجه القديم في الانفاق , مما أوقعه في هوة الفارق بين زمنين ماليين مختلفين تماما. أما الحكومة فهي في وضع اقتصادي مالي حرج جدا , وتحاول الرقص على رؤوس الأفاعي المتمثلة في إمكانات ضعيفة واشتراطات مالية للبنك الدولي . لم يكن الملقي شيطانا , ولن يكون القادم ملاكا , كلاهما محكوم بأرقام صماء لاتفهم العواطف ولا حرق الكاوتشوك في الشوارع .المطلوب حاليا هو التعقل والحكمة والصبر كما هو التعاون والتكاتف والتعاضد . المطلوب هو الانتماء الحقيقي الذي ينم عن وعي وتبصر , لا الانتماء المفصل على قدر المكتسبات . وعلى أي رئيس حكومة قادم أن يتشارك مع الكل في الحلول والقرارات حيث لا نملك رفاهية التجريب والاحتمالات . وعلى الإعلام مسؤولية تقديم كل جوانب الصورة ولا نتصيد العيوب ونحلم بالمثاليات ,الأمر يتعلق بمستقبل وطن لا بد أن يظل قويا متماسكا مهما قست علينا الظروف .