تونس – «القدس العربي» : تسبب غرق 48 مهاجراً تونسياً وإفريقياً بموجة من الحزن والغضب في تونس، حيث عقد الرئيس الباجي قائد السبسي اجتماعاً عاجلاً برئيس الحكومة يوسف الشاهد، أوصى خلاله بالتحقيق للكشف عن شبكات الهجرة السرية والإحاطة بأسر الضحايا، فيما شكلت الحكومة «خلية أزمة» لمتابعة الحادثة، في وقت استنكر فيه حقوقيون السياسة التنموية «الفاشلة» للحكومة والتي أدت لتزايد هذا النوع من الحوادث، فيما دعا أحد النواب لمساءلة وزير الداخلية، معتبرين أن الحادث يعتبر «فشلاً أمنياً» جديداً.
وقُتل 48 شخصاً (في حصيلة مبدئية) عقب غرق قارب كان يقل 180 مهاجراً سرياً قبالة جزيرة «قرقنة» شرق تونس، وتم إنقاذ 68 مهاجراً، في حين توقع مراقبون تزايد عدد القتلى في ظل وجود 64 مهاجراً في عداد المفقودين.
وعقد الرئيس الباجي قائد السبسي اجتماعا عاجلا مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمتابعة الحادث، حيث أوصى قائد السبسي بـ»الإحاطة السريعة بأسر الضّحايا واستكمال التحقيقات في أقصر الآجال لتحديد المسؤوليات كاملة مع ضرورة إضفاء مزيد النجاعة على التدابير الحكومية السابقة المتعلقة بتتبع الشبكات والعصابات الاجرامية المختصة في تهجير الشباب والمغامرة بحياتهم».
فيما أعلنت الحكومة في بلاغ أصدرته أمس الاثنين «تشكيل خلية أزمة على المستوى الحكومي لتوفير الإحاطة بالعائلات وتوفير المساندة المعنوية والنفسية للناجين، كما قدم تعليماته للمسؤولين على المستويين الوطني والجهوي، كل في مجال اختصاصه لتوفير العناية العاجلة والضرورية لعائلات الضحايا، معنويا وماديا»، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة أكد «ضرورة التفعيل السريع لقرارات المجالس الوزارية السابقة في ما يتعلق بتتبع الشبكات الاجرامية المختصة في استغلال الشباب الراغب في الهجرة، والمتاجرة بهم والمخاطرة بحياتهم، وتفكيك هذه الشبكات في أسرع وقت، ومعالجة كل أوجه القصور التي أدت إلى مثل هذه الفاجعة»
وتسبب الحادث في موجة استنكار كبيرة داخل البلاد، حيث دوّن النائب ياسين العيّاري على صفحته في موقع «فيسبوك»: «تجمَع 180 شخصاً، تجميع قرابة المليار نقداً (في إشارة إلى حجم النقود التي حصلها المهرّب والتي تُقدّر بمليون دينار)، من دون تفطّن وزير الداخلية، والبلاد في حالة طوارئ!».
وأضاف «دعونا نكون واضحين وموضوعيين: الدولة التي في حالة طوارئ و ينجح 180 شخصاً في التخطيط والتنظيم والتجمع، من دون أن تعلم الداخلية، هي دولة الساهر على أمنها يعتبر موضوعيا: فاشل. كان يمكن أن يكونوا 180 إرهابياً، مليار (مليون دينار) يمكن من خلاله شراء الكثير من الأسلحة: خططوا على مدى أشهر، تجمعوا، تقابلوا، اجتموا والداخلية لم تر! شيئا! لم تعلم شيئا. فشل ذريع ومؤسف لكل الجهاز الأمني، يستحق مساءلة في البرلمان للتأكد من جاهزية الداخلية وقدرتها على حماية التونسيين، وهذه المساءلة ستتم!».
وكتب النائب عماد الدائمي «كارثة فظيعة جديدة تعكس حجم الإحباط الذي يسود شباب البلاد. ليس أثقل على نفس الإنسان من أن يعيش المصيبة نفسها مرات متعددة ويعرف أنه سيعيشها مستقبلا من دون أن يقدر على إيقاف هذا المسار اللعين (…) يهربون من الموت البطيء في البلاد بسبب التهميش والفقر والبطالة وغياب الفرص وغياب العدالة والاحباط والدمار الذاتي، من دون خوف من الموت السريع والانتهاء لقمة لسمك المتوسط الذي تعود بلحم البشر، وجلهم يعتبر الموت السريع أرحم من الموت البطيء».
وأضاف مصطف عبد الكبير رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان: «الجميع يعرف انه منذ اكثر من سنتين والوضع في جزيرة قرقنة – للأسف – خارج عن السيطرة، وان ما حصل من مواجهات خلال السنة الماضية ومنذ الاعتداء الغريب على وحداتنا الامنية هناك وكيف تعاملت السلطة مع الامر، جعل من حركة الهجرة تنشط بكثافة وتحتل مساحات كبيرة من النفوذ علي الواقع. للأسف الشديد ان ما هو حاصل في جزيرة قرقنة هو تماما ما هو حاصل في دول تغيب فيها سلطة الدولة وتحضر فيها سلطة المليشيات. اليوم المافيا تعبث بمستقبل أبنائنا وغداً حتماً ستعبث بمستقبل الدولة. اليوم المافيا في جزيرة قرقنة سيطرت على مناطق مهمة تفعل فيها ما تريد. غداً حتماً ستظهر مليشيات أخرى متطرفة وستهدد أمننا وقد تستهدف قواتنا الامنية هناك. هذه الحقيقة المرة التي يتحاشاها الجميع ويخشون ذكرها ولا يريد ون الخوض فيها».
وشهدت تونس في وقت سابق حوادث مماثة، حيث تسببت خافرة عسكرية بمقتل 46 مهاجراً سرياً كانوا على متن أحد القوارب في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأثار الحادث حينها جدلاً حيث اتهم الناجون من الحادث الخافرة بإغراق مركبهم وهو ما نفته وزارة الدفاع كلياً، مشيرة إلى أنها شرعت في إجراء تحقيق دقيق لتحديد أسباب الحادث.