هل تدرك روسيا حقيقة إسرائيل؟

د. فايز رشيد

Jun 14, 2018

بمنتهى الصّراحة والوضوح، لا يستوعب المرء هذا التقارب المتزايد بين روسيا ودولة الكيان الصهيوني، والزّيارات المتكرّرة لنتنياهو إلى موسكو.
ندرك،أنّ بوتين لن يكرّر تجربة الحزب الشيوعي السوفييتي سياسيا، الذي ورث موقف ستالين من الاعتراف السّريع بالدولة الصهيونية فور إنشائها، حتى أن موسكو سبقت باعترافها بإسرائيل، أمريكا، وكانت أوّل وأسرع دولة تعترف بهذا الكيان على صعيد العالم.
أتذكر الأجوبة التي كان يتذرّع بها مدرّس تاريخ الاتحاد السوفييتي في الكلّية التحضيرية عندما كان يُسأل من الطلبة الفلسطينيين والعرب عن هذا الاعتراف؟ تمحورت إجاباته في منحى تبريري غير قابل لإقناع أحد، مثل أن الاتحاد السوفييتي انخدع بالاشتراكية التي سيبنيها «الصهيونيون الاشتراكيون» في فلسطين المحتلّة ـ على الرغم من عدم توافق الاشتراكية مع الصهيونية، فهما متناقضتان تماما ـ وكان المندوبون العرب يخرجون من القاعة عندما يبدأ المندوب السوفييتي في إلقاء كلمته. بالطبع، موقف آباء الماركسية معروف من «المسألة اليهوديّة» عندما أثيرت، ويتمثّل في التّالي: «إن فكرة الأمّة اليهودية هي فكرة رجعية المحتوى» و»إن اليهود بقوا بفضل التاريخ لا رغماً عنه، و»إن حلّ المسألة اليهودية يتمثّل بعيش اليهود بين مجتمعات الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها»، ولذلك رفض لينين دخول «حزب البوند» المشكّل من اليهود إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي الرّوسي عام 1905 ككتلة واحدة، وطلب منهم الدّخول أفرادا خشية منه على تسميمهم لوعي الحزبيين الآخرين من الشيوعيين.
المؤسف، أنه بحسب التقارير الصحافية، وجهّت السفارة الروسية في تل أبيب، الدعوات لاحتفال يقام بمناسبة اليوم الوطني الروسي (عيد الاستقلال) الذي هو يوم تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1990، وإعلان روسيا دولة مستقلة، الذي صادف يوم 12 يونيو/حزيران الحالي، بحيث سيقام الحفل هذا العام في القدس الغربية، لأول مرة، يوم 14 يونيو. علماً أن كل السفارات تعقد احتفالاتها في تل أبيب.
هذا أعطى الفرصة للإعلام الصهيوني للرّبط بين هذه الخطوة، بإعلان روسي مفاجئ آخر، في إبريل/ نيسان عام 2017، حيث اعتبرت موسكو حينها أن القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، وأن القدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين.
سيقام الحفل في مبنى أثري، معروف باسم المسكوبية، تعود ملكيته للروس، بني في القرن التاسع عشر، وكان الإسرائيليون قد اشتروا جزءا كبيرا منه من الاتحاد السوفييتي عام 1964، بقيمة 3.5 مليون دولار، فيما سمّي حينها «صفقة البرتقال» لأن الإسرائيليين دفعوا المبلغ على شكل حمضيات صدّروها لموسكو حينها. وقد حدث خلاف على شمول جزء من المجمّع المذكور (المسكوبية)، وأعيد هذا الجزء للروس عام 2008، والآن ينوي الروس عقد الاحتفال الوطني في مبنى فيه. اللافت، أن الصحافة الإسرائيلية (على الأقل ما أتيح الاطلاع عليه)، لم تهتم بالحديث مع الروس، لسؤالهم عن معنى وسبب خطوتهم. وقد حرص الإعلام الصهيوني على الإشارة إلى أن الخطوة الروسية تأتي بعد أسابيع من نقل السفارة الأمريكية للقدس.
أيضا، فإن أنباء صحافية تتحدّث عن تنسيق روسي – إسرائيلي بشأن سوريا! وللعلم، فإن إشارة زعيم حزب الله في خطابه الأخير في ذكرى (يوم القدس) إلى أنّه لو طلب كلّ العالم من الحزب الخروج من سوريا، فلن يخرج، وأنه سيخرج متى طلبت القيادة السوريّة منه ذلك.
إنّ مجرّد ذكر هذه المسألة من السيّد حسن نصرالله، يعني وجود طلب من دولة/دول بهذا الخصوص (مثلما ذكرت الأنباء) والدولة هي روسيا التي طلبت من إيران وحزب الله إخراج قواتهما من سوريا.
اللافت للنظر كذلك ما نشرته وكالة «تاس» الروسية من نفي مصدر عسكري روسي صحة التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تسليم سوريا منظومة الدفاع الجوي الروسية «S-300». ونقلت وكالة «تاس» عن المصدر ذاته، قوله: «إن لدى القوات المسلحة السورية منظومات دفاع جوي مختلفة سوفييتية، وكذلك روسية حديثة، مثل منظومة بانتسير، وكلها أظهرت نجاعتها من خلال التصدي للهجوم الصاروخي، الذي شنّته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سوريا في 14 أبريل الماضي، في الوقت الذي أعلن فيه السفير السعودي في روسيا رائد قريملي، أن المفاوضات حول توريد صواريخ «إس -400» الروسية إلى المملكة، بلغت مراحلها النهائية. وكان مساعد الرئيس الروسي للتعاون الفنّي فلاديمير كوزين، قد صرّح في مقابلة مع صحيفة «كوميرسانت» بأنه تم التوقيع على وثائق شحنات «إس – 400» إلى السعودية، وتمت الموافقة على جميع المعايير بشأنها.
معروف بالطبع، أن دولة الكيان الصهيوني ترتبط بعلاقات استراتيجية مع حلف شمال الاطلسي (الناتو)، وھي تشارك بشكل متواصل في المناورات العسكریّة السنویة للحلف، خصوصاً منذ أن افتتحت إسرائيل بعثة لھا في مقر الاتحاد في العاصمة البلجیكیة بروكسل عام 2016.
شاركت إسرائيل قبل أسبوعين في مناورات للحلف جرت في بلدان من دول في شرق أوروبا، منھا دول البلطیق الثلاث: «لاتفیا. استونیا ولیتوانیا»، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفیيتي السابق، فضلا عن بولندا التي كانت عاصمتھا المقّر الدائم لحلف وارسو، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية. كذلك، فإن هذه الدول قبلت بوضع قواعد صواريخ استراتيجية أمريكية على أراضيها، بالطبع أمريكا وإسرائيل وجهان لعملة واحدة. كما نذكر تهديدا لمناحيم بيغن خلال الحقبة السوفييتية قال فيه إن الصواريخ الإسرائيلية قادرة على الوصول إلى حدود الاتحاد السوفييتي.
ندرك، حجم النفوذ الصهيوني في روسيا، وتحكّمه في مفصلين رئيسيين في الفيدرالية الروسيّة وهما المؤسسات المالية والإعلاميّة! وعند سؤال كاتب هذه السطور لمستشارين سياسيين روس، في التحضير لكتاب له عن روسيا، لماذا لا يحارب بوتين هذا الدور التخريبي للّوبي الصهيوني في روسيا؟ أجيب، بأن بوتين لا يستطيع فتح معركة مع أقطاب هذا اللوبي، وهم المتحكّمون في الاقتصاد الرّوسي. بالفعل تمّ تعيين فلاديمر بوتين ليخلف يلتسين، وكان مرتبطا بالمافيا التي شكّلها أقطاب هذا اللوبي. وساد اعتقاد حينها أن بوتين عقد اتفاقا مع أثرياء روسيا الجدد يتعهد لهم باحتفاظهم بالأموال التي لديهم إذا حافظوا على أنوفهم خارج السياسة.
البعض منهم رفض هذا العرض ومن بينهم قطب قطاع الإعلام بوريس بيريزوفسكي، وميخائيل خودوركوفسكي الذي كان يعتبر أغنى رجل في روسيا والرئيس التنفيذي لأكبر شركة نفط روسية «يوكوس». وقد دفع كلاهما ثمناً غاليا لذلك التحدي، إذ انتقل بيريزوفسكي للعيش في المنفى في لندن حيث وجد مقتولاً عام 2013، أما خودوركوفسكي فسيقضي 10 سنوات من الأعمال الشاقة داخل سجن في سيبيريا، وهو يعيش الآن في المنفى أيضاً. ولم ينج من أزمة الركود العالمية عام 2008 أولئك الأوليغارشيون الروس الذين يبحرون داخل يخوتهم الفاخرة، إذ بلغت خسائرهم بالبلايين، وبعدها بسنوات قليلة، في عام 2014، أصابتهم العقوبات الأمريكية، بعد أن قامت روسيا باستعادة شبه جزيرة القرم.
لكن وفقا للإحصائيات، يوجد في روسيا اليوم 96 بليونيراً معظمهم من اليهود، ممن لهم صلات بالرئيس ترامب. هؤلاء الأوليغارشيون من أمثال رومان ابراموفيش، الذي يملك نادي «تشيلسي» لكرة القدم هو ومنذ فترة طويلة صديق مقرّب لكوشينر وزوجته ايفانكا ترامب، وفي السياق نفسه يأتي الأوليغارشي الروسي أوليغ ديريباسكا وغيرهم! هؤلاء يلعبون دورا تخريبيا في السياسة الروسية وتحويرها لصالح إسرائيل.
اللوبي اليهودي في روسيا يكرّر تجربة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، أصبح دوره ملموسا في الاتحاد الروسي بهدف القيام بخطوات لإنتاج أدوات ضغط على دوائر صنع القرار في موسكو، في سعي واضح منه لضمان توظيف ثقل روسيا العالمي والإقليمي في خدمة بعض السياسات الإسرائيلية.
نقول ذلك بأسف شديد غير متناسين دور روسيا المهّم في المنطقة ودفاعه عن وحدة الأراضي السورية، والوقوف مع القضايا العربية، غير أنه مطلوب من روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي أن تقوم بقصّ أجنحة هذا اللوبي الذي يقوم بتخريب روسيا من جهة، والتدخّل في سياساتها لصالح إسرائيل، التي تلعب دورا أكثر من تخريبي في الفيدرالية الروسية. المطلوب من روسيا إدراك حقيقة إسرائيل ودورها في روسيا.
كاتب فلسطيني

هل تدرك روسيا حقيقة إسرائيل؟

د. فايز رشيد

- -

2 تعليقات

  1. فعلاً كما اشار الدكتور في بداية مقاله لهذا اليوم بقوله: “بمنتهى الصّراحة والوضوح، لا يستوعب المرء هذا التقارب المتزايد بين روسيا ودولة الكيان الصهيوني، والزّيارات المتكرّرة لنتنياهو إلى موسكو”. يبدو ان هناك مصلحة مشتركة في الوقت الحاضر والأيام القادمة كفيلة بكشفها. ويجب علينا عدم الأستغراب مما يحدث الآن بين روسيا ودويلة الكيان الصهيوني اذا ادركنا انه من الأمور الثابتة في عالم السياسة بأن المبادئ والمصالح مشتركة ومن الصعب الفصل بينها كما انها تتغير بحسب المكان والزمان.

  2. مع الاحترام لوجهة نظر الكاتب المحترم الا انني لا استوعب ابدا مقالة ان الصهيونية تتحكم بسياسات دول كبرى مثل روسيا و امريكا و بريطانيا و فرنسا و المانيا. ما نراه هو تقاطع مصالح او حتى استخدام الدول الكبرى للصهيونية في تحقيق مصالح لهذه الدول.
    اذا لم تكن امريكا و بريطانيا و روسيا دولا مستقلة تعمل لمصلحتها فمن هي الدول المستقلة؟ هذه الدول الكبرى تعمل بموجب استراتيجيات و تكتيكات مدروسة مبنية على مصالحها بالدرجة الاولى مع بعض المبادئ الديكورية. اما علاقاتها باسرائيل و الصهيونية فهي لضمان مصالحها في العالم العربي. و السبب هو ضعف الانظمة العربية لانها تفتقر الى الحرية و الديموقراطية بل ان بعضها بات يعيش تحت الحماية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left