جبّة الفقيه وبنطلون العلمانية

د.رشيد المومني

Jun 14, 2018

من بين الثغرات الكثيرة المتوزعة على طول وعرض الخطابات الإصلاحية والتنويرية، القولُ باستحالة مغادرة العالم العربي لدهاليز التخلف، ما لم يتشبع بروح الحداثة وقيمها، وهو شرط لن يتحقق في نظرها، إلا بتخلصه النهائي من جُبَّة الفقيه، التي تشُلُّ بثقلها الدلالي والرمزي، حركية العقل والمشاعر، ما يجعل الذات عاجزة عن استيعاب الأسئلة الجديدة، التي تطرحها إكراهات الحياة اليومية.
والجدير بالذكر، أن جبة الفقيه هذه، تحولت إلى «قضاء وقدر» من طول التصاقها بالجلد والعظم، حتى ليجوز اعتبارها من بين أهم العوامل المتحكمة في آلية تفسيرنا وفهمنا لعوالمنا الصغيرة والكبيرة، لكونها، لا تني تبرهن على كفاءتها العالية في صيانة نسيجها الرمزي، عبر استخلاصها للعبر والدروس، من صلب الهزات الاجتماعية والسياسية، المترددة تباعا على الفضاءات العربية، التي على الرغم من إطاحتها بالكثير من التابوهات والثوابت، إلا أنها نادرا ما تفلح في المّسِّ بقداسة الجبة، التي من فرط تحكمها في روح وجسد الإنسان العربي، تجعله مدعوا للتيمُّن ببركاتها، كلما انتبه إلى ظهور أعراض توحي باحتمال حدوث انقلاب ما، في وتيرة حياته، لتكون بذلك ملاذه الرحيم الذي يحتمي به من المخاطر المتربصة بهويته، لاسيما أنه لا يملك ما يكفي من الوقت لإعمال عقله، كي يهتدي إلى معرفة عِلل الأعراض المريبة ومسبباتها، لأن هذا العقل غير متعود أصلا على الاستجابة العملية والمباشرة، لما تبثه هذه الأعراض من رسائل وإشارات، نتيجة تغييبه الدائم عن المشهد، وإعفائه التام من مسؤولياته الطبيعية، التي أمست وعلى امتداد أزمنة طويلة من اختصاصات جبة فقيه، يحظى بإجماع ذوي»الرأي» و»المشورة»، بصفته «المنقذ الدائم من الضلال» والمصطفى من قِبل العناية السماوية.
وتجدر الإشارة إلى أن الفقيه الذي يهمنا في هذا السياق، غير مقيد بإطار تاريخي معين، أو بمكان جغرافي معلوم، لأنه رمزٌ لهوية مركبة، تحيلنا إلى مواكب الفقهاء الذين تستمر الأزمنة في مراكمتهم، منذ فجر الرسائل السماوية إلى الآن، بمختلف انتماءاتهم الجغرافية والعرقية، فحيث تعثر الشريعة على موطئ قدم ثابتٍ لها هنا أو هناك، توجد ثمة الجبة ذاتها، للفقيه ذاته، بصرف النظرعن هويته اللغوية، أو الإثنية. ولعل هذا التراكم اللانهائي والمتنوع في مرجعيات الخيوط العقدية التي يتشكل منها نسيج الجبة «المباركة « هو أحد العوامل الفاعلة في تقوية لحمتها وسداها، كما أنه إلى جانب ذلك، أحد أهم العوامل المساعدة على تواجدها في قلب مدارات ثابتة، لا تنال من خطاباتها التحولات والمتغيرات، لتظل محتفظة بفاعليتها في إحباط كافة المخططات الهادفة بشكل أو بآخر، إلى تمزيق نسيجها، أو تعريضه للبلى والزوال. إنها بهذا المعنى، حريصة على تدارك ما يطال مهامها التنظيمية من اختلالات، باحتوائها للمزيد من الخيوط الاحتياطية، المنتمية للتوجهات العقدية المتواجدة في شمال الأرض وجنوبها، بما يحافظ على مناعة نسيجها، كي تتصدى لمختلف الأنواء التحديثية. والكلام هنا، ليس بالضرورة توصيفا لجوهر العقيدة الإسلامية، بقدر ما هو توصيف عام وشامل، لفائض الحماس العقدي، المعتلج في دواخل شعوب وقبائل الأرض المنضوية تحت لواء الجبة ذاتها، الذي يتبلور في صيغة خطابات وعادات وطقوس، تتفاعل وتتكامل في ما بينها، على الرغم مما يشوبها من تناقضات جذرية، تنعكس آثارها بشكل مباشر، على فهم وتأويل النصوص الأصلية، ذلك أن الهويات المتعددة التي يتميز بها الوعي الجمعي لهذه الشعوب والقبائل، تتكامل في إنتاجها لتصورات تخييلية، تلقي بظلالها الكثيفة على منابع العقيدة الأصلية، مُحْدثة فيها سلسلة طويلة من التحويرات والتشويهات، هي خليط من سرديات خرافية وأسطورية، يتم تكريسها وتبنيها على امتداد الزمن، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الدينية، وأيضا باعتبارها سلطة، تحكم قبضتها على الوجدان الفردي والجماعي، وفي تصورنا أن هذا الخليط المتعدد من الخطابات الذي يهيمن فيها المتخيل الجمعي، على التعاليم العملية الحاضرة في النص الديني، وبمساهمة تلك الكائنات الغامضة واللامرئية المقيمة في أقبية اللاوعي، هو المحرك الرسمي للقناعات الدينية، والمتميز بقوته التأثيرية التي تتجاوز سلطة العقل والتفكير. وفي اعتقادنا أن السبب المباشر في ذلك، يعود إلى اهتمام الكائن ومنذ القدم، بأسئلة الوجود، خاصة منها أسئلة الخالق والمخلوق، باعتبارها الأصل في اشتغال الملكة التخييلية، التي يتفرد بها الكائن، دون غيره من المخلوقات، بما يضعه مباشرة في قلب دوامات البحث عن أسرار الغيب، حيث تتراجع فعالية العقل، مفسحة المجال لفعالية المتخيل الديني، كي يقوم بمهمة وضع الفرضيات والاحتمالات، وبناء الوقائع، والتكهن بما كان وما سيكون، والحديث هنا عن التخييل في علاقته باستكناه أسرار الغيب، هو حديث عن مقارباتٍ لتصورات، وحقائق، تشكو من تشوش كبير في دلالاتها، كما أنه حديث عن تساؤلات، تقع خارج مجال العقل التجريبي، بفعل اندراجها ضمن اختصاصات متخيل، تُسند إليه مهمة تفسير الظواهر الطبيعية والإنسانية، بأسلوب مستقل عن غيره من الأساليب والمنهجيات، لأن القضايا المندرجة ضمن اختصاصات التخييل الديني – وفي مقدمتها قضايا الغيب – تظل منفلتة، وهلامية، ما يساعدها على التنامي والتوالد العشوائي، إلى أن تأخذ شكل أخطبوط أسطوري، يُحكم قبضته على مختلف أنماط الوعي، فردية كانت أو جماعية، معززا بسلطة جبة الفقيه، التي لا تصمد أمامها أغلب التوجهات النقدية المضادة.
ومرد ذلك، أن الأسلوب الذي يتعامل به التخييل الديني مع الرسائل السماوية، يقتصر على «الحد الأدنى» من مضامينها المتفرعة والمتشعبة، بتركيزه على عناصرها الأكثر تأثيرا في العواطف والانفعالات البشرية، من قبيل الأحداث المتعلقة بالخوارق والمعجزات، وبكل ما من شأنه استقطاب واستضافة أفواج متتالية من المؤمنين، الذين يتوافدون زرافات ووحدانا، وقد تزودوا باختياراتهم الخاصة لمفهوم «الحد الأدنى»، بمنهاجياتهم المستقلة التي يوظفها مِخيالُ الجبة، في تأطير مكوناتِ هذا الحد، انسجاما مع خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية، ما يعني حضورَ تعدد وتنوع ملموسين في استراتيجيات التخييل، التي يتعرض بموازاتها النص الأصلي إلى تصدعات وتشظيات، تؤثر بشكل ملموس في تفكيك وحدته، وتماسك بنياته.
إن أهم ما تنبهنا إليه إشكالية «الحد الأدنى» في هذا السياق، هو تعذر التعامل من النص الديني من منطلق اعتباره بنية متكاملة ومتناسقة، أسوة بالنصوص المتمحورة عادة حول قضايا مادية وملموسة، تخص إشكاليات حقل معين من الحقول التجريبية، التي تستدعي مقاربتُها إعمالَ العقل والمنطق، عوض ملكة التخييل، أي أن»الحد الأدنى» المستنبطَ من النص الديني، يتميز بلغة اختراقية تتوجه مباشرة إلى مشاعر الإنسان وأحاسيسه الداخلية والحميمية، مخاطبة فيه تلك الكائنات الغامضة، التي سبق للأزمنة القديمة أن راكمتها في لاوعيه ومخياله كلما وجد نفسه عرضة للتيه، وهو بصدد البحث عن تأويلات شافية لما يجِدُّ في حياته اليومية من قضايا، تخص الظواهر الطبيعية الغامضة، خاصة منها ظاهرة الموت والانبعاث. فقوة التأثير التي تحدثه هذه الظواهر في اللاوعي، تصرف جبة الفقيه عن الاهتمام بغيرها من القضايا النصية، ذات البعد العقلاني، كما أنها تحفز مخيالها ليتولى مسؤولية فهم وتأويل المعطيات الحاضرة في ما سميناه بالحد الأدنى.
تأسيسا على ذلك، يمكن القول إن القناعات الدينية لدى العامة، ونسبة غير قليلة من الخاصة، تنهض على قاعدة المقولات المستخلصة من المادة التي يوفرها «الحد الأدنى» بدعم من ملكة التخييل العقدي، التي تتحول بفعل تغييب العقل، إلى قوة خفية، تمارس هيمنتها على الوجدان، كي يظل حيثُ هو، سجينَ دهاليز التخلف، بشكل يصعب معه التكهن بإمكانية اندماجه في رؤية مُخَلِّصَة، اسمها العلمانية .
شاعر وكاتب من المغرب

جبّة الفقيه وبنطلون العلمانية

د.رشيد المومني

- -

2 تعليقات

  1. هذا التخيل الديني محكوم اصلا بقواعد عقلية منطقية وليس تخيلية خرافية فالاسلام يخاطب العقل مباشرة وقاعدته التى ينبني عليها اساسها الاصلي عقلي فطري ..فعقل الانسان مفطور اصلا ومهيئ للايمان بهذه الغيبيات ولكنه مع ذلك مطالب باستخدام عقله المادي للوصول الى حالة اليقين وهو الاصل والاساس الذي سيبنى عليه ما يأتي بعده من امور غيبية غير محسوسة وملموسة …والسبب هو ان مسببها وهو الخالق اعظم من ان تدركه العقول وعلى المؤمن ان يستقين ذلك تماما ويعرف حجمه الحقيقي والذي هو صفر ..عندها يستحق الجائزة ..اما اذا ما اغتر واعتقد ان حجمه اكبر من صفر فعندها لايجدي العقل نفعا لانه يسير في الاتجاه الخاطئ ويغكر بطريقة عقيمة ..على الانسان ان يعرف حجم نفسه تماما ..قياسا الى من لامقارنة تجدي معه ابدا ولامجال لها مطلقا وليس الى مقارنة عقيمة مع مخلوقات غير عقلانية ومتخلفة مثل الحيوانات والحشرات ومادونها …القياس للادنى يرفع الغرور ويأتي بالتمرد وهو في النهاية الخاسر ..وهنا تحديدا لايعتبر هذا الاستخدام الامثل للعقل بل هو قمة الانحطاط وسوء الاستخدام .

  2. بت مقتنعا مع مرور الأيام وتقدم العمر وطول التأمل والتدبر في شأن الإسلام وأحوال المسلمين أن الإسلام سيكون بألف خير لو كان بغير فقهاء أو دعاة، وبخاصة منهم الذين باتوا في هذه الأيام يتصدرون الفضائيات ، يخوضون فيها في كل موضوع يخطر على بالهم ، ويفتون في كل ما خلق الله وما لم يخلق.
    والرأي عندي أن المؤمن العاقل الذي وُهِبَ عقلا راجحا وشخصية ناضجة ليس بحاجة إلى مواعظ وفتاوى هذا الصنف من الفقهاء والدعاة ، إذ يكفيه من أمور الدين ما يأخذه من دروس يسيرة في المدرسة تؤهله لتأدية فروضه الدينية .
    كلما قرأت القرآن الكريم أحسست بأن الإسلام دين يسر ، لا يكلف المؤمن به عنتا ولا مشقة ، لكني كلما طالعت الأوامر والنواهي والمواعظ المبثوثة في الأحاديث النبوية وكتب الفقه والتفسير أشعر بأن ليس هناك إنسان واحد على وجه الأرض يقدر على القيام بهذه التكاليف ،
    لماذا يُقدم الإسلام من قبل كثير من دعاته على أنه دين عصي على الاتِّباع ؟ .
    لماذا يُحشر الإسلام في كل كبيرة وصغيرة من حياة المسلم ، في أكله وشربه ومنامه وحركاته وسكناته وكلامه وصمته وآرائه وأفكاره ومشاعره ، حتى بات المسلم المسكين يسأل الفقهاء ببلاهة عن عدد رضعات الكبير وحكم جماع الزوجة المتوفية وخلع المرأة لثيابها أمام كلب ذكر ؟ .
    لماذا يُصوَّر الله جل جلاله أنه إله قاس ، يتعقب المسلم ويرصد له كل مرصد حتى يقع في قبضته ، فيحاسبه على تثاؤبه وعطسه وطريقة تبوله واضطجاعه وكلامه وأحلامه وما يخطر أوما سيخطر في باله في المستقبل ؟ .
    ثالثا :
    الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتولى شيوخه وعلماؤه مهمة شرح شريعته ونصوصه والدعاية له على مدى أربع وعشرين ساعة ، فلا تمر لحظة من لحظات الزمن دون شرح آية أو حديث أو حدث من أحداث السيرة أو موعظة أو ذكر.
    ما الذي استفاده جمهور المسلمين من هذه الدروس والمحاضرات والندوات والمواعظ التي تذاع كل يوم على مدار الساعة من المساجد والساحات والجامعات ووسائل الإعلام المختلفة ؟ .
    هل استطاعت أن تحسِّن من أخلاق المسلمين ، فتحد من شيوع الكذب والنفاق والغش وإخلاف الوعد بينهم ؟ أو أن ترسخ فيهم القيم الإنسانية الراقية ؟ .
    هل المسلمون بحاجة إلى هذا الضخ الإعلامي الكبير ؟ .
    ألم يزدهم هذا الضخ الإعلامي بلبلة وتفرقا وتمذهبا ؟ .
    ألا يكفي المسلم ما يتعلمه في البيت والمدرسة من أصول العبادات والمعاملات ؟.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left