«صفقة القرن»… البقية في حياتكم

عبد الحليم قنديل

Jun 18, 2018

بدأت حلقة جديدة من مسلسل «صفقة القرن» مع زيارة جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات المقررة إلى إسرائيل والسعودية ومصر، كوشنر صهر ترامب ومستشاره، وغرينبلات موفد واشنطن لسلام الشرق الأوسط، وقبل زيارتهما بأيام جرى استدعاء ديفيد فريدمان سفير أمريكا في إسرائيل إلى واشنطن، بهدف بحث تعديلات نهائية على خطة السلام كما قيل.
قبلها، قرأنا عشرات التقارير عما يسمى «صفقة القرن» لصاحبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا نتصور أن المولد سينتهي قريبا، ولا أن ما يسمى بالتسريبات سوف يتوقف، ولا أن صحفا ومواقع عربية وعبرية وأمريكية، سوف تنهي النشر في القصة السخيفة، لكن كل هذه الضجة قد لا تعني شيئا في النهاية، فالجنازة حارة والصفقة ميتة، وما نشر عنها، وهو كثير كالهم على القلب، لا يوحي أبدا أن طريقها سالكة ولا شبه سالكة، ولا أن أحدا ـ أيا ما تكن هويته ـ على استعداد للبيع والشراء في الصفقة الملعونة.
واللافت، أن ما جرى ويجري نشره عن الصفقة إياها، يتقلص باستمرار، فقد حدثوك في البداية عن حل إقليمي شامل، وعن تدبير عشرات المليارات من الدولارات، تدفعها دول خليجية ـ عبر أمريكا ـ للفلسطينيين، وعن جسور وأنفاق بين الضفة وغزة، وعن «تبادل أراض» بين الضفة والجليل، قد يمتد إلى تبادل أوسع بين سيناء والنقب، بهدف توسيع أراضي غزة، وجعلها «غزة الكبرى»، ثم بهتت كل هذه التصورات التي بدت اقتحامية، واقتصرت المعروضات على التقدم لما يمكن تسميته «أوسلو جديدة».
تُوسع قليلا في أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني بالضفة، وتُبقي على جوهر الأمر الواقع الراهن، وعلى وجود جيش الاحتلال في أغوار الأردن والضفة الغربية، وتضم كتل الاستيطان الكبرى لإسرائيل، وتعد الفلسطينيين بقدس مصطنعة مقتطعة في ضاحية «أبوديس» وحي شعفاط، تكون عاصمة بديلة لرام الله، وبديلا للقدس المحتلة نفسها، بعد اعتراف ترامب بالقدس الموحدة كعاصمة أبدية لإسرائيل.
وبالبداهة، فلا يوجد فلسطيني واحد، حتى لو كان معجونا بماء الخيانة، لديه استعداد لقبول مثل هذه الترهات، تماما كما لا يوجد حماس إسرائيلي للترتيبات نفسها، فاليمين الإسرائيلي الحاكم اليوم، والأكثر شعبية بين الإسرائيليين في المدى المنظور، يعرف مكانة الضفة الغربية في العقيدة والأساطير الصهيونية، وهم يسمونها «يهودا والسامرة»، وهي أكثر أهمية عندهم من تل أبيب ومدن الساحل، وترقى إلى مكانة القدس نفسها، وأي خروج إسرائيلي من القدس والضفة الغربية، لا ينظر إليه اليمين الصهيوني بعين التسامح، ويعتبره هزيمة مبرمة لفكرة «إسرائيل الكبرى»، وليس عند نتنياهو، ولا أضرابه في اليمين القومي والديني، أدنى استعداد لترك ما يصورونه ـ زيفا ـ أرض المعاد اليهودي المقدسة.
وقد لا تكون الحركة الوطنية الفلسطينية في أفضل أيامها، فالانقسام قائم ومتصل بين سلطة عباس وحركة حماس، لكن الانقسام نفسه، يضع الطرفين في اختبار الحرج، فقد بنت حركة «حماس» اسمها وسمعتها على أساس مشروع المقاومة، فيما عول عباس طويلا على مسار المساومة والتفاوض، وعاش فيه على مدى جاوز الربع قرن، وتقدم به العمر، واعتلت الصحة، ولم يعد قادرا على إحلال «أوسلو جديدة» محل «أوسلو القديمة»، التي شارك في صنعها مع شيمعون بيريز برعاية عرفات ورابين، وهو اليوم يجد نفسه محشورا في الزاوية، وجاء نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ليسد عليه طريق التفاوض، وهو ما يفسر علو نبرة عباس في اطراد، ورفضه التواصل مع أمريكا بعد وقف التفاوض مع إسرائيل، فالرجل لا يريد أن يجيئه ملاك الموت، وفي عنقه خيانة للقدس وفلسطين، وليس بوسعه ـ في المقابل ـ أن يتحرر من إدمان التفاوض أو طلبه، وربما تتصور إدارة عباس، أنها تمضي الوقت إلى يوم أن يرحل ترامب عن البيت الأبيض، فما من طرف فلسطيني يقدر ـ هذا إن أراد ـ على الدخول في مجرد نقاش حول ما يسمى «صفقة القرن».
والمعنى ببساطة، أن طريق «صفقة القرن» مسدود فلسطينيا، فما من عنوان فلسطيني يمكن لترامب التوجه إليه، لا بالتفاوض ولا حتى بإصدار الأوامر والاصطناع، وغياب الطرف الفلسطيني المطلوب يعدم الصفقة قبل أن تعلن، خصوصا مع تطور سلوك الشارع الفلسطيني، وأخذه القضية بين يديه، فقد كان نقل السفارة الأمريكية نعمة أكثر منه نقمة، وأعطى دفعة هائلة لطراز جديد فعال من المقاومة الشعبية السلمية، توجته مسيرات العودة، التي انطلقت وتنطلق من غزة، وأدارت معركة فريدة غير مسبوقة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، فضحت وحشية كيان الاغتصاب في الدنيا كلها، وهزمته أخلاقيا، ومنحت حركة المقاطعة ومنع الاستثمارات وفرض العقوبات (B.D.S) حياة جديدة، وزادت في عزلة الجبروت الأمريكي ـ الإسرائيلي، وحرمت نتنياهو من طعم احتفالاته «الكرنفالية» في القدس المحتلة، وأدت إلى تراجع منتخب الأرجنتين (ولاعبه الأشهر ليونيل ميسى) عن لعب مباراة مع فريق إسرائيلي في القدس المحتلة، وكان ذلك انتصارا فلسطينيا جديدا في الصراع الممتد، يعزى الفضل فيه لتضحيات شهداء وجرحى «مسيرات العودة» على حدود غزة، التي تكسب كل يوم أرضا إضافية، وتلهم المقاومة الشعبية في القدس ورام الله ومدن الضفة، بل وفي حيفا ذاتها، أي في قلب الأراضي المحتلة منذ نكبة 1948، فنحن بصدد ميلاد جديد عفي لحركة الشعب الفلسطيني، يتخفف فيه من تحكم الفصائل، ومن انقساماتها، ويدرك يوما بعد يوم مكامن قوته الكبرى، المرتكزة على حيوية شعب يتعافى من أثر سبعين سنة نكبة، وينتشر على كامل أرض فلسطين المقدسة من النهر إلى البحر، ويتزايد ثقله السكاني المستمسك بالأرض، ويزيد اليوم على عدد اليهود المجلوبين من شتى أرجاء المعمورة.
وفي غضون عقود قليلة مقبلة، سوف تصبح الغالبية السكانية الساحقة للفلسطينيين على الأرض المقدسة، فوق أن عدد الفلسطينيين في العالم كله يزيد على عدد يهود العالم الآن، وهو ما يعطى أفقا جديدا للصراع، يزيد فيه وزن المقاومة الشعبية الفلسطينية، وتتنوع فيه صور الإبداع المقاوم، فليست قوة الفلسطينيين فقط في تكاثرهم السكاني، ولا في المقدرة الصابرة على الرزايا والبلايا، بل في التفوق الأخلاقي لقضيتهم العادلة، وفي التفوق النوعي للفلسطينيين أكثر شعوب الأمة العربية تعليما، وعلى نحو صارت معه كل الحلول القديمة فاقدة للصلاحية، وصارت قصة الدولة الفلسطينية المقصورة على الضفة وغزة في خبر كان، فما بالك بقصة هزيلة وعظيمة التفاهة من نوع تلك المسماة «صفقة القرن».
نعم، قضي الأمر، وسقطت «صفقة القرن» قبل أن تعلن رسميا، بسبب صحوة الشعب الفلسطيني، والميلاد القوي لمقاومته الشعبية السلمية المبدعة، وهو ما يحيي القضية الفلسطينية، ويعيدها إلى أصلها، قضية تحرر وطني، لا مجرد قضية بؤس إنساني يطلب معونات، وهذا تطور مربك لحسابات أمريكا وإسرائيل، ولحسابات نظم عربية كانت مستعدة للتورط في «صفقة القرن»، وقطعت التعهدات، ثم صدمتها خطوة ترامب بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة، وحرمتها من فرص التسويق والتمهيد للخطيئة، والترويج لما تصورته حلا نهائيا، أو تصفية نهائية للقضية الفلسطينية، ثم بوغتت هذه النظم ـ كما بوغتت إسرائيل ـ بالحيوية الفياضة للشعب الفلسطيني، ومقاومته السلمية العنيدة، وهو ما زاد في حرج هذه النظم، وجعلها في خوف على دوام عروشها، فقد تفضل نظم في الخليج أن تستظل بحماية أمريكا، وأن تدعو واشنطن لحرب تريحها من تضخم نفوذ إيران في المنطقة، ولا مانع عند هذه النظم من تحالف سري مع إسرائيل نفسها ضد إيران، ومن تحركات للتطبيع الفاجر مع إسرائيل، لكن هذه النظم لم تعد متحمسة بما يكفي لصفقة القرن لاستحالة تنفيذها، فقد أخذ الشعب الفلسطيني قضيته بيده، وهو ما يفسر ضعف حماس النظم العربية المحيطة بفلسطين لقصص وأوهام صفقة القرن، فاستقرار العرش الأردني صار مرتبطا بمعاندة «صفقة القرن»، لا بالتجاوب معها، خصوصا بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والتهديد بإنهاء «الوصاية الهاشمية» على المسجد الأقصى، والخوف من عودة إسرائيل إلى سيناريوهات قديمة، من نوع جعل الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، والمحصلة ظاهرة، فسوف يستمر الأردن في معاهدة السلام مع إسرائيل، وفي علاقة وصل تبعية مع أمريكا من خلفها، لكن بدون حماس يذكر لأي تسوية عبثية على طريقة صفقة القرن، وهو الموقف ذاته الذي انتهى إليه نظام السيسي في مصر على ما يبدو، فلا مانع عنده من استمرار صوري لمعاهدة السلام مع إسرائيل، ومع رغبة في تعديلها جوهريا، وعلى نحو يضمن تقنين وإدامة الواقع الجديد في سيناء، الذي زالت فيه مناطق نزع السلاح المحددة في الملحق الأمني لما يسمى معاهدة السلام، فإحكام السيطرة العسكرية على سيناء كلها، هو أبرز أولويات النظام المصري اليوم، وقد طور النظام نظرته وسياسته تجاه القضية الفلسطينية، وصارت علاقته بحركة «حماس» في أفضل صورها منذ سنوات طويلة، وقد يتطور موقفه إلى الفتح الدائم والكامل لمعبر رفح، وثمة وجوه تطوير إنشائى جارية لمعبر رفح، تجعله صالحا لحركة البضائع لا الأفراد وحدهم، والمعنى الظاهر والباطن، أن التصورات الجديدة للنظام المصري، تعطي أولوية حاسمة لتحسين الصلات مع الفلسطينيين، والابتعاد بمسافة تزيد مع الوقت عن الأولويات الأمريكية والإسرائيلية، والتنصل من حكايات «صفقة القرن» إياها، والتركيز على تعاون أمني واقتصادي مع الفلسطينيين، لا يمس شبرا واحدا من سيناء، ويربط غزة بالقضية الفلسطينية في مجملها، والسعى إلى صيغ تعايش أفضل بين الحركات الفلسطينية، وبغير استعداد عند النظام المصري لمجرد نقاش في خزعبلات من نوع تبادل أراض بين سيناء والنقب، وعلى نحو ما سعت إليه خطة «جيؤرا أيلاند» الإسرائيلية المتقادمة، أو إقامة ما يسمى «منطقة تجارة حرة» على حدود سيناء وغزة، وهو ما أوحت به بعض تسريبات «صفقة القرن»، وكلها تصورات مرفوضة مصريا وبإصرار نهائي، وحين تخلع مصر يدها من صفقة تدارعلى الجبهة الفلسطينية، فإنها لا تتم أبدا، وتلك أحكام الجغرافيا والتاريخ التي لا راد لاعتباراتها.
كاتب مصري

«صفقة القرن»… البقية في حياتكم

عبد الحليم قنديل

- -

6 تعليقات

  1. تمنيت أن أقتنع بهذا التحليل، ولكن الواقع والقرائن تقف جميعا ضده، فالولايات المتحدة بل الكيان الصهيوني هو الذي يفرض الحكام والسياسات في بلادنا المنكوبة، وما السادة الأشاوس والنشامى إلا مجرد عساكر مراسلة ينفذون ما يطلبه منهم القائد المنتصر دائما. فالكلام عن علاقة تبعية بدون حماسة تذكر لأية تسوية استسلامية على طريقة صفقة القرن، لا يستحق الوقوف أمامه. لأن الأمر يصدر للتنفيذ، والخلاف إذا وجد فهو حول الطريقة التي يتم بها إخراج الحدث. أما ما يتعلق بالجنرال صديق الكاتب، فهو أول من بشر بصفقة القرن أو صفعة القرن كما يسميها بعض الفلسطينيين في العام الماضي بأسيوط، وهو الذي أعلن لأول مرة علنا وعلى رءوس الأشهاد أنه ملتزم بحماية حدود الكيان الغاصب، وهو الذي يؤيد من أعماقه معاهدة كامب ديفيد لأنه لا يريد ولا يقدر أن يحارب، فقد غيّر عقيدة الجيش لتكون الحرب ضد الشعب المصري المسلم، والشعب الليبي المسلم، والشعب اليمني المسلم، والشعب السوري المسلم، ثم إنه لا يستطيع الابتعاد قيد أنملة عن الإرادة الأميركية التي جاءت بانقلابه وأوصلته إلى الحكم، ودعمته ضد إرادة الشعب المنكوب، كما جاءت بانقلاب البكباشي من قبله، ومن أعطى تيران وصنافير، وتنازل عن النيل، والغاز، على استعداد للتنازل عن سيناء كلها، مثلما تنازل البكباشي عن أم الرشراش والسودان وكردفان ودارفور وغيرها. وما مهادنته لأهل غزة إلا من أجل تنفيذ هذه الصفقة الملعونة، ولنتذكر أنه مازال يحاكم الرئيس الشرعي بتهمة التخابر مع حماس. إن أخطر ما في هذه الصفقة الملعونة هو إلغاء بند عودة اللاجئين، وقد سبق إلى تأييد هذا البند فضيلة المناضل أبو مازن الذي أعلن أنه لن يعود إلى مسقط رأسه في صفد.
    الأعراب لا يفعلون شيئا بدون تخطيط الجنرال، فهم يطبعون بمعرفته، واتفقوا على نقل السفارة الأميركية بمعرفته، وسيعلنون بيع القضية بمعرفته، ووفاة العرب بمعرفته، ولكن الله غالب على أمره.

  2. مصر لها مواقفها التاريخية الثابتة حيال القضية الفلسطينية ولا يمكنها تحويل البوصلة التى وجهتها منذ العام 1948 لان ذلك سيشكل خطرا عليها وتعتبر فلسطين بالجدار العازل بينها وبين فكرة التمدد الصهيونى الى عمق الوطن العربى..لذا سترفض مصر اى حلول لا يرتضيها الفلسطينيون..

  3. قد لا أوافق الاستاذ قنديل في مقاربته للدور الذي يلعبه النظام المصري في الشؤون العربيه والفلسطينيه خصوصا، لا كن تعليق السيد” حسن” انكى واخطر ، ان يتكلم عن الشعب المصري واليبي والعراقي وغيرهم ويصفهم بالشعوب المسلمة متناسيا انهم شعوب عربيه اولا واخيرا ، متناسيا الدور الخطير الذي لعبته كل الحركات الاسلاميه التي تسمي نفسها جهاديه او غير جهاديه، والخراب الذي الذي احدثته في اوطاننا ، مثبتتا كل الانظمه الاقلويه والطائفيه والقبلية ، بسبب تفكيرها البدائي وضحالة ارادتها ودرايتها ، في تعليق سابق لي تكلمت عن الماءذق الحضاري الذي نعيشه، .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left