معركة الحديدة مقدمة لاستهداف دولة قطر

د. سعيد الشهابي

Jun 18, 2018

رغم الضغوط الدولية على التحالف الذي تقوده السعودية لمنع قواته من استهداف مدينة الحديدة اليمنية فما تزال الرياض وابوظبي تصران على احتلال المدينة. وقد فر الآلاف من سكانها هربا من أتون الحرب التي أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن القائمين بها استهدفوا المدنيين على نطاق واسع. وفي الأسبوع الماضي قصف طيران التحالف، الذي تقوده السعودية ويضم كلا من الإمارات والبحرين وبلدانا أخرى، مستشفى في مدينة عبس تديره منظمة «أطباء بلا حدود» الأمر الذي دفع المنظمة لسحب موظفيها حفاظا على سلامتهم.
المدنيون هم أول ضحايا العدوان على اليمن، فقد تجاوز عدد من حصدته الطائرات العشرين ألفا، بينهم نساء وأطفال. هذه المرة اتخذ قرار استهداف مدينة الحديدة بدفع مباشر من الإمارات التي تسعى لإكمال هيمنتها على الموانيء القريبة من باب المندب، ضمن خطة لضمان خطوط الملاحة المتوجهة إلى «اسرائيل». وقد بقي ميناء الحديدة حتى الآن خارج سيطرتها، وإن كان محاصرا بشكل كامل من قبل أساطيل الدول المشاركة في الحرب. وبرغم اختلال ميزان القوى العسكرية، والتفوق الجوي الكامل للسعودية والإمارات، إلا أن نتيجة العدوان ليست معروفة أو مضمونة سوى أن المدنيين سيدفعون الثمن الأكبر. المنظمات الحقوقية والإغاثية الدولية مارست ضغوطا على الأمم المتحدة والدول الغربية لمنع الهجوم الذي أعلنه التحالف، وحذرت الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام، غوتيريش، من الكوارث الإنسانية التي ستترتب عليه. فجاء الرد من السعودية والإمارات بإعلانهما «خطة مساعدات» من 5 نقاط للمدينة بعد تدميرها. هذا النهج التضليلي من قبل الدول التي تشن الحروب على الآخرين يعتبر من أبشع أساليب التضليل. السعودية التي تقود التحالف ضد اليمن، وضد قطر وضد ليبيا تعتقد أنها وسعت امبراطوريتها السياسية وأنها تمكنت من استمالة الرئيس الأمريكي إلى جانبها، وطبعت علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي بما يخدم مصالحها، وإنها نجحت في إخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، ومدت نفوذها إلى العراق. ولكن الحقائق على أرض الواقع لا تؤكد واقعية هذا الشعور. ويكفي حالة الكآبة التي انتابت ولي عهدها في موسكو قبل أيام وهو يلاحظ هزيمة فريق بلاده في أولى مباريات كأس العالم أمام الفريق الروسي بخمسة أهداف. ولم يقتصر الأمر على خسارة المباراة بل أن رد فعل الجماهير العربية مبتهجة بتلك الخسارة كانت صادمة للسعوديين، حتى انشغل الكثيرون بالرد على سؤال وجيه طرحه بعض السعوديين: لماذا يكرهوننا؟ إن هذا ليس مؤشرا حاسما لقوة السعودية أو ضعفها. لكن الأمر المؤكد أن السياسات السعودية الإقليمية تتعثر كثيرا، وأنها تسير نحو تصادم شديد مع الإمارات التي هي حليفها الأول سياسيا وعسكريا في الوقت الحاضر. سيحدث صدام شديد في اليمن، وحول المسألة القطرية، وفي ليبيا، وحتى في مصر لأسباب تتعلق بالتوازن السياسي الغربي الذي يتغاضى في الوقت الحاضر عن السياست التوسعية لهذا التحالف ولكنه لن يسمح له بالتأثير على التوازن القلق الذي ساد المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. فبالإضافة لتصاعد الأصوات ضد سياسات التماهي الغربية مع السعودية، والصمت المطبق إزاء التردي المستمر لأوضاع حقوق الإنسان في الجزيرة العربية والإمارات، فإن هناك رأيا عاما بأن السياسات الداخلية السعودية تستعصي على الإصلاح، خصوصا مع تصاعد حملة الاعتقالات في صفوف النشطاء الحقوقيين واستهداف القطاع النسوي. يضاف إلى ذلك أن السياسات الحالية لولي العهد وجهت ضربة قوية للمؤسسة الدينية، الحليف الأول للحكم السعودي في الجزيرة العربية.
السؤال هنا: من أين لدى الإمارات هذه «القوة» المبالغ في استعراضها؟ وما هي الأرضية القانونية التي تنطلق منها للتدخل في شؤون الدول الأخرى وتمارس من خلالها سياسات يعتبرها الكثيرون «بلطجة» سياسية؟ حتى الآن يبدو التحالف السعودي ـ الإماراتي قادرا على فرض أجندته على التحالف الانجلو ـ أمريكي، ولكن ذلك في طريقه إلى التغير. فقد اعترض الغربيون، في الظاهر على الأقل، على الهجوم الحالي على الحديدة. ويتردد أن واشنطن رفضت تقديم دعم استخباراتي للإمارات حول الألغام التي تقول إن اليمنيين زرعوها في المنطقة. ويقال كذلك إن فرنسا وافقت على المساعدة لإزالة تلك الألغام، الأمر الذي يسلط الضوء على الطموح الفرنسي في المنطقة. وهناك استياء في الأوساط الليبرالية الفرنسية إزاء سياسات الرئيس مانويل ماكرون التي أصبحت أكثر ميلا لليمين، بينما يفترض أنه وسطي يميل نحو اليسار. وقد صعدت نسبة المعترضين على سياساته إلى 58 في المئة قبل أن يكمل عامه الأول في الحكم. والواضح ايضا أن الإمارات تغيرت كثيرا في سياساتها منذ اغتيال الفلسطيني محمود المبحوح في كانون الثاني/ يناير 2010 على أيدي عناصر جهاز الموساد الإسرائيلي. فبعد التصريحات النارية التي أدلى بها رئيس شرطتها آنذاك، ضاحي خلفان بأن بلاده ستلاحق القتلة أينما كانوا، يبدو أن فصلا جديدا في العلاقات أخذ يتبلور تدريجيا. وفي غضون أقل من عام جاءت ثورات الربيع العربي لتمثل أكبر قلق للإسرائيليين الذين يخشون من صعود التيارات السياسية الإسلامية المستقلة. وهنا تشكل المحور الذي يضم السعودية والإمارات ومصر والبحرين بالإضافة للكيان الإسرائيلي للتصدي للحراكات الشعبية العربية أولا واستهداف تيارات «الإسلام السياسي» ثانيا. هذه التيارات ممثلة بدولة مثل إيران وبمستوى أقل، السودان، وبمجموعات جهادية مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، ومجموعات تنظيمية مثل الإخوان المسلمين وحزب الدعوة. وبشكل تدريجي تم استيعاب الأخير ضمن العملية السياسية العراقية التي تتواصل في ظل الوجود الأمريكي في المنطقة، بينما تم التصدي بالقوة للمجموعات الأخرى. الإمارات تعتبر رأس الحربة في تنفيذ هذه الاستراتيجية، مدفوعة بالدعم الغربي والإسرائيلي، والمال النفطي الذي تكدس خلال السنوات العشر السابقة التي شهدت أسعار النفط خلالها طفرة كبرى.
الحرب على اليمن كانت ضمن حلقات تلك الاستراتيجية. فالكيان الإسرائيلي يسعى لمنع محاصرته بقوى غير صديقة، سواء في مصر أم سوريا أم لبنان، بل حتى الأردن ومن فيها من الفلسطينيين. ويمكن النظر إلى ما حدث مؤخرا في الأردن على أنه استحقاق فرضته سياسات التحالف المذكور لأن النظام الأردني رفض المشاركة في الحرب على اليمن أو قطع العلاقات مع إيران أو قطر، أو الضغط على المجموعات الفلسطينية أو المشاركة في خلق وطن للشعب الفلسطيني.
الحرب على اليمن مضى عليها قرابة الأربعين شهرا وليس هناك مؤشرات بقرب حسمها. وقد عانت السعودية والإمارات خلال هذه الحرب من أزمة تتعلق بالمصداقية والشرعية. فحتى الآن ما يزال شعار الحرب المرفوع: إعادة الشرعية المتمثلة برئاسة عبد ربه هادي منصور إلى الحكم بعد أن أسقطه التحالف الذي قاده الحوثيون قبل أربعة أعوام. ويستند مصطلح «الشرعية» إلى ما سمي المبادرة الخليجية التي طرحت في ذروة الربيع العربي لضمان بقاء نظام الحكم في اليمن مع استبدال علي عبد الله صالح بنائبه هادي منصور. ويتم إضفاء هذه «الشرعية» على هذه الحكومة التي أصبحت الإمارات نفسها ترفض التعامل معها كحكومة لليمن، وتسعى لاستبدالها بمجموعات سياسية وعسكرية تابعة لنفوذها. وهنا طرح اسم طارق صالح، شقيق الرئيس المقتول علي عبد الله صالح، بديلا لمنصور هادي، بإعادة تأهيله وتسليحه ليقود الحرب ضد الحوثيين وحلفائهم. والواضح أنه لم يستطع تحقيق مكاسب عسكرية تذكر، خصوصا أنه أصبح موظفا لدى الإماراتيين بعد أن عاش على أرضهم فترة طويلة. الأمر المؤكد أن معركة الحديدة لن تكون سهلة أو قصيرة الأمد، خصوصا مع تحصن المدافعين عنها وإصرارهم على الصمود بوجه العدوان الذي تشارك فيه قوى استخباراتية أجنبية من بينها إسرائيلية. وفيما يتصاعد التوتر وتتكثف العمليات العسكرية يتعمق شعور العائلات اليمنية بالخوف والخشية من الموت خصوصا أن العمليات التي يمارسها طيران التحالف لا تتسم بالدقة والتمييز بل إنها عشوائية تحصد رؤوس الآدميين بدون استثناء.
إن من الضرورة بمكان بذل الجهود لوقف العمل العسكري الذي بدأ قبل أيام وبدأ يحصد الأرواح بدون حساب، خصوصا أن المؤشرات توحي بفشله، وإلا فإن الحديدة ستتحول إلى مدينة أشباح، كغيرها من المدن التي استهدفها التحالف. وأيا كانت نتائج العدوان، فإن التحالف السعودي ـ الإماراتي سيظل مثيرا للجدل لأنه اعتداء من بلدان تسعى لفرض إرادتها بالقوة بدون مبرر إنساني أو اخلاقي أو قانوني. كما أن البلدان المشاركة فيه تعاني من سوء الأوضاع الأمنية والسياسية، والانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان لديهما. مطلوب بذل جهود دولية كبرى لوقف العدوان فورا وبدون قيد أو شرط. فالتدخل السعودي ـ الإماراتي عدوان سافر على بلد مستقل، ولا يوجد مبرر منطقي حقيقي لهذا التدخل، سوى امتلاك البلدين ترسانة أسلحة كبيرة وأموالا نفطية هائلة والرغبة في تحقيق انتصار معنوي يشجعهما لاستهداف دولة قطر التي ترفض سياساتهما التوسعية. أما الجانب الأخلاقي من الأزمة فليس للبلدين نصيب منه، خصوصا أن الإمارات ليست معنية بالشأن اليمني، ماضيا أو حاضرا، على الإطلاق. فما شرعية تدخلها في بلد لا يشترك معها في أي حدود، ولم يدخل معها في حرب أو نزاع؟ إن الحرب على الإرهاب تتطلب حقائق ميدانية كثيرة، لا تملك السعودية الكثير منها. كما تفتقر الإمارات لذرائع أخرى غير التشبث بما يسمى «المبادرة الخليجية» التي تستخدم لتبرير شرعية حكومة هادي منصور التي لا تعترف الإمارات بها أساسا وتتجاوزها دائما. لذلك يمكن القول إن معركة الحديدة ستكون واحدة من أهم المفاصلات التاريخية بين قوى التدخل العسكري والبلطجة السياسية والقوى الباحثة عن الحرية والسيادة وقداسة الأوطان.

٭ كاتب بحريني

معركة الحديدة مقدمة لاستهداف دولة قطر

د. سعيد الشهابي

- -

1 COMMENT

  1. لو ان السعودية و الإمارات كانتا حقا مع مصلحة اليمن لما تركتا التمرد يستولي على مفاصل الحكم رويدا رويدا خلال سنة دون ان ترفع اي منهما يدا للدفاع عن اليمن ولكانت كل منهما قد قدمت مساعدات مالية لدعم الشعب اليمني في النهضة والتقدم

    ولكن اثبتت الأحداث حتى الان ان ايران تسعى في إطار وهمها لاعادة بناء الامبراطورية الفارسية تدمير البلاد العربية في العراق وسوريا واليمن وكم سمعنا من تصريحات إيرانية عن ان إدارة الحرمين الشريفين سوف تكون بيد ايران . ماتفعله السعودية والإمارات في اليمن خاصة وباقي الدول العربية عامة يخدم مصالح ايران ويخدم العدو الصهيوني الذي يشترك مع ايران في الرغبة بتدمير البلاد العربية

    لذلك الوضع في اليمن وبخاصة الحديدة وسيلة لاستنزاف السعودية والإمارات. كان أولى بالامارات ان تسعى لتستعيد جزرها الثلاث من ايران بدلا من ان تهيم على غير هدى فتدعم مجموعات مقاتلة في سوريا وليبيا ودول أفريقية اخرى وتنفق ثروتها على انشاء متحف مصطنع فرنسي ( اللوفر) وتضع فيه لوحة ليوناردو دافنشي مخلص العالم التي لاتمت لا الى العروبة ولا الى الاسلام بصلة وتدفع ثمنها ٤٥٠ مليون دولار
    تنبهوا ياحكام شبه الجزيرة العربية فالخطط تحاك لتدمير البلاد العربية على يدكم ثم تدميركم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left