الغلو في الدين… نظرة عامة

حسن المغربي

Jun 19, 2018

يُنظر إلى الذات الإنسانية بجميع الديانات السماوية والوضعية حسب مفهومي الطاعة والعصيان، فكلما التزم المرء بتعاليم الدين كان من الفئة الناجية، هذا أقل تعريف للمسار الديني منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا.
قد يبدو مفهوم الطاعة فكرة فاعلة في هذا الصدد، فالناس على اختلافهم يؤمنون بالرب من أجل الثواب والغفران، فأساس المشكل ليس في الإيمان، وإنما في أساليب المؤمن ذاته، فمثلا، لا يمكن بأي حال للمؤمن اليهودي (الإسرائيلي على وجه الخصوص) أن يقتنع بالآخر ما لم يهدم الأسس التي قام عليها الفكر الصهيوني مثل التمييز العنصري والديني والاعتماد على اللاهوت، واعتناق أيديولوجية تتجاوز التاريخ. ففي خطاب الرباني (ألبو) نجد تصريحا واضحا يؤكد على أن الله أعطى اليهود كل قوة على خيرات الأمم ودمائهم، وتأسيسا على هذا المبدأ، فإن التلمود أباح لليهود السرقة والربا وغش الغريب – أي غير اليهودي – وقتل المخالفين والتمتع بنسائهم في جميع الأحوال أثناء الحروب والسلم معا.
ويقول كاتب يهودي آخر من أصول فرنسية عاش في القرن الثالث عشر إن تجارة البغاء بالأجنبي أو الأجنبية ليست إثما، لأن الشريعة براء منهما كما قيل: زرعهم من زرع البغال»، كما نجد إشارات واضحة تؤكد على «حق اليهود في انتزاع ملكية الأراضي من هذا أو ذاك المسيحي، لأن ممتلكات الآخر لا مالك لها مثل رمال البحر، وأول يهودي يستولي عليها عنوة يكون مالكها الأصيل «، لذلك فإن على شعب إسرائيل تملك أكبر جزء ممكن من الأراضي، بجميع الوسائل المشروعة وغير مشروعة لأن الأرض ومعها السماء لم يخلقا إلا إرضاء لإسرائيل.
بهذا المفهوم المتعالى تبرر إسرائيل اليوم اضطهادها للشعب الفلسطيني وتصفيتها له، وعلى هذا الأساس اخترعت إسرائيل ما يسمى بنظرية الفراغ حتى تقضي على الشعب الفلسطيني، وما من شك في أنه – كما يقول عبد الكبير الخطيبي – استعمار من نوع خاص : فهو لا يرمي إلى احتلال البلاد وإنما إلى إقصاء سكانها، إن الوعي المعرفي للفرد الإسرائيلي وعي عبري، يستمد تعاليمه من التلمود والشعائر الوسيطة، فهو يتغذى من أشباح الماضي على حد تعبير «دويتشر»، ولكي تتخلص الذات الإسرائيلية من هذه الأشباح عليها قبل السلام والشعارات الفضفاضة مسخ الأيديولوجية الصهيونية من الأساس، وتقويض فكرة الشعب المختار التي كونتها عن نفسها منذ زمن سحيق.
ومن جهة ثانية، نرى الديانة المسيحية التي اشتهرت بالرحمة والتسامح تقبل بشكل رسم (أثناء العصور المظلمة) خطابات رجال الدين الداعية للعنف، ففي مطلع العصور الوسطى قرر المذهب الكاثوليكي استنادا إلى دعوة توما الأكويني في تفعيل ما يسمى بـ (الحرب العادلة ضد الآخر (الهراطة، وظلت محاكم التفتيش تمارس في أوروبا ردحا من الزمن سلطتها الدينية على المخالفين من الشعوب كما حدث في الأندلس إبان جلاء المسلمين عنها 1492.
هذه الأمثلة البسيطة توحي بأن الدين هو الداعم الرئيس للإرهاب، لكن هذه النظرة تنقصها حسابات معرفية كثيرة تلحيل بمفهوم بول ريكور إلى ما يعرف بفلسفة الوجس المتمثلة في فصل المعنى عن الوعي مبينة أن المعاني أو الأحكام سواء أكانت متطرفة أو غيرها لا تصدر عن ذات سيكولوجية أو ترسندنتالية، وإنما تتولد في اللغة ومنظومات القرابة ومختلف المنظومات الرمزية، وأن الذات ليست فاعلا بقدر ما هي حصيلة مفاعيل.
بطبيعة الحال، لا يهمنا إخضاع كل شيء لقدرة العقل كما فعل ليبنتيس أو نجرد الألفاظ والمعاني ونرجع المعرفة إلى الذات المفكرة أو الكوجيتو الديكارتي، وإنما المهم هو نزع الطابع الكهنوتي عن التصورات التقليدية السائدة، فلو نظرنا- مثلا- إلى تعاليم الإسلام بمعزل عن تعليقات رجال الدين المتأثرة بالصراعات العرقية والتاريخية بين القبائل والشعوب المغلوبة، نلاحظ إلى أي مدى شوهت التأويلات المضادة النصوص الدينية وأخرجتها عن القصد، فالسلطة المخولة لتفسير الوحي سواء أكانت أفرادا أو مؤسسات انتجت تعاليم لم ينزل بها من سلطان، نذكر منها، على سبيل المثال، قتل المرتد، ورجم الزاني، وغيرهما من الأحكام التي أستند أصحابها على السنة دون الأخذ بالقرآن.
إن أعنف أشكال الغلو يمكن أن يكتشف في الذات المتطرفة، فأي إنسان يحكم على الأشياء من زاوية واحدة، يوصف بالتطرف وأحيانا بالراديكالية.. هذا مفهوم ظاهري معروف، أما المفهموم الباطني يكمن وراء الذات المنتجة للتطرف، ولتوضيح هذه الموضوعة الملتبسة، علينا أن نمثل لها، ففي ثقافة المذهب الشيعي لا يوجد فهم للحياة الإنسانية خارج النصوص المقدسة المتمثلة في الثقلين القرآن وعترة رسول الله، ومع اعتراف فقهاء الشيعة بالعقل والمنطق في تبيان الشريعة، إذ بدون حكم العقل لا يثبت صدق الوحي كما يقولون، إلا إن سلطة العقل عندهم مقيدة بمساحات معينة، لذا نجدهم يحددون مصير المسلم الشيعي في مدى الطاعة أو العصيان داخل منظومتهم الفقهية المتحيزة لمبدأ الإمام، حيث يُنتفى على الشيعي صفة الإيمان إذا ما أنكر ظهور الحسن العسكري « المهدي المنتظر» الذي سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا وظلما.. هذه باختصار الرؤية التشريعية للإسلام الشيعي، الذي يضع إمامة علي وبنيه الأثني عشر مقابلا موضوعيا لدخول الجنة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحال، ما هي آلية الممارسة التي تبناها هؤلاء الفقهاء ؟ وكيف توصلوا إلى أحكامهم تلك ؟ يبدو أن التبسيطات الإركولوجية التي تندرج تحت مفاهيم الأولوية مثل القرآن ثم العترة( آل البيت) والأحاديث المتواترة في كتبهم (الكافي و بحار الأنوار) وغيرهما، هي أعلى تجليات الحكم الشرعي عندهم.
أما الكتب والروايات الأخرى لا يؤخذ بها لكون أصحابها غير معصومين، هذا الوضع ساعد على إنكار سلطة العقل على النصوص، وأزاح مفاهيم معرفية من قبل الاجتهاد والعقل والتجديد وغيرها، وخلق في الوقت ذاته فئة متطرفة تحكم على المخالفين بالكفر والإلحاد والردة، وتؤمن بأنها الفئة الناجية التي تدخل الجنة وفيما عداها في النار، هذه المشكلة لا نجدها لدى الشيعة فحسب التي غالت في حب آل البيت لدرجة الأنبياء، وإنما نجده في جميع الديانات، فمن أشكال المغالاة عند المسيح عقيدة الثالوث المقدس، لقد تفانى المسيحيون في حب المسيح حتى أصبح الرب، وكذلك الصوفية غالت في حب الله إلى أن شطحت وأنكرت علوم الظاهر. أما المعتزلة، الفرقة الإسلامية الوحيدة المشهورة بتحكيم العقل، غالت هي أيضا في مسألة تنزيه الذات الإلهية حتى وصل بها الأمر إلى القول بخلق القرآن.
وفي الختام، إن الذات الإنسانية، هي الباعث الرئيس للحروب والثورات بجميع الثقافات الإنسانية، أما الدين فهو واحد مثلما هو الرب واحد، الاختلاف يكمن في صاحب الدين، ومن هنا فلا يمكن أن يكون هناك تقدم إنساني وسلام عالمي دون وجود رغبة أكيدة للإنسان في قبول الآخر والاعتراف به على جميع الصعد الدينية والثقافية والإثنية تنفيذا لمبدأ (لا إكراه في الدين)، وهو شعار عالمي لكل دين.

كاتب ليبي

الغلو في الدين… نظرة عامة

حسن المغربي

- -

10 تعليقات

  1. تصحيح: المهدي المنتظر عند الشيعة هو ابن الحسن العسكري والذي لم يراه أحد! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. آية الرجم قد نسخت من القرآن! بدليل أن حد الأمة المتزوجة نصف المائة جلدة!! أما المرتد فعقوبته بالقرآن نار جهنم!!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. ما هو المرجع الدي استقيت منه ان آية الرجم منسوخة…لم يقل بهدا أي أحد ممن كتبوا في التفسير أو علوم القرآن أو أحكام القرآن أو الفقه أو علم أصول الفقه…وهل يعتبر ايقاف الحد في واقعة معينة لعدم توفر مصوغات التطبيق المرتبطة بروح الشرع ومقاصده نسخا رغم عدم وجود دليل في قوة الأصل او موازي له…يا عزيزي المعلق… هده علوم دقيقة جدا ولا يفيد معها اطلاق الاحكام على عواهنها كما نفعل عادة في السياسة ولا حول ولا قوة الا بالله….

  4. السلام عليكم..إلى الأخ كروي..إن القرآن الكريم هو الناسخ و لا ناسخ له وما يتضمنه من أحكام هي أحكام نهائية،أما الأحكام المؤقتة كمثل ما تفضلت به و أحكام كثيرة يستند إليها المسلمون التقيلديون فلم تنزل بوحي قرآني و دليلنا :قوله سبحانه (” ذلك الكتاب لا رب فيه..”)،(” كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير..”)، (” و اتل ما أوحي ليك من كتاب ربك لا تبديل لكلماته و لن تجد من دونه ملتحدا…) ،ثم إن شروط النسخ كما نص عليها الأصوليون لم تتحقق في أي آية من كتاب الله عز و جل،ما يؤكد عدم وجوده..و أهم شروط النسخ هو التعارض بينن نصين أو أكثر مع جود فارق زمني بينهما و هذا لم حدث قط..ثم إن العلماء على أن التوفيق بين الآيات مقدم على القول بنسخها..أما من يستشهدون بأن الحديث ينسخ القرآن! فهذا غير ممكن البتة يتبع

  5. تتمة .كذلك يستدل كثير من العلماء بآية (” مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. ”) و يقولون بأن المراد من آية هنا هي آية قرآنية!..أي كلما ننسخ آية قرآنية ننزل في القرآن آية أخرى أفضل منها من حيث العمل و النتيجة..لكن ليس هناك عالم من العلماء يقول بنفسه و يقول أن القرآن يعلن بأن تعدوا الآية الفلانية منسوخة و الآية الفلانية ناسخة،كما لم يحدث بها رسول الله صلى الله عليه و سلم، بل يؤسس هؤلاء إعتقادهم هذاعلى قياساتهم الشخصية..فالآية السالفة الذكر (” ما ننسخ من آية…”) لا تتحدث عن القرآن بل الحديث فيها يدور حول اليهود،حيث يقول الله في الآية التي قبلها باشرة (” ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم….”) و عليه فلو فسرت آية(” ما ننسخ من آية..”) بمعنى أن ننسخ آية قرآنية أو ننسها فلا يكون هناك ارتباط و لا علاقة بين هاتين الآيتين..لذا فقول أكثرية المشايخ بأن هذه الآية تتحدث عن النسخ هو قول باطل تماما..فالسياق هنا يبين بوضوح أن الحديث هنا يدور عن أهل الكتاب..لذا فمعنى الآية إنما هو اعتراض أهل الكتاب على نزول شريعة جديدة على بني إسماعيل بدلا من بني إسرائيل..فمن سنة الله المستمرة أنه كلما نسخ أحكاما من شريعة ما أنزل أحكاما خير منها في شريعة جديدة..و الكلام يطول في هذا الباب و نكتفي بهذا القدر و نعتذر على الإطالة..و السلام على من إتبع الهدى..

  6. بكل بساطة سواءا بالدين او بالافكار الحزبية او غيرها سواء كانت جيدة او سيئة وبسيطة او معقدة فان رجال الدين او المطبقين لمفاهيم انسانية اخرى هم من يجعلوها تتصف بالخير او الشر على الاخرين,اي بمعنى ادق ان الفققهاء ورجال الدين هم سبب المشكلة ومع ذلك فالامر يمكن ان يكون طبيعي بسبب تفكير الانسان الذي يختلف بحسب الزمان والمكان او بسبب مصالح معينة يتم تاويل النصوص.

  7. حيا الله الأخوان العزيزان المغربي والجزائري وحيا الله الجميع
    الآية هي: الشيخ ‏والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة. وقد كانت بسورة الأحزاب ولم تُكتب بالقرآن! ولا حول ولا قوة الا بالله

  8. بالنسبة لرجم الزاني والزانية فقد تم ذكره في القرآن ، وايضا المرتد إقامة الحد ، ثم خالدا مخلدا في النار ..،وليس إجتهاظات من احد .. وفقكم الله .

  9. اولا : الردة عن الإسلام أغلظ من الكفر الأصلي، وقد أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على عقوبة المرتد، وجمهورهم ـ بما فيهم المذاهب الأربعة وغيرها ـ أنها القتل، لصريح الأحاديث النبوية في هذا، قال ابن قدامة في المغني: أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إجماعاً.

    ثانيا : الزنى
    جاء في قوله تعالى (سورة أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [النور:1-3].

  10. بالنسبة للأخ الكروي داود ما من شك إن المهدي المنتظر هو ابن الحسن العسكري وفقا للأخبار الضعيفة سواء التي رواها الشيعة أو السنة، ولو أنه ليس هناك وجود لهذه الشخصية الأسطورية ..فبوجودها ينتفى مفهوم الأديان وتنتهي رسالات الرسل.. أليس محمدا هو خاتم الأنبياء والرسل؟ .. وبالنسبة للسيدة نورا أحمد.. لا توجد عقوبة المرتد في الإسلام .. وأراهن على ذلك، وإليك القرآن وهو المصدر الأساس في مجال الحدود .. لا توجد بالقرآن عقوبة دنيوية للمرتد .. كل ماجاء في الآيات هو وعد بالعذاب الآخروي فقط.. بل هناك أكثر من 40 آية قرآنية محكمة تبيح حرية المعتقد أشهرها (لا اكراه في الدين) اما السنة ليست مصدرا تشريعيا للحدود. وبالنسبة لحكم الرجم هو أيضا لا يوجد بالقرآن .. والآية التي اشرت إليها في التعليق تأمر بالجلد ولا تفرق بين الزاني المحصن او غير المحصن.. وقصة الرجم هذه موضوعة وإن ورد فيها أحاديث تبدو لعلماء الجرح والتعديل صحيحة.. يا أخت لا تنزلق وراء من يقول بتأكيد قصة الرجم المعيبة .. أيعقل ان تكون هناك آية الرجم في القرآن (الشيخ والشيخة) ثم نسخت تلاوتها(أي نزعت من القرآن ) وظل حكمها مفعول.. أي معنى ذلك القرآن الذي نقرأه الآن ناقصا، وبالتالي يكون محرف ووضعي أيضا .. مصدر العقيدة والتشريع القرآن.. وليس السنة، وبما أننا نتمسك بالأحاديث الموضوعة الكثيرة المروية حتى في كتب الصحاح سنظل إلى أبد الدهر نقتل ونرجم ونكفر ونزندق وإلى غير ذلك من الأعمال المشوهة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left