مصر: البحث المستمر عن معنى العيد

عبير ياسين

Jun 19, 2018

تأخر وصول عيدية الدولة المصرية للمواطن عن موعدها الطبيعي، ولكنها لم تضل طريقها إلى غالبية الأسر التي استقبلت قرار رفع أسعار المحروقات بنسب تصل إلى 66.6 في المئة في اليوم الثاني من العيد، بوصفه إضافة لجهود سرقة الفرح، وفرصة للتنافس على لقب سارق الفرح، الذي تتنافس فيه الحكومات المتتابعة، ويمكن أن ينافس فيه النظام بقوة، وأن يضمن مكانة خاصة ومتقدمة في مسابقة أفشل قرار وأسوأ توقيت.
كان على المواطن أن ينتظر حتى العيد للتأكد من قرار الزيادة، الذي أعلن يوم السبت 16 يونيو 2018، بعد تراوح بين النفي والتأكيد، كما هي الحالة الطبيعية التي ترتبط بتسويق وإعلان إنجازات الغياب، وكان من الطبيعي أيضا أن يصاحب قرار الزيادة التي جاءت بعد زيادات أخرى في أسعار المياه والكهرباء وتذاكر مترو الأنفاق، وتم تحميلها للحكومة المنتهية، حديث آخر عن مخاوف من ارتفاع أسعار الخبز، ونفي يحاول تجميل الزيادة التي حدثت بالفعل في أسعار المحروقات، وتقديم عدم زيادة أسعار الخبز في اللحظة، بوصفها إنجازا شديد الأهمية وتضحية كبرى من النظام وتقديرا لروح العيد التي مازال البحث عنها مستمرا.
العيدية التي تتكرر مرة أخرى في صورة سلبية، وكما ارتبط عيد سابق بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، صاحبها تعليق شديد الأهمية في التعبير عن آليات المرحلة وأساليب ترويج المعاناة، أكد فيه وزير البترول طارق الملا، أن «تحريك أسعار الوقود.. سيوفر للدولة 50 مليار جنيه (2.8 مليار دلار) في السنة المالية التي تبدأ أول يوليو»، بالإشارة إلى انخفاض بند دعم المواد البترولية في الموازنة من 139 مليار جنيه إلى 89 مليارا. ولكن السؤال الذي لم يرد عليه الوزير، وهو يتحدث عن تحريك وليس زيادة كبيرة في الأسعار، أنه لم يحدد من سيتم التوفير منه، ولصالح من؟ وهل يمكن أن يفهم أهل سائق الإسكندرية الذي قتل يوم إعلان القرار، وسائق تاكسي المنصورة الذي قتل في اليوم الثاني بعد مشادات على الأجرة وأولوية تحميل الركاب، حديث التوفير السعيد وتقديم المعاناة في قالب إنجازات؟
يعيد حديث التوفير وضحاياه إلى الواجهة سؤال الشاعر أحمد مطر، «نموت كي يحيا الوطن، يحيا لمن؟» ولا تعرف كيف يتصور أن يكون هذا «التوفير» المشار إليه توفيرا حقا إن كانت المعاناة هي حالة الوطن، والتوفير المشار إليه نتاج زيادة أسعار يتحملها المواطن الخاضع لقانون الطحن المستمر، وليس تعبيرا عن زيادة إنتاج أو توفير من بنود إنفاق غير رشيدة، أو مواجهة فساد وشد حزام نظام يطالب بالتقشف ولا يطبقه، وحياة يطالب بالتحمل من أجلها ولا تتحسن.
يتم الحديث مرة أخرى عن «تحريك»وليس زيادة، وكأن تغيير الكلمة قادر حقا على إخفاء الحقيقة، وأن الزيادات التي تمت للمرة الثالثة منذ نوفمبر 2016، وبدأت من 17.4 في المئة في أسعار البنزين 95 أوكتين، إلى 66.6 في المئة في سعر اسطوانات الطهي، مجرد زيادات عابرة. يصبح السؤال الضروري عن معدل الزيادة في الأجور التي يمكن أن تتناسب مع تلك الزيادات في أسعار منتج من شأنه زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات، بنسب لا تقل بدورها عن تلك التي حدثت في السلعة الأساسية، مع العديد من الزيادات المشابهة في الخدمات الأخرى. وضع لم تنتظر الدولة عليه كثيرا وأعلنت عن احتكارها الحق في فرض المعاناة، وتم الإعلان سريعا عن زيادات في وسائل النقل العام، وفرض حضور أمني مكثف من أجل ما قيل إنه مواجهة التلاعب المحتمل في الأسعار، وفي الواقع يضاف لهذا فرض ضبط ردود الفعل، والتأكد من مواجهة حالات الرفض الممكنة، وطرق التعبير المختلفة عنها كما حدث مع زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق.
ترسخ صورة المواطن مصدر الدخل عبر تخفيض الدعم وزيادة الأسعار، والمواطن بوصفه الكتلة الصلبة التي تدعم وتشد الحزام، ولا تحاسب أحدا، والذي يقبل التضحية بالحرية من أجل الأمن، والتضحية بالتعبير عن الرأي باسم الاستقرار. ويتفرغ النظام من أجل تقدم مشاريع ضخمة يتم تخصيص الكثير من الموارد من أجلها، قبل أن تتحول إلى ترس في دعم الروح المعنوية، ومحاولة تجميل النظام والتقاط الصور. ولا تعرف ما هو شعور المواطن حقا في سوق الروح المعنوية، وهل يمكن أن يعوض حديث الإنجازات التي لا يشعر بها، والمناسبات التي لا يشارك فيها، والقروض وفوائد تسديدها التي يجب أن يتم توارثها لسنوات، من شعور المعاناة اليومية وضيق حال اليد والصعوبات التي تمنع من توفر الحد الأساسي لحياة كريمة.
يتم الحديث عن تصحيح المنظومة ووصول الدعم لمستحقيه وتعويض الخسائر، ولكن من يحاسب على خسائر في مشروعات قدمت بوصفها كبرى وقادرة على تحقيق نتائج اقتصادية غير مسبوقة، قبل أن يتم تقليصها والصمت عنها، ومن يحاسب عن بنية تحتية لا تصمد أمام الأمطار، وزيادة أسعار وسائل نقل لا يتم تحسينها، رغم التبريرات التي تقدم من أجل تمرير الزيادات التي يتحول جزء منها إلى مكافآت، ومعها زيادة في مرتبات ومعاشات «الناس اللي فوق» في مواجهة زيادة معاناة «الناس اللي تحت» حيث الزيادة المستمرة في العدد، وحديث عن الطبقة الوسطى التي تتآكل مقابل دفاع عن الطبقة ما تحت الوسطى التي لا تعرف معنى الحياة، وكل من فاتهم قطار الحياة عبر السنوات وعالم الإنجازات الرسمية.
يتقدم مجلس نواب في اليوم نفسه 16 يونيو، من أجل خفض قيمة معاشات الأعضاء وتقليص امتيازاتهم، والفصل بين ترك المقعد والحصول على المعاش وتأجيله حتى بلوغهم خمسة وستين عاما، الاقتراح الذي نال موافقة المجلس يتناقض بالطبع مع قرارات زيادة سابقة في مخصصات البرلمان والأعضاء والسيارات من أجل سبب واحد، وهو أن الحدث ليس في مصر ولكن في المغرب، التي توقف فيها صرف المعاشات منذ عدة أشهر، بعد إعلان صندوق المعاشات الخاص بالبرلمانيين عن عدم توفر سيولة كافية. وبعيدا عن التصورات التي تقدم عن إمكانية حصول القرار على قبول اجتماعي من عدمه، في ظل رفض البعض لقيام الدولة بسد العجز في الصندوق، وإمكانية أن يقدم القرار الأخير الحل المطلوب للأزمة من عدمه، يقدم القرار صورة مختلفة للواقع المصري الذي تفرض فيه الزيادات والخصومات، بدون سؤال أو نقاش أو تناسب في المعاناة التي أصبحت المطالبة الرئيسية في ظل عدم عدالة توزيع المكاسب وعدم عدالة توزيع المظالم.
عندما يخرج الرئيس في حفل إفطار، لا يناسب شد الحزام، متحدثا عن ضرورة أن «نتألم ونقاسي» لبناء مصر، يصبح من الطبيعي أن يطرح السؤال عن المساواة في المعاناة، والمشاركة في التحمل، وقدرة المواطن على المحاسبة عندما تقرر الدولة أن القروض وفوائدها ضرورة من أجل بناء عاصمة جديدة، ومصيف جديد، وقصور رئاسية وطائرات جديدة، وسيارات للبرلمان، وسفر في طائرات خاصة، ومؤتمرات شهرية وأخرى سنوية ودولية يتحملها المواطن بدون مقابل سوى قص الشريط وصور الافتتاح وحديث المعاناة، وأعضاء ومستشاري حكومة لا تعرف الترشيد بالضرورة، ووصول إلى الحد الأقصى للمرتب لمن يملك، في الوقت نفسه الذي لا يصل فيه البعض إلى الحد الأدنى، ويدفع الآخرون كل تلك الزيادات من الحد الأدنى، وبناء قناة سويس جديدة لا يحاسب أحد عن كل ما طرح عنها من تصورات رخاء اقتصادي وحسابات جدوى، وبدلا من تحقق الرخاء، يتم الحديث عن التوجه إلى طلب قروض من أجل تسديد الشهادات التي دفعها المواطنون للمشاركة فيها. 
يأتي رد النظام مكررا بعد أن طور آليات للتعامل مع إمكانية التنفيس عن الغضب، ويصبح من الطبيعي أن يتزامن القرار مع زيادة القوات الأمنية في الشارع، التي تضاف إلى السجون المادية والمعنوية، ومعها المزيد من القيود على الرأي والتعبير في الواقع المادي والعالم الافتراضي، وتقديم المزيد من الاتهامات وتوسيع دائرة الإعداء، لكن الضغوط حقيقية ولا يمكن أن تكون الكلمات وحدها قادرة على تغذيتها للأبد، وإن كان النظام يتحدث عن فقر الدولة، فالمواطن يواجه فقرا حقيقيا، ويرى أنه وحده يدفع ثمن فشل في الاختيارات والقرارات، وسوء تخصيص الموارد والامتيازات، وتناقض واضح بين حفلات فخمة ومطالبات مستمرة بالتحمل وشد الحزام المتوارث من جيل إلى جيل.
في قصة «الرابح هو الذي يجري أكثر»، يقول عزيز نيسن «الأمور تسير هكذا يا سادة، من يصل المخفر قبل الآخر هو الذي يربح، ولذا فإن لم يكن المرء عداءً يقع في مصائب كثيرة ويهوى بيته على رأسه». يمكن أن تعيد قراءة تلك الكلمات بأكثر من طريقة، يمكن أن تتصور صاحب السلطة الذي يسارع إلى الميكروفون ويبرر حديث الفشل والفقر، ويمكن أن تتخيل المواطن والوصول إلى حد القدرة على التحمل. يمكن تصور الواقع بوصفه مساحة من الجري نحو كرسي ومنصب، ونحو حياة كريمة وفرص بقاء، والمحصلة تحدد صورة الواقع في اللحظة لكنها لا تحكم على المصير بالضرورة.
كاتبة مصرية

مصر: البحث المستمر عن معنى العيد

عبير ياسين

- -

3 تعليقات

  1. هذه دعوة المظلومين القابعين في السجون فك الله اسرهم. خيرة شباب ورجال مصر في المعتقلات ..فك الله اسر الشعب المصري من قبضة العسكر.

  2. المهم واولويه اولى:استرداد جزيرتى تيران وصنافير إلى أحضان أحفاد الفراعنه المصريين.
    علما بأن القيمه السوقيه للجزيرتين 339مليار دولار امريكى.(حيث مساحة تيران 80كم2 ومساحة صنافير33كم2 )
    اى ان الفشل كامل حتى فى التفريط.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left