في مبادرة لتعتيم الكاميرات: قانون إسرائيلي جديد لتجريم من يصّور جنود الاحتلال خلال عملهم في الضفة

وديع عواودة

Jun 19, 2018

الناصرة – «القدس العربي»: حينما يتم إغلاق عدسة الكاميرا عنوة يفتح باب القتل والجرائم كي ترتكب خلسة دون حسيب أو رقيب وتستمر ماكنة الدعاية في تحويل المعتدي إلى ضحية تدافع عن ذاتها. هذا هو الدافع الحقيقي خلف مشروع القانون الذي طرحته لجنة الوزراء لشؤون التشريع الإسرائيلي أمس.
فرغم معارضة المستشار القضائي لحكومة الاحتلال وتحذيرات جهات أخرى من تبعات القانون على مكانة وصورة إسرائيل في العالم، صادقت لجنة وزارية في إسرائيل على مشروع قانون يحظر تصوير الجنود خلال «نشاطهم» ويقضي بسجن فعلي لمن يخالفه. ومن المتوقع أن يصادق الكنيست الإسرائيلي على مشروع القانون بالقراءة الأولى غدا الأربعاء.
ويعتبر مشروع القانون الذي بادر اليه النائب روبيرت إيليتوف من حزب يسرائيل بيتنا)، تصوير جندي أو نشر صور توثق جنود الاحتلال خلال «نشاطهم» بهدف زعزعة معنوياتهم مخالفة جنائية عقابها سجن فعلي يتراوح من أسبوعين حتى خمس سنوات. وهذا القانون الذي يعتمد الترهيب لمنع توثيق وفضح جرائم الاحتلال يستخدم نصا ملتبسا وغير واضح يتيح ملاحقة بشعة لمن يشارك بالتوثيق والفضح. يتجلى ذلك بالقول إنه «في حال كان الهدف هو المساس بـ «أمن الدولة فإن العقاب يرتفع ليصل حتى عشر سنوات سجن فعلي».

معنويات الإسرائيليين

كما يهدف القانون لتقييد نشاط المنظمات الحقوقية المناهضة للاحتلال كـ «يكسرون الصمت» و «بتسيلم»، التي سبق وشاركت في فضح جرائم بشعة أحرجت إسرائيل مثل إعدام الشاب عبد الفتاح الشريف وهو جريح في الخليل برصاصة بالرأس قبل عامين. كما لعبت الكاميرا في كل مرة كانت في مسرح الجريمة دور فضح أكاذيب الاحتلال وتفنيد مزاعمه كما حصل في عدة جرائم قتل لشبيبة فلسطينية خلال هبة القدس في 2015 وفي مسيرات العودة في غزة منذ مارس/ آذار الماضي.
وتدرك إسرائيل أن الكاميرا تعرضها لخطر حقيقي في العالم رغم عدم انعكاس الصور الدامية في قرارات وعقوبات دولية صارمة وحقيقية وذلك لأنها تعرف تغلغل مفاعيل هذه الصور على مواقف الجمهور الواسع في الغرب حتى لدى اليهود في الولايات المتحدة مما يتسبب بتآكل شرعيتها بالتراكم. ولذا أوصت قبل أيام دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي بتحاشي حدوث مشاهد قتل غير مبرر والاستعداد سلفا لبثها بحملات علاقات عامة استباقية وحتى هذه تبقى محاولات تخفيف وطأتها ولا تنقذ الاحتلال من فضح صورته الحقيقية كما يحذر بعض المراقبين الإسرائيليين.
وخلال مناقشة اللجة الوزارية المذكورة لمشروع القانون حذر المستشار القضائي للحكومة من نصه وأكد أنه غير دستوري لأنه ينتهك الحق في التعبير وحرية العمل الصحافي وبحق الجمهور معرفة ما يدور حوله. كما عارض المستشار القضائي تحديد عقوبة حد أدنى يلزم بسجل جنائي. وبموافقة رئيسة اللجنة وزيرة القضاء أييلت شكيد تمت مصادقة اللجنة على مشروع القانون بنصه الأصلي مع الاحتفاظ بفرصة لتعديله وتلطيفه مستقبلا ليصبح قانونا مساويا للقانون الذي يحظر «إزعاج رجل شرطة خلال أداء عمله». وهذا يعني المزيد من الضبابية والتهرب ولا يقلل من خطورة القانون فالتعديل المقترح يعني تخويل الجندي في الميدان صلاحية منع التصوير بدعوى أن الكاميرا تزعجه في تنفيذ مهامه.
وفي مقدمة مشروع القانون قيل إن إسرائيل تشهد منذ سنوات طويلة توثيقا لجنودها بواسطة كاميرات وتسجيلات من قبل منظمات مناهضة لها ومناصرة للفلسطينيين. كما قيل إن ناشطي جمعيات حقوقية يبقون طيلة أيام كاملة بجوار جنود في الميدان لرصد لحظة تشوه الواقع وتنسج صورة منحازة يتم فيها تسويد صفحتهم وسط إزعاج لهم وإخلال بالنظام وأحيانا بالتعرض لهم وتحقيرهم. كما يزعم مقدم القانون ضمن تعليله أن التوثيق يتم بشكل كيدي وأحادي وذلك لتحقيق هدف واحد – «تثبيط عزائم الجنود ومعنويات الإسرائيليين «.

لماذا تخفي إسرائيل

من جهته بارك وزير الأمن أفيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا المصادقة على مشروع القانون زاعما أن جنود الاحتلال يتعرضون لهجمات « أنصار الإرهاب ممن يبحثون عن إهانتهم وتحقيرهم وسنضع حدا لذلك». في المقابل تبدي أوساط إسرائيلية أخرى معارضتها للقانون منها وزارة الخارجية التي تعتبر أن محاولة منع توثيق الجنود في مناطق عامة داخل الضفة الغربية من شأنها التسبب بضرر فادح لصورة إسرائيل في العالم. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصدر دبلوماسي إسرائيلي قوله «إننا نحارب من أجل صورة إسرائيل كـ دولة ديمقراطية تعمل بشفافية». لافتا إلى أن المبادرة لمنع التوثيق من شأنها تصوير إسرائيل بصورة سلبية كمن لديها ما تخفيه. وحذر «معهد إسرائيل للديمقراطية « من النص الفضفاض للقانون. وقال إن ذلك يتيح لتشكيلة واسعة من التفسيرات وسيدفع لحظر جارف وشامل لكل محاولة رقابة على الجيش وبالتالي المساس بأجهزة دفاعية أمام دعاوى محتملة ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية». كما حذر في بيانه من أن مثل هذا القانون من شأنه أن يقود للمزيد من استخدام القوة ومن انتهاكات الجنود في الضفة الغربية المحتلة. مؤكدا أن التوثيق حيوي جدا لأن فقدانه سيمس بإمكانية تقديم شكوى والادعاء بوجود مس بحقوق الإنسان.
كما احتجت النائب تمار زاندبيرغ من حزب ميرتس على القانون الجديد الذي أسمته قانون «ليؤور أزاريا» وهو الجندي الذي أعدم عبد الفتاح الشريف وهو حي واضطر الاحتلال لإجراء محاكمة صورية له انتهت قبل شهور بحكم بالسجن لبضع شهور فقط. وتابعت زاندبيرغ احتجاجها بالقول للإذاعة العامة أمس «ليس واضحا لأي مدى يكون نواب الكنيست مستعدين لدهورة الدولة طمعا بعناوين صحافية». وأكدت أن القانون الجديد يهدد بجرّ إسرائيل نحو الدرك الأسفل من منطلق المساس بمنظمات حقوقية.

عبد الفتاح الشريف

وتابعت بقول ما يحاول معظم الإسرائيليين طمسه وتجاهله «إذا كانت المشكلة تكمن في الواقع القائم على الأرض التي ينتجها الاحتلال فينبغي محاولة تغييره لا إخفائه والتستر عليه».
كما احتج عدد قليل من المراقبين والصحافيين الإسرائيليين على مشروع القانون. وقال أوهاد تسويغبيرغ، مصور «يديعوت أحرونوت» إن  المصورين على أشكالهم يصورون بالكاميرا الواقع ولا يخلقونه. وقال إنه يحتفظ بقناعاه السياسية لنفسه خلال التغطية والكشف عن الحقيقة بالصورة. وأضاف انه كان ينبغي توثيق الجندي أزاريا وهو يقتل عبد الفتاح الشريف وترك القرار إذا ما تصرف وفقا للقانون للسلطات المختصة.
وسخر الصحافي غاي ماروز من القناة العاشرة من مشروع القانون ودعا صاحبه لإضافة بند يحظر التسجيل الصوتي للجنود أيضا وبند آخر يحظر تصوير محاكمة كل «خائن» يخالف القانون ويصور جنديا. وتابع  باللهجة الساخرة إياها «ربما يقرأ الإسرائيليون أقل في السنوات الأخيرة لكنهم باتوا يعرفون أكثر مما يلزم. هناك أمر ساحر بطمر الإسرائيليين رؤوسهم بالرمل والتعامي عن الواقع كي نستمتع بمعيشتنا ولذا وجب منح مقدم القانون جائزة إسرائيل وهذه وجب تصويرها». 

كاميرات مجانية

يذكر أن منظمة «بتسيلم» بادرت قبل عقد ونيف لتوزيع كاميرات مجانا على ناشطين فلسطينيين لتوثيق اعتداءات وانتهاكات الاحتلال ونجحوا عدة مرات بكشف الصورة الحقيقية البشعة لإسرائيل كدولة احتلال وفصل عنصري تسعى لارتداء لبوس الحمل والضحية والظهور بمظهر «الفيلا وسط غابة» الشرق الأوسط من جهة وشيطنة الفلسطينيين من جهة أخرى مستغلة موجة الإسلامفوبيا التي انتشرت في السنوات الأخيرة.
يشار الى أن رئيس إسرائيل شيمون بيريز كان قد حذر قبل سنوات من  خطورة «السلاح الجديد» الذي يستخدمه الفلسطينيون ضد إسرائيل ويبدو أن هذا الخطر قد تضاعف في مرحلة الهواتف الذكية المتوفرة لدى عامة الناس. ولا تقتصر خطورة الكاميرا على صورة إسرائيل في العالم فحسب بل على ثقة الإسرائيليين بأنفسهم وعلى مسعاهم الدائم للهروب من أنفسهم وتجاهل ما يرتكبه جنودهم من جرائم بأسمائهم لأن ما لم يصور فهو لم يحدث.
ورغم قوة الكاميرا في العصر الألكتروني ومنتديات التواصل الاجتماعي الراهن وإمكانية فضح الحقيقة ما زالت إسرائيل تحاول تبييض صورة احتلالها وعنصريتها في العالم لا بإنهاء احتلالها بل بحملات علاقات عامة تبدو أحيانا كمحاولة تبييض البحر الميت بمعلقة سكر، كما يعترف عدد قليل جدا من الإسرائيليين.
 

 

في مبادرة لتعتيم الكاميرات: قانون إسرائيلي جديد لتجريم من يصّور جنود الاحتلال خلال عملهم في الضفة

وديع عواودة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left