جمهورية مبارك قدّمت الخبز للفقراء على موائد الخوف والسلطة الراهنة تعيد شعار العصا لمن عصا

حسام عبد البصير

Jun 19, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: مرّ العيد من هنا بدون أن يشعر المصريون بالبهجة، وحينما تلتقي أحدهم مهنئاً إياه بالعيد يرد عليك بالحديث عن الغلاء والحكومة التي لا قلب ولا عقل لها. وبالأمس قال الكاتب الصحافي جمال سلطان: «لا يوجد هناك ما يفسر أن تزيد أسعار الطاقة في مصر 500% خلال 7 سنوات».
أما علاء الحديدي فتوصل بنفسه لأسباب رفع الاسعار: «البعض يستغرب أن الناس مش فاهمة ليه تم رفع سعر البنزين، وفعلا في ناس مش قادرة تفهم زيادة ميزانية مجلس الشعب علشان يسافروا يحضروا كأس العالم في موسكو، أو بناء عاصمة صيفية في العلمين».
أما الخبر الذي أسعد الكثيرين فتمثل بعيدا عن السياسة في قرار الفيفا تعديل بروتوكول جائزة «لاعب المباراة» وحذف اسم شركة الخمور من على الجائزة في حالة اللاعبين المسلمين، على أثر رفض حارس المرمى المصري محمد الشناوي الجائزة، وهو الامر الذي دفع الدكتور خالد منتصر ليهاجمه بضراوة، ما جعل الأخير فريسة للعديد من الكتاب وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي.
واهتمت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 18 يونيو/حزيران على نحو خاص بحالة الفزع الحكومي، بسبب غضب المواطنين، وهو الأمر الذي أسفر عن إطلاق الوعيد لكل من يحاول استغلال الأزمة الراهنة في رفع أسعار السلع، أو تعريفة ركوب المواصلات. ومن أبرز معارك أمس الاثنين في الصحف، المواجهة الساخنة بين الكاتب وحيد حامد وقيادات مستشفى 57357.

حينما كان جميلاً

يتذكر المفكر جلال أمين في «الأهرام» أيام العيد في الماضي: «لم تكن بهجة العيد لتكتمل طبعا إلا بوجود الأصدقاء من السن نفسها. وكان هؤلاء عادة من زملاء المدرسة وليسوا من الأقارب، ويتم اختيارهم بالضرورة ممن ينتمي إلى الطبقة الاجتماعية نفسها، فلا تبدو ملابس أحدنا أفخر جدا من ملابس الآخرين، ولا يكون في جيوبهم من النقود أكثر جدا مما في جيوب أصدقائهم. عندما أتذكر هذا أتبين إلى أي مدى كان التمييز الطبقي عاملا من عوامل التفرقة بيننا نحن الصبية منذ تلك السن المبكرة، كما استمر معنا بعد ذلك. من المدهش كيف كان كل منا ينجذب، منذ مقتبل العمر، فكأنه انجذاب غريزي، إلى من ينتمون إلى الطبقة التي ينتمى إليها، وينفر بالطبع ممن ينتمي إلى طبقة أعلى جدا أو أقل جدا. كان من السهل على أي منا أن يصنف الآخرين من زملائه إلى هذه الطبقة أو تلك، ليس فقط بما يرتدونه من ملابس أو يحملونه من حقائب، بل أيضا بطريقة الحديث ونوع الموضوعات التي يميلون إلى الكلام فيها. وكانت طريقة الاحتفال بالعيد من بين ما يميز طبقة عن أخرى. هناك طبقة تسافر في الأعياد وأخرى قابعة حيث هي. وهناك طبقة يحتفل أولادها بالعيد بالذهاب إلى فيلم جديد مهم، لليلى مراد مثلا وحسين صدقي، ويركبون المواصلات العامة للوصول إلى دار السينما، وأخرى لابد أن يصحبهم آباؤهم أو السائق الخاص إلى حيث يريدون، ولكن كل هذا لا يمكن أن يبدأ حتى تسمع في الليلة السابقة على العيد أغنية أم كلثوم الشهيرة في أحد أفلامها، التي تبدأ بعبارة يا ليلة العيد آنستينا».

عيد ليس سعيدا

خلال إجازة العيد تذكر الدكتور صلاح الغزالي حرب ابن شقيقه فقرر الكتابة عنه في «المصري اليوم» : «الدكتور شادي هو ابن شقيقي الحبيب الراحل، وهو أستاذ الجراحة المساعد في كلية طب القاهرة، والحاصل على زمالة كلية الجراحين الملكية في لندن ودكتوراه الجراحة من جامعة القاهرة، وقد حضرت مناقشة رسالته للدكتوراه، بحضور المشرف الإنكليزي، الذي طلب منه الاستمرار معهم لاستكمال الأبحاث في زراعة الكبد، ولكنه اعتذر وقرر الاستمرار لخدمة المريض المصري. وعلى الجانب الآخر، فقد اهتم شادي مبكراً بالسياسة والشأن العام، متأثراً بالجو العام في الأسرة، وقد تجلى ذلك في مشاركته في الإعداد لثورة 25 يناير/كانون الثاني، وكان الهدف المعلن وقتها أنه تعبير عن رفض فكرة توريث الحكم. ومرت الأحداث، وبسبب عدم وجود قيادة سياسية لهؤلاء الشباب، مع قلة الخبرة، تسلل بعض المُموَّلين من الخارج مع أعضاء جماعة الإرهاب المتأسلمة، وتم الانقضاض على الثورة، حتى تم استرداد البلاد في 30 يونيو/حزيران، بعد تدخل القوات المسلحة، بناءً على طلب الملايين، ومرت الأيام، وعاد شادي إلى عمله في قصر العيني، ولكن حماسه للتغيير لم يفتر، واستمر في التعبير عن رأيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا بدأت ألاحظ أن بعض الإعلاميين- عمداً أو جهلاً- تعمد الإساءة في كل مناسبة لكل شباب «25 يناير»، التي اعترف بها الدستور، لأسباب غير مفهومة، ما أدى إلى رد فعل مماثل، فكانت تعليقات شادي المتجاوزة أحياناً، والمنفلتة أحياناً أخرى، ولكن عناده أدى إلى القبض عليه واحتجازه في أحد السجون رهن التحقيق، وأودع في السجن الانفرادي منذ أيام. أناشد الرئيس سرعة الإفراج عن الشباب المتهم فقط بالحماس الزائد والتعبير الخاطئ عن آرائهم».

مهمة صعبة

الحكومة الجديدة محور اهتمام عبد العظيم رمضان في «الوطن»: «فيما يتعلق بتجربة الدكتور مصطفى مدبولي في الموقع الوزاري الرفيع، فهي الثانية له بعد أن جرى اختباره ونجح وقت أن كان «قائماً بأعمال رئيس الوزراء»، خلال فترة وجود المهندس شريف إسماعيل في الخارج للعلاج، إلى جانب أن إعادة اختياره للمرة الثانية لهذا المنصب، إنما تأتي كرد فعل لنجاحه في موقعه السابق «وزيراً للإسكان» إذ أنه من الوزراء القلائل الذين تكون نتائج جهودهم «شاهقة» وحقيقة ملموسة أمام أعين المواطن. وأكد درويش أن الكثيرين يتمنون أن تكون أجهزة الرقابة قد تأكدت في تحرياتها من سلامة الذمة المالية للوافد إلى الحكومة، ومن عدم وجود أي ميول لديه للانحراف أو الفساد، حتى لا ينضم إلى قائمة من سقطوا في «طبق عسل المنصب» بعد ف ترة ليست طويلة من شغله المنصب. كما أن الرأي العام يأمل في أن يكون اختيار شخوص الحكومة قد جاء لتنفيذ مهام وتكليفات محددة، جرى إعدادها مسبقاً لتناسب تلك المرحلة التي نخطو في اتجاهها، حتى نتوقف تماماً عمّا نرتكبه من أخطاء، إذ كان يتم اختيار الوزير ثم تحدد له سياسات أو تكليفات بدلاً من أن نكون قد حددنا سلفاً ما نحتاج تحقيقه، ثم نختار من هو قادر على تنفيذ هذه السياسات حتى تستقيم الأمور ونقيم «الصلاة بعد أن نتوضأ» لتصبح صلاتنا صحيحة، وليست كما كانت تقدم عليه الحكومات السابقة التي اعتادت على اتباع منطق معكوس مثل من يؤدي فريضة الصلاة ثم يسارع لكي يتوضأ»

حكومة النساء

نبقى مع الوزراء الجدد فبحسب يوسف القعيد في «الأهرام»: «فإن ملابسات تشكيل الحكومة الجديدة ووقائعها توشك أن تشكل اللبنة الأولى للولاية الثانية للرئيس السيسي. وأنه لم يكن يستبدل وجوهاً بوجوه. ابتداء من رئيس الوزراء حتى نواب الوزراء الجدد. ولكنه كان يجري عملية تجديد لسياسات مصر الداخلية والخارجية، التي يمكن أن تؤدي لمشروع جديد يناسب الولاية الثانية. أتمنى لو كانت مقدمة لإعلان مشروع جديد للولاية الثانية. يختلف عن الأولى. ويجعل من كل ولاية عصراً جديداً، مغايراً ومختلفاً. وإن كان يشكل امتداداً للولاية الأولى. رأيت 12 وزيراً جديداً. فنحن أمام تغيير يقترب من نصف الحكومة، ويرتفع عدد الوزيرات إلى 8، وهو رقم غير مسبوق. بينما احتفظ 20 وزيراً من حكومة شريف إسماعيل، بمناصبهم. ها هن الوزيرات يحلفن اليمين الدستورية. تذكرت ما عاشته مصر في ستينيات القرن الماضي. عندما وقفت الدكتورة حكمت أبو زيد أمام الرئيس جمال عبد الناصر تحلف اليمين الدستورية كأول وزيرة في تاريخ مصر في 25 سبتمبر/أيلول 1962. لحظتها شعرت كما لو كنا وصلنا إلى القمر. ولم أكن أتصور أنني سأعيش حتى أرى ثماني وزيرات، أي ثلث مجلس الوزراء. وأتمنى أن أعاصر نصف مجلس الوزراء من النساء».

العاصمة لا تعرف السياسة

«هل الحكومة تضع مقرات الأحزاب السياسية ضمن مخطط العاصمة الجديدة؟ هل خصصت الحكومة مساحات لمقرات الأحزاب السياسية وصحفها؟ هل الحكومة حريصة على وجود الأحزاب ضمن عاصمة النظام الحاكم؟ المتعارف والمتفق عليه الذي يطلعنا عليه علاء عريبي في «الوفد» أن نظام الحكم طبقا للدستور يقوم على التعددية الحزبية، وانتقال النظام الحاكم ككل إلى عاصمة جديدة، يعني بالضرورة انتقال مقرات الأحزاب الرئيسية بصحفها إلى هذه العاصمة، لتزاول نشاطها السياسي والاجتماعي والإعلامي، والشروح التي استمعنا لها من قبل وزير الإسكان، ورئيس الهيئة الهندسية، ومن رئيس المدينة لم تشر من قريب أو بعيد إلى مساحات خاصة لمقرات الأحزاب، ولا مساحات خاصة للأعضاء والعاملين في الصحف الحزبية، ضمن الوحدات السكنية. وكان من المفترض أن يوضح لنا أحدهم: ماذا عن الأحزاب؟ هل سيكون لها وجود في العاصمة الجديدة؟ أم أن العاصمة ستغلق فقط على مقرات الرئاسة والبرلمان والحكومة؟ كنا ننتظر أن يقال لنا: هل العاصمة الجديدة ستتسع للحكومة والمعارضة؟ أم ستحرم المعارضة من دخولها؟ المعروف أن أغلب الأحزاب السياسية تمر بظروف مالية بالغة السوء هي وصحفها، وأن الأحزاب التاريخية والكبيرة على وجه التحديد تعاني بشدة من الناحية الاقتصادية، وأن أغلب صحفها بالكاد تصدر، لهذا كنا ننتظر أن تقوم الحكومة بتخصيص مساحات لهذه الأحزاب ولصحفها وللعاملين فيها، ويتم تنفيذها ضمن المشروعات الجارية، وتقوم الأحزاب بتسديد قيمتها حسب ظروفها الاقتصادية على عدة سنوات، على أن تكون العقود باسم الأحزاب وليس باسم قياداتها، وتكون في شكل تمليك أو حق انتفاع. أحزاب مثل الوفد، والتجمع، والأحرار، وغيرها من الأحزاب التاريخية التي أسسها الشعب، وليس بعض رجال الأعمال، المفترض أن يكون لها وجود في العاصمة الجديد».

احترس فأنت في عش الدبابير

تتوالى المفاجآت المدهشة حقاً بعد نشر «المصرى اليوم» مقال وحيد حامد عن مستشفى 57357، فقد اتصل به مسؤول سابق، محذراً: «إحترس فقد دخلت في عش الدبابير. يضيف وحيد يبدو أن الرجل كان مخلصاً في النصيحة، فقد كنت أتوقع أن تبادر الأسرة الحاكمة للمستشفى بالرد الموضوعي وتنفي كل ما ورد في المقال، أو بعضه على الأقل، إلا أن ذلك لم يحدث، كان الرد بحملة سباب وشتائم متدنية، ظناً منهم أنها كافية لإخفاء الحقيقة وإظهاري بالكاذب أو الذي يسعى لهدم هذا الصرح العظيم، وهذا هو الإفك والضلال، فالمقال ينادي بالشفافية وتصحيح المسار وقتل الفساد إن وجد، وليس في هذا ما يغضب أو يحمل أي إساءة لأي شخص، بعد ذلك توالت الاتصالات من شخصيات عديدة تطلب مني برفق عدم مواصلة الكتابة في هذا الموضوع، وكأن هذا المستشفى هو «الكعبة» المشرّفة، كما نشروا ذلك بأنفسهم، وأيضاً محاولة إرهابي بأن يتقدم أحد المحامين ببلاغ للنائب العام يزعم فيه أنني نشرت أخباراً كاذبة، ثم تحالف فريق الإعلاميين والصحافيين الذين يعملون في العلاقات العامة للمستشفى، سواء بعقود أو من الباطن، بالتشويش وإثارة الغبار حول ما كتبت. وحقيقة الأمر، أنهم لم يعرفوا الرجل الذي جعلوا منه عدواً لهم، فقد غاب عنهم أنه تصدى للإرهاب بقلمه وإبداعه السينمائي في عز سطوته منذ الثمانينيات، لقد وجدت أفضل الدعم والمساندة القوية والشريفة من شخصيات لها وزنها، ومن أصحاب الرأي، ومن أكثرية المواطنين الذين يدفعون جنيهات التبرع حتى صار الأمر مختلفاً بالنسبة لي، لم يعد مجرد مقال يحمل تساؤلات مشروعة ومتاحة لأي مواطن، وإنما أصبح قضية تطرح من أجل الصالح العام».

ليسوا أشرارً للنهاية

تتعاطف مع وحيد حامد عبلة الرويني في «الأخبار»: «الحديث عن أخطاء وتجاوزات مستشفى 57357 لا يعني أبدا التقليل من قيمة وأهمية الدور الذي يقدمه المستشفى لعلاج الأطفال بالمجان، ولكن يعني الحرص على تصويب الخطأ وتصحيح المسار ومعالجة التجاوزات. وعندما يتناول الكاتب وحيد حامد الكثير من تجاوزات المستشفى، ويتساءل بالوثائق والأرقام عن أوجه صرف التبرعات التي تجاوزت المليار جنيه سنويا! بينما ما ينفق منها على علاج الأطفال من 160 إلى 200 مليون جنيه، وهو مبلغ أقل مما يخصص لرواتب الأطباء والعاملين في المستشفى من 250 إلى 300 مليون جنيه، كما تبلغ تكاليف الإعلانات للمستشفى (136 مليون جنيه، إضافة إلى فرض بروتوكول علاجي لا يسمح بقبول المرضى من الأطفال، إلا بشروط تحقق نسبة أعلى من الشفاء! ويتوقف وحيد حامد أمام هيمنة عائلة واحدة على إدارة المستشفي (الدكتور شريف أبو النجا المدير العام وعضو مجلس إدارة المجموعة وعضو مجلس الأمناء، بينما زوج أخته هو المدير التنفيذي للمستشفى وعضو مجلس الأمناء وعضو مجلس الإدارة أيضا، وهناك ابن عم وابن خالة وزوج ابن أخت الدكتور شريف أبو النجا). عندما يكتب وحيد حامد بالوثائق والمعلومات، ينبغي أن يكون الرد تصويبا ومناقشة وتفنيدا للرأي وبدرجة عالية من الشفافية، لا أن يفقد مدير المستشفى الدكتور شريف أبو النجا أعصابه معلقا (يروح في داهية) أو يدفع محامي الشهرة، لتقديم بلاغ إلى النائب العام ضد وحيد حامد بتهمة الإساءة لسمعة المستشفى! أسلوب الرد على رأي كاتب وتساؤلاته المشروعة، تؤكد التجاوزات ولا تنفيها».

قرارات غير رشيدة

ما زالت أصداء زيادة الأسعار تتوالى، ومن بين المهتمين بها أنور الهواري رئيس تحرير «المصري اليوم» الأسبق: «ما حدث اليوم، هو أقرب ما يكون إلى الصعق الكهربائي، صعق جماعي يفتقد إلى الحكمة والرشد في اتخاذ القرار، صعق ينطوي على قدر عال من القسوة والاستخفاف بالناس. الإصلاح الاقتصادي ضرورة حتمية لا بديل عنها، مثل إصلاح التعليم والصحة والنقل والزراعة والبوليس والري وكافة المرافق العامة، والإصلاح الجاد والصادق صعب وشديد الصعوبة. لكن ما حدث اليوم، هو استمرار لاختزال الإصلاح الاقتصادي في المزدوج الناسف: الجباية القاسية من الداخل، والاستدانة المفرطة من الخارج، إرهاق الأجيال الحالية باعتصارها حتى آخر قطرة دم، وإرهاق الاجيال المقبلة بجبال من الديون لا قبل لهم بها. الصعق الكهربائي هو أسهل وأسرع طرق اتخاذ القرار، ولكنه أفشلها وأكثرها استثارةً لغضب الناس، المواطن يجب أن يكون شريكاً في القرار، حتى يكون شريكاً في تحمل المسؤولية، وحتى يكون مقتنعاً بتحمل الأعباء. الصعق الكهربائي يعفي الحاكم من واجب الاستماع إلى الناس، ومن واجب طرح عدة بدائل متنوعة، وليس حلاً واحداً يتم فرضه بالحديد والنار. الصعق الكهربائي مصحوب بالحديد والنار ربما يضمن تمرير القرار، لكن لا يضمن القبول الشعبي ولا يضمن نجاح السياسات الاقتصادية المفروضة بالقوة الجبرية. باختصار شديد، المطلوب احترام الشعب، والاستماع له، وشراكته في القرار، وعدم تحميله أعباء الفاتورة التي لا يعلم عنها شيئاً، الإصلاح ضرورة، وصعب، لكن ليس بهذا الصعق الكهربائي القاسي والغليظ. لا تنتطروا ردود فعل رشيدة على قرارات غير رشيدة».

قهر الفقراء

«غضب الناس من رفع الدعم عن المحروقات، رغم أن الحكومة تفادت كل الإجراءات الشكلية التي وقعت فيها المرات السابقة، كما يشير محمود مسلم في «الوطن»، وأحسنت عملية الإخراج، فزادت المرتبات والمعاشات قبل قرارات رفع الدعم، وراعت التوقيت فتجنّبت إصداره قبل شهر رمضان المعظم، أو قبل عيد الفطر المبارك، ونفذت الزيادة ثاني أيام العيد، بعد أن سافر مَن سافر وعاد مَن عاد، كما لا يمكن لأحد أن يتحجج بأن رفع الدعم قد جاء بدون مقدمات، أو مفاجأة، حيث أن الجميع منذ أكثر من شهر يتوقع الزيادة وينتظرها، بمعنى آخر فإن الحكومة أحسنت إخراج هذه العملية، وتفادت كل الانتقادات الشكلية التي كان البعض يوجّهها لها في المرات السابقة، بل الأهم فإن الإجراءات الحكومية الخاصة بالسيطرة على مواقف السيارات كانت سريعة ومنظَّمة، ومع ذلك فإن غضب الناس كان حاداً، لأن المشكلة ببساطة أنه لا أحد يريد أي زيادة على مصروفاته مهما كان دخله، وبدأت موجة أخرى من أسئلة الجدل غير المفيد، مثل: لماذا يتحمل هذا الجيل وحده ضريبة عملية الإصلاح الاقتصادي؟ أو لماذا لم تستمر الأسعار كما هي؟ بالإضافة إلى اقتراحات من عينة أن القضاء على الفساد كفيل بضبط ميزانية الدولة، أو ضرورة تطبيق الضرائب التصاعدية، أو تحميل الأغنياء ضريبة الإصلاح. كان بإمكان الرئيس السيسي أن «يسقّع» الملفات، ويقضى السنوات الثماني يتحدث عن المخاطر، وهي كثيرة، أو المؤامرات الموجودة بالفعل، ويكتفي بتحقيق الأمن، وبمواجهة تنظيم الإخوان، ويحافظ على شعبيته التي اكتسبها من دوره في حماية ثورة الشعب ونزاهته وإخلاصه، لكنه قرر تحدي التحدي».

بنزين يا ناس

مازال قرار الحكومة رفع أسعار مواد الطاقة مصدر اهتمام الكثيرين ومنهم محمد أمين في «الوفد»: «تحدثت مانشيتات الصحف أمس عن رفع الدعم، لكنها قالت إن الدعم مازال مستمراً، الطريف أن البعض تحدث عن تعديل لا تحريك، والبعض الآخر تحدث عن رفع لا تحريك، ولا مانع أن نسمي الأشياء بمسمياتها، ولا مانع أن نصارح الشعب بالحقيقة، فعندنا مشكلة حقيقية، وعندنا ضغوط داخلية وخارجية، فما المانع أن يكون «الخطاب السياسي» صريحاً؟ وبالتأكيد الدولة لا تلعب مع الناس، ولا تريد أن «تقرف» الشعب، لكنها ينبغي أن تقدم حزمة إجراءات أخرى تواكب القرارات، أولاً: شبكة حماية اجتماعية للبسطاء والفقراء، ثانياً: ترميم الطبقة المتوسطة في مواجهة خطر التجريف، ثالثاً: إعادة تشغيل المصانع المتعثرة، وخلق فرص عمل جديدة، رابعاً زيادة الإنتاج بكل السبل، وأخيراً تقليل الاستيراد وزيادة التصدير! وأعتقد أن إجازة العيد كانت فرصة لتهيئة المناخ العام لعودة الموظفين وحركة العمل، إن نجحت الحكومة في إقرار تعريفة مُرضية سنعبر الأزمة بإذن الله، وأتمنى أن نعبرها كما عبرنا زيادات العام الماضي، لأن مصر لا تحتمل أي شيء يعكر صفوها، ليس لأنها ضعيفة إطلاقاً، ولكن لأننا سنخسر جميعاً بمعدلات أكثر، فقط نريد تغيير «ثقافتنا» من استهلاكية إلى إنتاجية! وختاماً، فقد فاجأنا التغيير الوزاري، والمثير أنه تضمن وزارات سيادية، وأيضاً وزارات لم تكن في حسابات من توقعوا التغيير، فهل حركة المحافظين ستحمل إلينا مفاجآت أيضاً؟ هل سيكون «اختبار البنزين» عاملاً أساسياً في «الاختيار»؟ هل تتشكل الحركة المقبلة من واقع «غرفة العمليات» الآن؟».

من يحن عليهم؟

ملايين العمال في القطاع الخاص يواجهون الموت ببطء، كما يشير كريم عبد السلام في «اليوم السابع»: «تتجه الحكومة مشكورة إلى توجيه حزمة من العلاوات وزيادة الدعم للعاملين في القطاع الإداري للدولة ولأصحاب المعاشات، قبل كل إجراء للإصلاح الاقتصادي بزيادة أسعار المياه والكهرباء والوقود، وآخر هذه الإجراءات ما أعلنته وزارة المالية وأقره البرلمان من زيادة مخصصات المعاشات بنسبة 15% اعتبارا من أول يوليو/تموز، ومنح العاملين في الدولة علاوة 10% لغير الخاضعين لقانون الخدمة المدنية و7% للمخاطبين بالقانون، تضاف إلى الأجر الأساسي للعاملين، بالإضافة إلى رفع حد الإعفاء على ضريبة الدخل خلال العام المالى الجديد من 7200 إلى 8000 جنيه، الأمر الذي ينعكس بصورة ملحوظة على شريحة كبيرة من محدودي الدخل. ولا يسعنا إلا أن نحيي توجه الحكومة برفع المعاناة عن كواهل محدودي الدخل بقدر الإمكان، قبل أي إجراءات إصلاحية تفرض بالضرورة موجة غلاء في الأسعار والمواصلات والسلع الأساسية والخدمات، ولكن إذا كانت الدولة تعتمد هذه السياسة تجاه العاملين في القطاع الحكومي وأصحاب المعاشات، فمن يحمي العاملين في القطاع الخاص، الذين يمثلون الأغلبية الساحقة للعاملين في الدولة؟ من يحمي نحو خمسين مليونا من العاملين في القطاع الخاص والأهالي من التأثيرات الحتمية لقرارات الإصلاح الاقتصادي؟».

في بيتنا صاروخ

«هل حاولنا في لحظة ما صناعة صاروخ باليستي؟ ولماذا توقفنا؟ يجيب عبد الله السناوي في «الشروق»، بغض النظر عن اختلاف التجارب والعصور والنظم فإن فكرة المشروع الصاروخى جديرة بالاهتمام والتوقف عندها بالتدبر. كان من بين أهداف العمليات العسكرية الإسرائيلية في 5 يونيو/حزيران 1967 وقف نمو القدرات التسليحية المصرية قبل أن يصل مشروعها الصاروخي آخر مراحله. القصة شبه مجهولة ونالتها تشويهات انتقصت من حقيقتها وسخرت منها بالعمد، أو بالجهل. حسب عبارة حزينة، تضمنها كتيب موثق عن «قصة صناعة الصواريخ والطائرات المصرية» لأحد المشاركين في ذلك المشروع، محمد ضيائى نافع: «سامحهم الله من كانوا السبب في إيقاف هذه الصناعة». كانت صناعة الصواريخ والطائرات المصرية، التي بدأت أواخر عام 1959 عملا جادا ودؤوبا ومشتركا مع فريق من كبار العلماء والخبراء الألمان، يترأسه البروفيسور فولفجانج بيلز. لم تكن عملا دعائيا بقدر ما كانت محاولة لتأسيس صناعة عسكرية متقدمة بمعايير زمنها واكتساب القوة اللازمة لردع أي عدوان محتمل. كانت إسرائيل تتابع وتتحسب وتعمل على قطع الطريق بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة على المشروع الصاروخي المصري. كانت حربا حقيقية. في شهر ديسمبر/كانون الأول 1962 وصلت رسالة إلى منزل البروفيسور بيلز، الذي كان قد صمم صاروخي «القاهر» و«الظافر»، حيث كان يجلس على رأس مائدة اجتماعات وحوله عدد من مساعديه. عندما أخذت سكرتيرته هنيلورا فندا في فرز الرسائل التي وصلتها قبل عرضها عليه، دوى انفجار شديد هز المكان. كانت الرسالة تحتوي على مادة شديدة الانفجار ومفجر متصل بدائرة كهربائية وبطارية دقيقة جدا ورقيقة، لا شك في أنها مثل التي تستخدم في الساعات حاليا. بمجرد سحب ما بداخل الرسالة وإخراجه اكتملت الدائرة وحدث الانفجار المدوي. أصيبت السكرتيرة بالعمى الكامل وحدثت إصابات أخرى جسيمة. كانت تلك ضربة ترويع أولى للخبراء الألمان لدفعهم إلى مغادرة مصر والتوقف عن المشاركة في المشروع الصاروخي، لكنهم أصروا على الاستمرار في المهمة التي أوكلت إليهم».

الصعايدة لهم الله

نتوجه نحو دعم لأهل الجنوب الذين اهتم بهم عنتر عبد الباقي في «الشروق»: «الصعيد ليس مستنزفا فقط من موارده الطبيعية، بل مستنزفا أيضا من موارده البشرية، التي لا يراها وزير التنمية المحلية سوى عبء على العاصمة البهية. ومما لا شك فيه أن ضعف مستويات التنمية في الإقليم لا يحرم الإقليم من موارده الطبيعية فقط، بل يحرمه أيضا من موارده البشرية المتميزة. فكل من يملك مهارة من أبنائه، عمالا أو أطباء أو مهندسين، يتجه شمالا سعيا وراء فرص عمل أفضل، وهو ما يفرغ الإقليم من موارده البشرية، ويضعف قدرته على تحقيق تنمية حقيقية. هذا هو حال الصعيد، الذي نستنتجه من ظاهرة واحدة على طريق واحد. الصعيد يعاني من غياب عدالة التنمية، فكل مشاريع التنمية الكبرى في مصر اليوم، وبعد ثورتين، هي في الشمال. عدالة التنمية والتنمية المتوازنة حق من حقوق الإنسان، كما أنه حق يكفله الدستور في مصر. حق مهدر، فنصيب الفرد في القاهرة الكبرى من استثمارات الدولة في البنية الأساسية والمرافق ومشاريع التنمية أضعاف نصيب الفرد منها في الصعيد. مطلب واحد يجب على برلمانيي الصعيد أن يطالبوا به، أن تقدم جميع الوزارات بيانا رسميا بجميع استثماراتها ونفقاتها في جميع المشاريع والخدمات في كل محافظة خلال السنوات الخمس الأخيرة. أتحدى أن تتم تلبية هذا الطلب. غياب عدالة التنمية جريمة تنموية في حق الأقاليم المهمشة، ومخالفة دستورية، ينبغي على الدولة وعلى أبناء الصعيد من سياسيين وبرلمانيين محاسبة الحكومات عليها؛ تفاديا لأن يأتي يوم يقوم فيه الأفراد بهذه المحاسبة».

حلم تنظيم النسل

تنظيم النسل أصبح ضرورة تفرضها ظروف الوطن وظروف الأسرة المصرية خاصة الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، وهو الأمر الذي يثير اهتمام محمد الهواري في «الأخبار»: «لا يمكن ترك الأمور على ما هي عليه ونطالب الدولة باستيعاب الزيادة السكانية الكبيرة التي تلتهم كل ثمار التنمية. أعتقد أنه من الضروري إلزام المواطنين بتنظيم النسل، خاصة الفقراء ومحدودي الدخل، فالنسل الزائد نقمة على الأسرة وعلى صحة الأمهات وعلى صحة المواليد. لا نريد أجيالا ضعيفة، بل أجيالا قوية قادرة على حماية الوطن ورفعة شأنه. فالفقراء يزدادون فقرا بسبب زيادة النسل. كل أسرة لا تحتاج سوى طفلين فقط حتى يمكنها توفير الرعاية لهما وتعليمهما تعليما جيدا وإعدادهما للحياة بشكل أفضل. لا شك في أن تنظم النسل أصبح هدفا للدولة، ولابد من وزارة متخصصة يكون دورها خفض معدل النمو السكاني سنويا، حتى نصل إلى معدلات أقل مما هي عليه الآن، أما ترك الأمر لوزارات مكدسة بالمسؤوليات لا يمكن أن تؤدي الدور المطلوب في خفض الزيادة السكانية، بدليل اختفاء أدوية ومستلزمات منع الحمل من عيادات رعاية الطفولة والأمومة وحتى من الصيدليات. إن المعدلات الحالية للزيادة السكانية معدلات مرتفعة، يجب أن لا تستمر، وعلى الدولة أن تتدخل وأيضا المجتمع المدني والأهلي لشرح مخاطر زيادة النسل».

ربنا يشفيه

مثل كل مواطن مصري في كل مكان، يتمنى كرم القصاص في «اليوم السابع» أن يشفي محمد صلاح ويعود للملاعب، لينضم إلى فريقنا في المونديال، وأحلم مع غيري بأن نفوز ونصعد، صحيح أن غياب صلاح عن مباراة أوروغواي كان كاشفا عن فريق بمستوى جيد، مع غياب استراتيجية التهديف، لكن حضور صلاح يعطى قدرا من الاطمئنان، وفي الوقت نفسه يضع عبئا ضخما على كامل الفريق، وعلى صلاح نفسه، ولهذا يستحقون التعاطف والتبرير. صلاح لاعب حالة خاصة لم نرها من سنوات، تتجاوز فكرة الحرفنة وتدخل في سياقات التجلي، مع علاقة خاصة بالجمهور والناس كلها، حتى مع هؤلاء الذين ليس لهم في الكرة ولا في التشجيع، ولا هؤلاء المعتدلين الذين اكتفوا دائما بتشجيع «اللعبة الحلوة»، وهي حالة لا تتماشى مع التشجيع، الكرة «أجوان» وفوز وخسارة والباقي كمالة للصورة. لقد أعاد محمد صلاح للعبة الكرة بريقها وجذب جمهورا إضافيا، كان قد غادر التشجيع، هذا بجانب حالة كروية عوالمية، اجتاحت القارات، كرة القدم لعبة شعبية وأيضا «بيزنس» تقف وراءه شركات وتحالفات، يحول انفعالات الجمهور إلى مليارات الدولارات، ومع الوقت لم يعد الجمهور محليا (أهلي وزمالك أو منتخب)، بل انتقل لنرى مشجعين لبرشلونة وريال مدريد، وليفربول، ومحمد صلاح الذي أصبح حالة من التجلي اللافت. طبعا «ترستات» تقف وراء عالم المستطيلات الخضراء، شركات وفرق وتحالفات أحذية ومشروبات وملابس وأطعمة، كل تفصيلة من تفاصيل الملاعب واللاعبين هناك عيون عليها تسعى لاستخراج المال من زئير الجماهير وانبساطها».

جمهورية مبارك قدّمت الخبز للفقراء على موائد الخوف والسلطة الراهنة تعيد شعار العصا لمن عصا

حسام عبد البصير

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left