مصر… قمع المواطن كبديل عن إشراكه في الشأن العام

عمرو حمزاوي

Jun 19, 2018

على النقيض من الاتهامات الواهية التي تكيلها السلطوية الجديدة في مصر إلى منظمات المجتمع المدني المستقلة وإلى المدافعين عن حقوق الإنسان بزعم تآمرها وتآمرهم لتدمير البلاد وفرض الفوضى، فإن السلطوية الجديدة هي المسؤولة الأولى عن تهديد استقرار وأمن مصر وفرص تعافيها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بسبب سياسات القمع المباشر (التوظيف العنيف والمفرط للأدوات الأمنية) وغير المباشر (تمرير القوانين المقيدة للحريات) وانتهاكات الحقوق والحريات المتراكمة التي تورط بها مؤسسات وأجهزة الدولة. فمثل هذه السياسات والمظالم المترتبة عليها تقوض السلم المجتمعي، مثلما تقوض الثقة الشعبية في الحكم ومن ثم تضعفه على المدى المتوسط والطويل.
تمارس السلطوية الجديدة تشويها ممنهجا لمعارضيها وتصطنع منهم قوائم الأعداء والإرهابيين دون اعتبار لتداعيات ذلك على مبادئ حكم القانون وشعور المواطنين بالعدالة. بل أن الحكم في مصر في معرض تطبيقه لسياسات القمع المباشر وغير المباشر يتجاهل التداعيات الخطيرة لسياساته إن لجهة دفع بعض ممن يواجهون عنف النظام إلى اللجوء إلى العنف المضاد واعتناق الأفكار الراديكالية والترويج الزائف لها كبديل وحيد لمواجهة الظلم أو لجهة اصطناع بيئات مجتمعية حاضنة للعنف.
والحصيلة هي إغلاق الفضاء العام، وإلغاء السياسة، وتمكين مروجي نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية ومقولات الشعبوية الدينية والوطنية من تزييف وعي الناس. الحصيلة هي حالة إنكار للمظالم ولانتهاكات حقوق الإنسان، وإسكات أصوات المدافعين عن حقوق الإنسان والمطالبين بالتحول الديمقراطي. زيفا، تصير جرائم الاختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج القانون ممارسات مشروعة تستهدف حماية الاستقرار والأمن ومواجهة الإرهاب.
ليس بغريب أن تنكر السلطوية الجديدة في مصر وضعية الأزمة المستحكمة التي ترتبها أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة يتحمل كلفتها الفقراء والأسر محدودة الدخل، أوضاع صعبة يتقاطع معها إطلاق اليد القمعية باتجاه المواطن والمجتمع. ليس بغريب أن يراوح الحكم فيما خص المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات المتراكمة بين نفي حدوثها وبين توصيفها كحالات فردية «جاري التعامل معها» من قبل السلطات العامة. ليس بغريب أن يتورط بعض الرسميين في التحريض على العقاب الجماعي لمعارضي الحكم (وما الحملة الأخيرة لسلب حرية معارضين من أمثال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والمحامي هيثم محمدين والدكتور شادي الغزالي حرب إلا دليل بين على ذلك)، وفي الترويج لغرائز الانتقام دون أن يتوقف أحد في دولاب الدولة أمام هذه الكارثة أو يبدي شيئا من الاهتمام بتداعياتها السلبية على القليل المتبقي من ثقة الناس في المؤسسات والأجهزة العامة وثقتهم في إمكانية العدل في بر مصر.
ليس بغريب أن تستنزف الموارد العامة المحدودة بين الكلفة الباهظة «للمشروعات الكبرى» التي يعلن عنها دون دراسات علمية جادة وبين تضخم موازنات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وأن تتواصل من ثم إجراءات رفع الأسعار (الزيادة الأخيرة في سعر الوقود مثالا) وعمليات الاقتراض والاستدانة من الخارج وتتراجع بشدة فرص التنمية المستدامة.
ليس ذلك بغريب فنظم الحكم السلطوية يندر أن تنجح اقتصاديا واجتماعيا، وهي تمعن عادة في إنكار القمع ونفي الظلم، وبعضها يعتاش بالفعل على صناعة متجددة باستمرار «للأعداء» الذين تستطيل قوائمهم وتبرر ممارسات العقاب الجماعي بحقهم. ومن الطبيعي أيضا أن تكون الوجوه الأخرى لجمهورية القمع والخوف التي تنتجها السلطوية في مصر هي سطوة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتهميش كل ما عداها داخل بنية الدولة وسلطاتها ومؤسساتها العامة، وهي أيضا إمساك بارانويا الخوف من المواطن والمجتمع بالحكام على الرغم من أسوار القمع العالية التي يشيدونها لإخضاع الناس والموارد التي يهدرونها في تزييف الوعي العام لمقايضتهم بالخبز والأمن على الحق والحرية.
لا يأمن حكام النظم السلطوية أبدا جانب المواطن، ويجعلون من «الاشتباه» فيه أساسا لتعقبه وتهديده بالقمع وتعريضه له. لا يأمنون كذلك أبدا جانب المجتمع الذي قد لا تنطلي عليه طويلا ألاعيب تزييف الوعي، وسرعان ما يظهر التململ من الظلم ثم يبدي الاستياء من المظالم متبوعا بالمطالبة بمحاسبة المتورطين والبحث عن بدائل أفضل لإدارة شؤون البلاد.
لكل ذلك، يتصاعد بوتائر متسارعة انتقال السلطوية الجديدة في مصر إلى اعتماد أساسي على القدرات القمعية، وعلى ممارسات الضبط والتعقب الأمني التي يتجاوز نطاقها المعارضين الفعليين والمحتملين ويتسع ليشمل عموم الناس. صار القمع عقيدة رسمية، والحاكم وأعوانه تسيطر عليهم بارانويا «الأخطار الخفية والمؤامرات السرية»، والأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية تقصي جميع منافسيها بعيدا عن دوائر الحكم وتستتبع السلطات العامة وتفرض على النخب الاقتصادية والمالية شراكة «الربح نظير التأييد» وشراكة «الحماية نظير الامتناع عن المعارضة» وتهيمن على الفضاء العام على نحو يغتال حريته وموضوعيته.
لكل ذلك، يوظف الحكم السلطوي أيضا القمع غير المباشر من خلال صناعة وتمرير القوانين المقيدة للحريات وتوظيفها لإغلاق الفضاء العام وإلغاء السياسة وإعادة توطين الخوف بين المواطنين. وفي وقت تعصف به الأزمات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، يصعب توقع أن تتوقف السلطوية الجديدة في مصر عن القمع وانتهاكات الحقوق والحريات أو أن تكف عن صناعة الأعداء والمتآمرين المتوهمين لتمرير القمع والانتهاكات باتجاه الطلاب والشباب والعمال والأصوات السلمية المطالبة بالديمقراطية. كما يصعب توقع أن تنفتح السلطوية على صيغة للحكم بها قبول لشيء من الشراكة مع قوى مجتمعية وسياسية رئيسية أو تحرير للفضاء العام والمجتمع المدني من حرب الإلغاء والحصار الراهنة. لك الله يا مصر.

٭ كاتب من مصر

مصر… قمع المواطن كبديل عن إشراكه في الشأن العام

عمرو حمزاوي

- -

5 تعليقات

  1. نعم لك الله يا مصر, لكن بعض المصريين خرجوا على الحاكم الشرعي يوم 30-6-2013 ليستبدلوه بحاكم عسكري! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. بدايه اني كنت ومازلت ضد الاخوان وجهالتهم وضد الغباء السياسي الذي اقترفوه. لاكن لكل شيئ نهايه. فان الظلم في مصر الآن لا يقاس باي زمن. الشعب يعيش خدعه وزيف نصر ٦٧ الكاذب. الآن الشعب يعيش خدعه وكذب البنيه التحتيه وبناء الطرق والكباري. خدعه تصحيح الأخطاء القديمه. ولاكن هو الذي يتحمل وحده الغباء الإداري وصرف المال علي غير علم او كتاب منير. فيترك من يسرق ويدفع الفاتورة من لا يستطيع. الذي يحيرني ألا يوجد رجل رشيد. لماذا لا يتم بيع كل الصحف المملوكة للدوله كي تصبح صحافه حره فالدوله لم تنشئ اخبار اليوم او الأهرام. لماذا لا يتم إلغاء مكاتب التمثيل السياحي والإعلامي في كل الدنيا الم يعلموا أن العالم الآن يحكمه الانترنت. اني اعلم الكثير ولاكن هل من مستفيد لا أرغب في منصب ولا أطمع في سلطه ولا اعيش في مصر حتي أخشي احد او اخاف ان يقتنع عني بطاقه تموين
    اني استغرب حاله الفشل والروح الانهزاميه في كل شيئ. المصريون يذهبون الي العمل حتي يبدؤا التفكير في العوده. يذهب الي كأس العالم ويقول الحمد لله علي الهزيمه.

  3. الاخوة المصريين انقلبوا علي الرئيس الشرعي المنتخب وقام العلمانيون المعادين للاسلام والاسلاميين بالتامر مع العسكر علي الرئيس الشرعي فقط لانه اسلامي وهو بالمناسبة الرئيس الوحيد في كل الدول العربية الحاصل علي درجة علمية عليا حافظ لكتاب الله في صدره. (فك الله اسره). عاوزين مصر تبآي اد الدنيا..خلاص ما في داعي للشكوي والتذمر من نظام بلحة اذا.

  4. من المؤسف أن يتجاهل المتخصصون في العلوم السياسية طبيعة الحكم العسكري وتجلياته الوحشية. يوم ذهب الناس إلى صندوق الاقتراع وانتخاب نوابهم ورئيسهم راحت الأقليات السياسية والطائفية التي لا شعبية لها تنادي العسكر لينقلبوا على الديمقراطية ويسحقوا الحرية وأصحاب الشعبية الجارفة تحت دعاوى مزيفة ظنا أنهم سيحكمون ويتحكمون، ولكن العسكر لا يسمحون لأحد سواهم بالكلام والسيطرة، ولهذا قتلوا الناس في رابعة وأخواتها وصفقت لهم الأقليات والأعراب، فشطبوا السياسة تماما، وفرضوا قوانينهم الإرهابية، ولم يتورعوا عن التشهير الخسيس بكل شريف ونبيل من المسلمين، وطال الأمر السادة العاملين فيما يسمى منظمات المجتمع المدني، المقربين من الغرب، وقالوا للجميع: أنتم تحت البيادة مهما علت مراكزكم، ومع ذلك تجد بعض المغيبين يصرون أن المسألة محصورة في الإخوان! يا حسرة على العباد!

  5. بصراحه ليا اصدقاء قالوا ليا اننا جبنا السيسى علشان نعرف نسيبه زى ما شفنا مرسى
    الان أدركوا حجم الخطأ الذى وقعوا فئة
    كان مضحوك عليهم من قبل بعض أصحاب المصالح
    الان لا يستطيع أحد مجرد التفكير فى الثورة على السيسى
    هيروح ورا الشمس و كله عارف و كله ساكت
    انا احب اقول لاصدقائي دول
    انفضلوا زى مجبتوة يزلنا و يفقرنا شيلوة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left