الشيوعي العراقي… هل حان موعد الخروج من «سائرون»؟

صادق الطائي

Jun 20, 2018

إذا سألت أيا من قيادي قائمة «سائرون»، هل كنتم تتوقعون الفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات؟ سيجيبك، إذا كان أمينا، أنهم كانوا يسعون لذلك طبعا، لكنهم لم يكونوا يتوقعون أن ذلك ممكن الحدوث. فقد تفاجأوا بالنتيجة وأصبحوا أمام خيارات معقدة تحتم عليهم التحرك نحو الكتل الأخرى لتشكيل الكتلة الأكبر التي ستكلف بتشكيل الحكومة.
وهنا بدا الأمر وكأنه سلاح ذو حدين، فأمام المنتصرين لذة النصر وتشكيل الحكومة وإمكانية تطبيق شعارات الإصلاح التي أطلقوها منذ احتجاجات 2015، لكن ذلك لن يتم إلا بالاتفاق مع كتل اتهموها بالفساد والمحاصصة، فكيف سيتم الامر؟ هل يتم تقبل الأمر الواقع والتنازل عن الشعارات السابقة للحصول على فرصة تشكيل الحكومة؟ أم أن التحول إلى كتلة معارضة برلمانية حقيقية سيكون أجدى وأنفع للوطن؟
منذ إعلان مقتدى الصدر وهادي العامري يوم 12 يونيو الجاري عن مشروع ائتلاف بين قائمة «سائرون» وقائمة «الفتح» لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر والتكهنات والاتهامات واللوم والتقريع والشماتة، تنهال من عدة جهات على مكونات ائتلاف «سائرون» وكذلك في ما بينهم، فالبعض رأى في هذه الخطوة انحناء حصيفا من مقتدى الصدر تجاه الضغوط الايرانية، وهذا ما أوحى به البيان الرسمي للحزب الشيوعي العراقي، الذي اشار إلى أنه «جرى الإعلان عن التحالف مع الفتح، ليسهم في منع تعريض البلد إلى مخاطر جدية، تحرق الأخضر واليابس، وهو ما تحاول قوى مختلفة وبدوافع متباينة جره اليها، فالبعض لا يتورع عن اللجوء إلى الأساليب والوسائل التي تضع الوطن على كف عفريت بدون اكتراث بالنتائج، في سعيه لمنع توفير الظروف المناسبة لانتقال سلمي سلس للسلطة، وللحيلولة دون تنفيذ المشروع الوطني الاصلاحي، ولتيسير الالتفاف على إرادة التغيير التي عبرت عنها جماهير واسعة».
وربما اعتبر انصار الصدر، المخلصون والخاضعون لكل تحركاته، الامر تكتيكا لن يلبث أن يلغى بعد حين عندما تنتهي الازمة أو تخف وتيرة الضغوط، ليعود الصدر إلى مواقفه العراقية الوطنية. بينما رأى بعض المشككين والناقدين لمواقف الصدر وتياره السياسي، أن ما حصل كان أمرا حتميا وعودة للوضع الطبيعي الذي سار عليه العراق منذ عام 2003 حتى الآن، الوضع الذي لا يمكن الفكاك منه إلا بفرض التغيير بالقوة من خارج العملية السياسية. لأن واقع حال العراق يشير إلى أن القوى السياسية التي تتفت مع كل حراك، ثم ما تلبث أن تجتمع على اسس طائفية وقومية، وتوقعوا أن المقبل هو انضمام القوى الشيعية المتبقية إلى الائتلاف الجديد الذي اطلقوا عليه تهكما نتيجة اندماج «الفتح» و»سائرون» اسم (فسنجون) الاكلة الايرانية الاشهر.
وبالمقابل ستتجمع القوى السنية في ائتلاف تكون حصته رئاسة البرلمان وبعض الوزارات، وكذلك القوى الكردية التي ستتجمع في كتلة لتحصل على حصتها من الوزارات ورئاسة الجمهورية، لتنتج حكومة محاصصة جديدة، سيكون الخاسر الاكبر والاوحد فيها هو الناخب العراقي، الذي تأمل حدوث التغيير عبر صناديق الاقتراع.
حسابات الكارتلات، أو ما بات يعرف بالحرب الطائفية الباردة بين معسكري السعودية وايران، حسبت أن انتصار الصدر في الجولة الأولى في الانتخابات مثّل تقدما للجناح القريب من السعودية، وبنت أحلاما على تقارب «سائرون» مع قائمة «النصر» بقيادة حيدر العبادي و»القائمة الوطنية» بقيادة اياد علاوي و»الحكمة» بقيادة عمار الحكيم وقائمة «القرار العراقي» السنية لتشكيل حكومة يتم فيها استبعاد حلفاء ايران، وهم قائمة «الفتح» بقيادة هادي العامري و»دولة القانون» بقيادة نوري المالكي، ليأتي دور الاكراد مكملا، حيث يأتلف «الاتحاد الوطني الكردستاني» مع الائتلاف الذي سيشكل الحكومة لتكون رئاسة الجمهورية من نصيبهم ليتم التمديد لولاية ثانية للرئيس فؤاد معصوم.
البعض قرأ الضربة الأولى في صراع القوى السياسية في تفجير يوم 6 يونيو الجاري الذي حدث في حسينية في مدينة الصدر الشيعية الفقيرة، نتيجة انفجار كدس عتاد كان مخزنا وسط الحي السكني، حيث أشارت التسريبات إلى أن الكدس المتفجر تابع لميليشيا «سرايا السلام» التابعة للصدر. ورغم قلة المعلومات الرسمية حول الموضوع، إلا أن الامر بدا وكأنه رسالة تحذير من خطورة المقبل من الاحداث واحتمالية اشتعال احتراب شيعي – شيعي.
تأتي الضربة الثانية بقرار البرلمان المنتهية ولايته نهاية يونيو الجاري، الذي قرر في جلسة استثنائية عزل المفوضية العليا للانتخابات واعادة العد والفرز اليدوي لكل العراق وإلغاء نتائج انتخابات الخارج ومعسكرات إيواء النازحين بتهمة حدوث تزوير وتلاعب في نتائج الانتخابات. وفي 10 يونيو المقرر فيه استلام اللجنة القضائية لمهامها بدلا من مجلس المفوضين، حدث حريق في مخزن الرصافة – بغداد التابع للمفوضية العليا للانتخابات، حيث التهم الحريق بعض أجهزة العد الإلكترونية، ولم تظهر النتائج النهائية للخسائر التي أحدثها الحريق حتى الان، لكن العديد من الجهات التي تضررت بالانتخابات طالبت بإعادتها أو الذهاب إلى حكومة إنقاذ لتسير الاعمال حتى موعد انتخابات يحدد لاحقا.
كل ذلك قرئ على أنه رسائل ضغط على «سائرون»، القائمة الفائزة بالانتخابات، لإجبارها على العودة إلى حضن الائتلاف الشيعي، فما لبث أن أعلن عن ائتلاف «الفتح» و»سائرون» بعد يومين فقط، وأصبح المراقب للشأن العراقي في حيرة من أمره، فالكل يعرف مدى التوتر بين التيار الصدري وقوى الحشد التي تمثلها سياسيا قائمة الفتح، وكثيرا ما تهجم مقتدى الصدر على فصائل محددة في الحشد مثل «عصائب أهل الحق» بقيادة قيس الخزعلي التي كان الصدر يسميها الميليشيات الوقحة، وكثيرا ما لمح إلى تبعية فصائل الحشد لإيران ، وكثيرا ما اوحى بالنأي بنفسه وتياره عن ايران والاقتراب من المحيط العروبي، الذي قرأه خصومه على انه نوع من اللعب على التوازن الإقليمي، نتج عنه الذهاب باتجاه السعودية العدو التقليدي لإيران.
«سائرون» كقائمة انتخابية مكونة رسميا من تيارين متضادين ايديولوجيا هما الحزب الشيوعي العراقي وحزب الاستقامة غائم الملامح، الذي يقف وراءه مقتدى الصدر وتياره الاسلامي الشيعي الشعبوي، الذي يخضع لنفوذ قائده خضوعا اعمى ويقدسه بشكل شخصي وعائلي، يضاف إلى هذين التيارين بعض الاحزاب أو الحركات الصغيرة التي لا تمثل سوى مسحة تجميلية لتعطي انطباع أن قائمة «سائرون» عابرة للطوائف والقوميات. إذن نحن إزاء ائتلاف شيوعي- صدري، ائتلاف ولد من رحم الحراك المدني الاحتجاجي لعام 2015 الذي رفضه حينها العديد من الناشطين المدنيين واعتبروه خضوعا أو تبعية لحزب اسلامي مشارك في الحكومة والبرلمان، لكن من جهته الحزب الشيوعي لم يكن ذا موقف واضح رغم دعمه للحراك المدني، إلا أن قياديه المشاركين في الحراك (ابرزهم عضو اللجنة المركزية جاسم الحلفي) طالما اعلنوا انهم يشاركون في الاحتجاج بصفتهم الشخصية وليست الحزبية.
عندما غادر الحزب الشيوعي التحالف المدني الديمقراطي المكون من مجموعة قوى علمانية ديمقراطية قبيل الانتخابات الاخيرة، نتيجة صراعات داخلية أوهنت التحالف واضعفته وفتته إلى ثلاث قوائم، وجه العديدون الاتهام للحزب الشيوعي لأنه فرط بقيادته لائتلاف علماني وانضم بالمقابل تابعا في ائتلاف مع حركة ضخمة من حركات الاسلام السياسي، المتهمة بالمشاركة بالفساد، وتوقع الكثيرون فشل هذا التحالف سريعا نتيجة الفروقات التي اعتبروها جوهرية بين التيارين، ودافعت قيادة الحزب عن وجهة نظرها أمام قواعدها واصدقاء الحزب والجمهور الذي ينظر باحترام لتاريخ الحزب الشيوعي، بالقول إن «سائرون» ليس سوى تحالف انتخابي محدد وفق قواعد واضحة لا إجبار فيه لأي طرف من الاطراف على تغيير الايديولوجيا أو التوجهات السياسية الاساسية، وهذا ما ذكره سكرتير اللجنة المركزية للحزب رائد فهمي في اكثر من مؤتمر أو تصريح رسمي، وكان الاعلان دائما يأتي بصيغة، أن الحزب الشيوعي العراقي يؤكد حرصه على استقلاله السياسي والتنظيمي والفكري، وانه سيصون هذا الاستقلال مهما كانت الصعاب والإشكاليات والتعرجات السياسية.
موقف الحزب الشيوعي المعلن كان بصيغة، «تمسك الحزب الشيوعي العراقي بمشروع التغيير والإصلاح في منطلقاته الأساسية الداعية إلى بناء دولة المواطنة، ونبذ المحاصصة الطائفية، والتصدي للفساد وحصر السلاح بيد الدولة، وتقديم الخدمات للناس، وتأمين البطاقة التموينية وتنويع الاقتصاد الوطني، وضمان استقلالية القرار العراقي، وإطلاق تنمية مستدامة عبر الاستخدام العقلاني لموارد البلد، النفطية منها أساسا». لذلك كان رأي قيادة الحزب أن الائتلاف مع التيار الصدري سيخلق كتلة قوية اطلق عليها بعض المنظرين المتفائلين تسمية «الكتلة التاريخية» التي ستحقق هذه الاهداف.
اليوم وبعد مرور حوالي الاسبوع على اعلان ائتلاف «سائرون – الفتح»، أعلنت قيادة الحزب الشيوعي العراقي بوضوح رفض الائتلاف الجديد، وفي حال استمراره فإنها تفكر بجدية بالخروج من قائمة «سائرون» ليتحول الحزب إلى المعارضة البرلمانية التي لا نعرف حتى الان حدودها وشكلها وماهيتها، وللموضوع جولات مقبلة.
كاتب عراقي

الشيوعي العراقي… هل حان موعد الخروج من «سائرون»؟

صادق الطائي

- -

4 تعليقات

  1. الأحزاب اليسارية العربية تتعامل بالسياسة بإنتهازية بعيدة عن مبادئها المتعارف عليها! فهي دائماً مع القوي!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. من ينظر الى قفزات سياسة الحزب الشيوعي العراقي منذ ١٩٣٤ ولحد اليوم لا يستغرب التقلبات التي يمر بها اليوم. ولد هذا الحزب ستالينيا متشددا ثم خروشوفيا متفتحا تبعا للجو العام في موسكو ودافع باستماتة عن الحكم الدموي لقاسم ضد البعثيين ليطرح بعد اطاحة القوميين لحكم قاسم بنظرية الاتحاد الاشتراكي مرورا بالجبهة مع اعداء الامس البعثيين ضد البارزاني الاب ثم حين طردهم الرئيس صدام تحولوا للتحالف مع البارزاني الابن مشتركين في صراع مسلح ضد بغداد وهم نفسهم اللذين نظروا للاحتلال الأمريكي كونه تغييرا وتحريرا للعراق وتخلوا في ظل حكم بريمير نهائيا عن شعارات (يا عمال العالم اتحدوا) وعن (يا شعوب الشرق انهضي ضد الإستعمار والامبريالية) فلا ضير بنظرهم من تحالفهم لاحقا مع شيعي شعبوي مثل مقتدى الصدر ضد شيعي آخر هو العبادي وما يخفيه هذا الحزب من تقلبات اكثر من ما مضى. انهم ببساطة تبعيون لا مبدئيون وتقلباتهم ناجمة عن تبعيتهم وليس عن تغيير الاسباب الموضوعية وجل ما يخشاه هذا الحزب هي الهامشية اذ هم ثبتوا على موقف ما. ليست المبادئ هي التي تتحكم بسياسستهم بل منطق الربح والخسارة في مقاعد البرلمان او المناصب الحكومية التي قد توهب لهم هبا ليثبتوا انهم موجودون.

  3. “كف العفريت” هذا ، هو كفّ الغزاة المحتلين ، الذي أفتى المرجع بعدم مقاومتهم ، و لشديد الأسف دخل السكرتير الشي(يوعي) مجلسهم ، بعد أن أقنع المكّار توني بلير الأمريكان ضمه الى مجلس الحكم بصفته الطائفية ( و هل يمكن لسياسي بريطاني أن يحبّذ ضمه بصفته الشيوعية ؟!)

    صدقاً ، أنها نهاية حزينة لحزب حمله الشعب لعشرات السنين على أسّنة الرماح ، بغض النظر عن مدى صلاح الأفكار أو خطلها ، و فقد من جرّاء ذلك عشرات الآلاف من الشباب حياتهم ، و بحكم عملي شهدت مواقف شجاعة من بعضهم .
    غير أن الزمن ، بإعتقادي ، قد تعدى تلك الأفكار ، و أرى تفادياً لإراقة دماء المزيد من الشباب الذي تجذبه الأفكار المثالية ، كما كان الحال في زمننا ، و الذي دفعنا ثمناً غالياً جرّاءه ، ليس أقلّه تشردننا عن أوطاننا ، أرى أن يعلن ذلك “الشيوعي الأخير” تسليم رايته الى من سيسهم في بناء دولة المواطنة المدنية و القانون ، و أن يسهم في ذلك .

    فصدقاً كل المشاريع التي مرّت على الدولة العراقية الحديثة قد فشلت فشلاً ذريعاً !

  4. مع ذلك يبقى الحزب الشيوعي العراقي بافراده افضل من منسبي جزب البعث الذين عرفنا اخلاقهم وكذلك من الاحزاب الاسلامية بشقيها الشيعي والسني التي تحكمنا الان,صحيح ان قياداته لم تكن بتلك المسؤولية ولكن الشيوعيين العاديين كانوا مؤمنين بافكارهم ولم يكونوا وصوليون ولم يكن همهم المناصب والوصول للسلطة باي ثمن

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left