حمزة ومشفاه في حيفا .. حكاية حكيم حالم

معالم وأعلام من فلسطين (3)

وديع عواودة:

Jun 21, 2018

الناصرة ـ «القدس العربي» :تنشر «القدس العربي» على حلقات، تقارير خاصة إحياء للذكرى السبعين لنكبة فلسطين.
والهدف هو ترميم الذاكرة بأسماء أعلام في السياسة والاقتصاد، والثقافة والأدب والفن والصحافة، علاوة على معالم عمرانية/ أثرية وحضارية، وذلك استنادا غلى مصادر مكتوبة وعلى الرواية التاريخية الشفوية…
نتورط أحيانا في التركيز المفرط على النكبة وما شهدته من مجازر وجرائم وتهجير الخ ..على حساب ذاكرة فلسطين قبل 1948 بمدنها وأريافها: ثقافة ومجتمع واقتصاد وغيره. لذا هنا زاوية جديدة (حكاية عن بلدي).. هي جولة بين البحر والنهر بحثا عن ملامح وطن.. اعتلته طبقات من غبار الأيام ولا تزال الصهيونية تسعى بمنهجية لطمسها، وتشويه سمعتها بمزاعم « القفار والصحارى والمستنقعات».. ونحن أحيانا نساهم في هذا الغياب والتغييب، ولذا فالزاوية مفتوحة لمقترحات ولمن يرغب في المساهمة بصور وكلمات قليلة مجددة تنعش الذاكرة وتثريها.
هو مولود عام 1895في قرية صغيرة عبيّ اللبنانية، بلدة الأسير السابق الراحل سمير قنطار، لكن مستقبلا كبيرا كان ينتظره بفضل سعة عقله وقلبه وحبه لمساعدة الفقراء ومعالجة المرضى في لبنان وفلسطين. يستذكر الشيخ الفاضل محمد رمال ( أبو خضر) من يركا زيارته لـ عبيّ ويقول إنها بمشاهدها الريفية المزدانة بغابات الأرز والصنوبر تبدو قطعة من السماء، علاوة على شهامة أهلها. 20 سنة مضت على رحيله وما زال عطره يفوح بكل مجلس يستذكر به اسمه، هو الطبيب الدكتور نايف حمزة.
في 1919 تخرج نايف حمزة طبيبا من الجامعة الأمريكية في بيروت واختص بالجراحة وطب النساء، وتميز طالبا نجيبا كما يؤكد بعض زملائه على مقاعد الدراسة. كالكثير من المثقفين اللبنانيين قدم من وطنه للجارة فلسطين وأقام في حيفا شقيقة بيروت سنوات طويلة حتى تسونامي النكبة فانتقل إلى نابلس قبل عودته لبيروت. حمل رخصة طبّ رقمها 193 .وحسب مصادر أرشيفية عين الدكتور نايف طبيبا ضمن الجيش البريطاني عام 1920 وزاول مهنة الطب في دول المنطقة آخرها السودان قبل أن يصل إلى يافا، رام الله، والقدس وأخيرا في حيفا ونابلس حيث أقام عيادة حيفاوية وسرعان ما ذاع صيته كطبيب ماهر مميز، وزار عيادته مرضى من كل أرجاء  البلاد.

صار اسمه «رمبام»

قبل أيام نظم مستشفى «رمبام» احتفالية بعنوان» 80 عاما من التفوق « وحملت جدران العمارة أسماء وصور أطباء يهود فقط، متجاهلين أطباء عربا وأجانب تركوا بصمتهم في المكان. أقيمت الاحتفالية داخل العمارة التاريخية المبنية من الحجر الرملي والمزدانة بالقرميد الأحمر وهي المقر الأصلي للمستشفى. والعمارة هذه هي دير الزوارا، بنته راهبات الكرمليات عام 1894 وفي الحرب العالمية الأولى حولته الدولة العثمانية لمستشفى عسكري وعاد ديرا بعد انتهائها حتى 1936 حيث انتقلت الراهبات لدير جديد في الكرمل الفرنسي. استخدمه الانتداب البريطاني مستوصفا لعدة شهور لخدمة النخب الحاكمة واستعدادا للحرب العالمية الثانية وما لبثوا أن بنوا بجواره عام 1938 مستشفى جديدا شمل 225 سريرا .
وعمل فيه دكتور نايف حمزة حيث أصبح جراحا رئيسيا في المستشفى عام 1942وما لبث أن عين مديرا للمستشفى حتى نكبة فلسطين عام 1948 . ومال زال المؤرخ  البروفيسور قيس فرو يذكر أن والده  ماضي حمزة مدين بحياته للدكتور حمزة الذي أجرى له عملية جراحية عام 1939 وكذلك أنقذ شقيقه معين وهو في العام الأول من عمره سنة 1947 .

برقة – حيفا

كذلك الكاتب سميح مسعود  قال إن حمزة أجرى عملية ناجحة لعمه. وفي كتابه «حيفا .. برقة  البحث عن الجذور»  يصف هذا الكاتب ابن حيفا الأصل المقيم في كندا اليوم زيارته قبل عامين لمستشفى « رمبام «حيث قدم للعلاج» تمشينا فترة على ساحل البحر وقد استولى علي في تلك اللحظة مستشفى حمزة بطغيان ذكرياته، استرجعت صورة من ذاكرتي، وضعتها أمام عيني، بكل ما فيها من أشكال الناس وحركاتهم وفي مقدمتهم أطباؤه، حمزة وهانس واليشرطي وغيرهم، والممرضة عائشة على مقربة منهم وأرى نفسي مع والديّ مع بدء حياتي الجديدة بعد علاجي، تترابط أصواتهم مع أصوات آخرين غيره من الأهل والأصدقاء وهم يجلسون في بهو المستشفى،أحدّق بهم واحدا واحدا وأشتم رائحة طفولتي تنتشر حولي وتنفذ في أعماقي. أفقت فجأة على صوت ابني وليد قائلا وهو يلتقط صورة لي «أظنك كنت تستعيد ذكرى مستشفى حمزة «.. أجبته: « نعم، كان يجذبني بقوته العجيبة وينساب سرابه أمام عيني».

عبد اللطيف اليشرطي

ومن بين زملاء حمزة الأطباء الدكتور عبد اللطيف اليشرطي( أبو عمر) من عكا أصلا والمقيم في إيرلندا. وعن تلك الفترة يقول لنا قبل سنوات وخلال زيارة للبلاد  «عمل في مستشفى حيفا أطباء عرب ويهود وأجانب لكن العرب ظلوا أقلية ومنهم سيمون بطيش المسؤول عن قسم الصحة وشفيق حداد والجراح دكتور نايف حمزة».

مستشفى حمزة

وبفضل شهرة الطبيب نايف حمزة تردد على لسان عامة الناس «مستشفى حمزة «. في حيفا بنى «الحكيم « حمزة ولعائلته عمارة مكونّة من أربعة طوابق تسكنها اليوم عدة عائلات عربية وعليها ثبتت بمبادرة متطوعين محليين لافتة كتب فيها «هذه عمارة الدكتور نايف حمزة» اعترافا بملكيته وتكريما لدوره، كما يؤكد الناشط الاجتماعي هاشم دياب.
ويستذكر هاشم دياب أنه التقى مرة بسيدة رحلت قبل عقدين تدعى مريم عتمة، فحدثته أن والدها عمل أمين صندوق في المستشفى في نهاية فترة الانتداب، وأبلغها أن الدكتور نايف ترك في خزينة المستشفى 1000 ليرة فلسطينية قبل رحيله لنابلس. ويشير المؤرخ ابن حيفا الدكتور جوني منصور أن عائلة عتمة  لبنانية الأصل استقرت في حيفا في نهاية الفترة العثمانية واقتنت أرضا في منطقة  الشوفانية (شارع نفيئيم اليوم) نسبة لقادمين من منطقة الشويفات اللبنانية وعاش في المدينة.
في عام 1944 ومع مجموعة من مثقّفي لبنان القاطنين في فلسطين وبعض موحّدي هذه الدّيار، اْسّسوا نادي «إغاثة الفقير الدّرزي»، لكنه قدم خدمات إنسانيّة كبيرة لكل الفقراء. ويستذكر المؤرخ قيس فرو استنادا لشهادات شفوية أن الدكتور حمزة كان على علاقات طيبة جدا مع الحركة الوطنية في حيفا وقد منحه الناديان الأرثوذوكسي والاعتصام، الإسلامي التوجهات، حضانة لنادي إغاثة الفقير.
وهناك وثيقة في كتاب «شكيب اْرسلان: خمسون عاماً على رحيل اْمير البيان» بخط يد نايف حمزة تعكس أخلاقه العالية، فهي موجّهة للكاتب المحامي اللبناني المقيم في القدس عجاج نويهض اْبو خلدون لاستئصال اللوزتين عند  زوجته السّيّدة اْمّ خلدون، يُعرب الدكتور فيها عن استعداده لإجراء العمليّة الجراحيّة في مستشفى حيفا واستعداده لاستضافة المريضة وابنتها الصّغيرة في بيته للنقاهة والشّفاء معاً.

كشكول الناس

ونمت سمعته الطيبة لدى الناس وقتها، ففي كتابه التراثي الظريف «كشكول الناس» يورد الباحث العكّي في التراث نظير شمالي، دلعونا شعبية قالتها سيدة فلسطينية أجرى لها نايف حمزة عملية جراحية فتشكره بالقول:
والدّكتور حمزة لِبْس الطّاقيّة حضَّرْلي حالو للعمليّة
وْدخلكْ يا دكتور عجّلْ عليّ اْنا غريبة واْهلي مش هونا
ويورد شمالي نصا متداولا آخرا  للدلعونا :
والدّكتورحمزة يا بو الطّاقيّة شكّل عن زْنودكْ للعمليّة
وْبالله رُشّلّي مَيّة ريحة الْبَنْج عَمَت لِعْيونا

غرفة عزرائيل (عزرايين)

وكان للشاعر سعود الأسدي قصة مع الطبيب حمزة، فقد أصيب وهو بالرابعة من عمره بمرض التيفوئيد ووقتها عز الدواء لمثل هذا الداء ولما رغبت والدته بنقله لمستشفى حمزة تحفظ والده وقال مشككا باحتمالات شفائه: «ما تغلبي حالك .. الولد يا صابح يا ماسي «لكنها صممت فاصطحبته واستقلت الباص من دير الأسد إلى عكا ومنها إلى حيفا عند محطة القطار الشرقية ثم سيرا على الأقدام حتى وصلا «مستشفى حمزة».
وينقل الأسدي عن والدته قولها إنها  كانت تزوره يوميا رغم المعاناة وكانت تضطر أحيانا لتسلق جدار المستشفى والقفز عنه لتدخل غرفة ولدها بعدما كانت تصل متأخرة وقد انتهت ساعات الاستقبال. منوها أن المريض بالتيفوئيد كان يحجر في « أوضة عزرايين «غرفة الموت، كونه حالة ميؤوسا منها لشح الأدوية. ويضيف متوددا «لكنني رفست عزرايين بوجهه وقلت له ما بتستحي على حالك فحط ذيله بين إجريه وهرب ونجوت من الموت «.
بحمية أبو القاسم الشابي الشاعر التونسي الراحل، يتساءل الأسدي «وكيف أخشى الموت وأنا مطعّم بالمتنبي والمعرّي؟»وقد تطرق سعود لتلك الحادثة في قصيدة «كحبتي تين ناضجتين» وينقل عن والدته تأكيدها أن الطبيب نايف حمزة كان لطيفا وكريما ويسامح مرضاه الذين عجزوا عن توفير كلفة التداوي. ويقول إنه رجل صاحب مكرمات وفلسطين تشهد له بصفته طبيبها الأول وبما له من أياد بيضاء على فقرائها.

صلحة شفاعمرو

في نطاق فعالياته الاجتماعية شارك الدكتور نايف حمزة في تهدئة الخواطر في شفاعمرو بعد مقتل الشّيخ حسن خنيفس عام 1939 وذلك بالتّعاون مع الوفد السّوري الذي قَدِم من جبل العرب لتسوية ذات البين حتى عُقِدَتْ راية الصّلح وما بها من عادات عربيّة: مسامحة، ومصافحة، وممالحة كما يؤكد الكاتب نمر نمر.
واستذكر الشيخ الراحل خير الدين الحلبي من دالية الكرمل قبل رحيله عن 100 عام أن وفد  الصلح الرفيع ضمّ شخصيات كثيرة من سوريا.

عودة لنابلس

وفي 1948 وغداة احتلال حيفا انتقل نايف حمزة لنابلس وعمل في مستشفاها. ويتهمه مسؤول أرشيف مستشفى «رمبام» نسيم هليفي مؤلف كتاب «أطباء أرض إسرائيل « بأنه « اختطف سيارة إسعاف مليئة بالأدوية وفّر إلى لبنان» لكن الحقيقة أنه انتقل لنابلس.
رحل دكتور نايف حمزة عام 1977 في مسقط رأسه عبيّ وولده المؤرخ الدكتور نديم حمزة وكريمته نجلاء حمزة نجار المولودة في حيفا عام 1928 وكانت رئيسة جمعيات خيرية في منطقة الشوف.
وفي سيرة الأسرة يروي الكاتب فايز الكرد من عكا في كتابه «حياة فنان» عن الموسيقار صدقي شكري أن الأخير دأب على زيارة بيت الراحل نايف حمزة في حيفا  لتعليم كريمتيه العزف على العود وقد بهرته مظاهر الأبهة والثراء وبهرته أكثر شخصية كريمته الوحيدة المثقفة والجميلة. ويروي الكرد قصة ظريفة عن هذا اللقاء مع الفتاة الأرستقراطية التي رفضت تقليم أظفارها بطلب من معلم الموسيقى كي تتمكن من العزف على أوتار العود، ويقول إن الفتور بين المعلم والطالبة زال مع الوقت وبدأ قلبه يخفق تجاهها لكنها بقيت حريصة على كبريائها وأدبها دون المسّ بكرامته. وعبر  صدقي شكري عن تلك الحالة بأغنية ألفّها ولحنها بعنوان « معلش «،مطلعها:
معلش اليوم اتدلع….راح يجي يوم وتولع
مني وعيونك تدمع……معلش معلش.
لكن آمال الفنان لم تتحقق وبقيت على كبريائها ولم ينقذه مما يعانيه سوى سفرها لإنكلترا لاستكمال دراستها فانقطعت الصلات ولم تبق سوى الأغنية والذكريات.
 

حمزة ومشفاه في حيفا .. حكاية حكيم حالم
معالم وأعلام من فلسطين (3)
وديع عواودة:
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left