الدولة القُطْرية ومعوقات التغيير

لطفي العبيدي

Jun 22, 2018

الإفلاس الأخلاقي الذي ارتبط بالنخب الحاكمة في تونس، يزيده قبحا ووقاحة تمسك هؤلاء بتغييب أي إمكانية لإعادة التقييم أو التفكير في الوضع السائد، أو أي تدقيق في معوقات نجاح الحالة الثورية التي أهملت للأسف ركائز الديكتاتورية واهتمت برموزها.
وبمعنى أدق تناست العامل الخارجي، ودور القوى الإمبريالية في صناعة أصنام الديكتاتورية وهندسة التغول الاستبدادي، ومواصلتها زرع أياد فاسدة تنهب ثروات الشعوب، وتكفل المكاسب لصالح البنوك الدولية، التي تُعتبر أشكالا للهيمنة الغربية الجديدة ضمن سياقات العولمة، التي سعت إلى تكريس التبعية الاقتصادية لهذه الدول، وهو ما يمنع نجاح الثورة الحقيقية، خاصة وقد خطت القوى الامبريالية خطوات كبرى في اتجاه احتواء الثورات العربية عبر أجهزتها المالية، مُمثلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من الأذرع الفتاكة التي راهنت على إغراق هذه الدول بالديون، وهي التي بدا لها أنها استنشقت نسمات الحرية، وذلك لتعجيزها عجزا تاما وجعلها تابعة لا تمتلك قرارها السيادي قطريا، فما بالك بحضورها في القضايا الدولية ضمن لعبة الأمم اقتصاديا وسياسيا.
وضمن رهانات المرحلة تُعد «القفزة النوعية» بتعبير توماس كوين من نمط اجتماعي وسياسي واقتصادي إلى نمط آخر يكنسُ النمط السائد، ويفرض منظومة مختلفة أمرا بات ضروريا، فالاكتفاء بالفرجة في ما يُقدم على الركح السياسي من تمثيلية ساذجة تُستبدل فيها حكومة بحكومة أخرى، إنما هو لعبة شطرنج، فذهاب الفاشل وقدوم الأفشل ليس سوى مصادرة على المطلوب وإغراق للبلد في متاهات قد يصعب الخروج منها، نحو تكريس عدالة اجتماعية تضمن حياة أكثر عدلا وإنسانية، وهو ما كان مرجوا ضمن أهداف الحراك الاجتماعي الثوري في تونس وغيرها من الدول العربية.
هكذا إذن تسمح الديمقراطية المتعثرة بالاستبداد، الذي يكشف عنه تحكم بضعة أشخاص في مصير الملايين، وإخضاعهم للتجارب الفاشلة، ضمن خيارات سلبية متواصلة، ولا تنبئ بخير يُرجى، بل على العكس من ذلك هناك استماتة في مواصلة تعتيم الوضع الاقتصادي في البلاد. ومثل هذه السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تجلب الحرمان للشعب، وتجر العواقب السلبية، إنما هي سياسة قاصرة ولا خير في أصحابها، فهي بالمقاييس الأخلاقية خيانة لمصالح المجموعة الوطنية، فالمطلوب هو الوعي بواجبات العمل في إطار الجماعة السياسية، والتمييز بين مطالب الحزب مهما كانت مرجعياته وولاءات أفراده ومطالب المجتمع والدولة، وبتعبير أكثر دقة تمثل واستيعاب دولة المواطنة التي تجمع الكل بدون أن يمنع ذلك التنافس السياسي بأيديولوجياته المختلفة، على أن تخدم رؤى وبرامج حقيقية وليس احترابا على الوهم. فالدولة في وجه من وجوهها إنما هي مشروع سياسي ذو طابع مؤسسي، وهي التي تحرص على ضمان مجتمع يسوده الوفاق ضمن الحد الأدنى من القواسم المشتركة.
وفي ظل طبيعة النظام السياسي الغامض وضعف المؤسسات السياسية الرسمية في استيعاب معطى الحكم، وفي التعامل مع القضايا الاجتماعية، ناهيك من احتكار الدولة لصالح نخب معينة، غيبت صفة المواطنة وعطّلت معطى الحوكمة العادلة، أصبح مصير البلاد في يد مجموعة من المراهقين سياسيا لا يمتلكون أي حلول سياسية أو اقتصادية، يكتفون بالمعارك الحزبية والفئوية، بغية تحصيل مكاسب شخصية، وكل ذلك على حساب حاضر البلاد ومستقبلها. أما الانصياع وراء الشخص وتغييب الفكرة والمشروع والميل نحو تحويل الحزب إلى جماعة أهلية تُشبه الطائفة أو العائلة الموسعة، فهي أمور أصبحت مكشوفة وسوقها نافقة وتدفع نحو فقدان الثقة في السياسيين، وعزوف الشعب عن الأداء الانتخابي.
ذاك شيء من فهم يدفعنا لنجدد طرح سؤال مصير الدولة القطرية في ضوء معطيات التحولات الكونية، وتغير التوازنات الدولية والعالمية، وهو سؤال ملح في ظل سجال يبدو أزليا بين مختلف التيارات، يُعقده تمسك بعضها بشعارات كانت في فترة ما محل تعقيد والتباس ضمن نسقها الأيديولوجي، وهي إلى الآن على تلك الحال من العبثية وانعدام الاضافة الجوهرية، وما كل ذلك إلا هدر للوقت، رديفه المُضي في النقاش مع سياق نخبوي مازال يواصل طرح سؤال المشروع الوطني بشكل مُصطنع ومشبوه، يُبطن نوعا من الترويج للمشروعات الأمريكية أو غيرها من الدخيل اقليميا، التي تستهدف الأقطار العربية، وهو ترويج يستتر برداء نيوليبرالي تحرري أو اسلاموي مؤدلج، سرعان ما تتضح رداءته لأصحاب الفكر النقدي الحر، الذين ينصب اهتمامهم حول الحالة الحداثوية العربية كمشروع سياسي وفكري متكامل، وهو مشروع نضالي بامتياز له متطلباته ومتجددة رهاناته.
ويبقى أبرزها طرح برنامج وطني ديمقراطي يتفهم طبيعة المرحلة، وكيفية إدارة العمل السياسي الفاعل وطنيا بعيدا عن الأجندات الخارجية وعن المصالح الفئوية والحزبية الضيقة، أو التعامل الاقطاعي مع مؤسسات الدولة بما يعنيه من ولاءات تنحكم بها التعيينات في مختلف المناصب، وتُقصى فيها الكفاءات وتُغيب ضمن أطر التهميش واللامبالاة، ولا فرصة تُعطى للكوادر النوعية في إدارة الشأن العام، طلبا للارتقاء بواقع البلاد وتغيير أوضاعها نحو الأفضل، تعبيرا عن تطلعات المواطنين في دولة مدنية حديثة تُعاملهم وفق ألف باء المواطنة الدستورية وهو أمر ليس عسيرا تحققه في أي بلد عربي.
كاتب تونسي

الدولة القُطْرية ومعوقات التغيير

لطفي العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left