حول علاقة السلطة والمال والتمثيلية السياسية

المعطي منجب

Jun 22, 2018

عاد النقاش بقوة حول الضرر الاقتصادي والسياسي البالغ الذي تحدثه العلاقة الوثيقة والملتبسة بين الثروة والسلطة في المغرب. فحوالي نصف من وضعتهم لائحة فوربيس خلال السنوات الأخيرة في مصاف المليارديرات يشاركون بطريقة مباشرة في الحكم بمناصب سامية. هؤلاء الناس الذين يساهمون إذن بشكل قوي في القرار الاقتصادي المركزي والاستراتيجي، لا يمكنهم إلا أن يتخذوا القرارات التي تذهب في اتجاه مصالح شركاتهم وتنمية ثرواتهم. إنهم رجال أعمال فلا يمكن أن يروا في ممارسة السياسة عملا تطوعيا أو هواية قد تضر بمصالحهم. إنهم واعون حق الوعي أن السياسة نشاط يساعد على تسهيل استثماراتهم وإنعاش أرباحهم. إذا أضفنا لهذا أن طبيعة الاقتصاد السياسي بالمغرب هي طبيعة ريعية، تفهمنا ليس فقط حركة المقاطعة التي انطلقت بالمغرب منذ حوالي شهرين ولكن كذلك عودة النقاش القوي الذي أثارته ـ أي المقاطعة ـ حول مشروعية العلاقة بين السلطة والمال.
كما حدث خلال الربيع المغربي لسنة 2011، شاركت في النقاش أغلب توجهات الرأي العام ومنها اليسار بشقيه البرلماني والجذري وكذلك الحركة الإسلامية سواء تلك القريبة من حزب العدالة والتنمية أو جماعة العدل والإحسان. المواطنون اللامنتمون وهم يمثلون أغلبية نشطاء الشبكات الاجتماعية شاركوا بحماس في النقاش بل إن العشرات منهم على الأقل قد نشروا فيديوهات تدين الترابط اللامشروع بين السلطة والثروة. إن الكثير من هاته الفيديوهات قد قام النشطاء بإنتاجها شخصيا أو في إطار جمعيات.
شارك زعماء سياسيون وطنيون في النقاش كذلك. هكذا نقلت الصحف عن نبيلة منيب الأمينة العامة للاشتراكي الموحد، مطالبتها «بإنهاء الزواج غير الشرعي بين السلطة الاقتصادية والسياسية». كما أنها دعت إلى استقالة الفاعلين الاقتصاديين الكبار من السياسة و«وقف نزيف الريع الاقتصادي والتوزيع غير العادل للثروات التي تسيطر عليها عائلات بعينها». وفي نفس التصريح الذي تابعه حوالي مئة وخمسين ألف من مرتادي الفضاء الأزرق، أكدت القيادية اليسارية أن «النظام السلطوي مازال يراوغنا منذ الاستقلال» إذ يرفض أن يباشر إصلاحات حيوية وعاجلة كالفصل بين السلط. وصفت السيدة منيب النظام «بالمنخور» والراعي للفساد والريع والذي يعيق تقدم المغرب نحو المجتمع الديمقراطي الحداثي والملكية البرلمانية.
من بين القضايا ذات الارتباط بالموضوع والتي نوقشت من لدن الرأي العام تضرر التنافسية الاقتصادية وإذن أغلب رجال الأعمال من السطوة السياسية لبعضهم، وهم قلة قليلة تستعمل علاقات الحظوة التي تتوفر عليها وولوجها لدوائر القرار، للحصول على امتيازات لا يمكن أن يحصل عليها المستثمر المستقل. يصل الأمر أحيانا بهاته القلة الغنية جدا إلى استصدار قوانين على المقاس قد لا تدوم صلاحيتها إلا بدوام الهدف المصلحي منها.
وبمناسبة انتخاب رئيس جديد للباطرونا، أشار بعض المناقشين إلى أن الأنظمة السلطوية ترفض على العموم التعامل بطريقة جدية ومنتجة ديمقراطيا مع الهيئات ذات التمثيلية القوية بما فيها نقابات رجال ونساء الأعمال. وهكذا فإن الاتحاد العام لمقاولات المغرب قد تعرض لضغط رهيب كاد يعصف به أواسط التسعينيات من القرن الماضي لما رفض الوصاية وتشبث بالدفاع عن رجال الأعمال بغض النظر عن طبيعة العلاقة بينهم وبين النظام. نفس اتحاد المقاولات وُضع من جديد تحت الضغط في بداية الألفينيات ليفقد جزءا كبيرا من استقلاليته حيث أصبحت السلطة السياسية تتدخل، أحيانا بشكل سافر، في اختيار من يقود الباطرونا. كما أن هاته الأخيرة وُجهت سياسيا لمعارضة حكومة عبد الإله بنكيران رغم أن القرارات الاقتصادية لحكومته قد ذهبت في الغالب الأعم في اتجاه مصالح المستثمرين. إن تبرم السلطة من الهيئات والشخصيات ذات التمثيلية القوية يتجلى في الدفع بالسيد صلاح الدين مزوار، وهو لم يكن أبدا رجل أعمال بل وسياسي مقرب من القصر، إلى رئاسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب. وهكذا يقو د سياسي، لا مال له، رجال المال والأعمال.
في نفس الوقت يحاول أن يتزعم رجل أعمال وهو السيد أخنوش، بدفع من نفس الجهات العليا، طبقة السياسيين في انتظار أن يقود الشعب في الانتخابات القادمة، والشعب لا مال له. هذا التناقض الصارخ والمضحك يدلل على رهاب التمثيلية الذي تعاني منه السلطة في المغرب. التخلص من بنكيران كرئيس للحكومة رغم وصول الحزب الذي يتزعمه أولا في الانتخابات التشريعية كان سببه كذلك التمثيلية الكبيرة التي كان يتمتع بها الرجل داخل وخارج حزبه. ولكن قد نتساءل ما سبب هذا الرهاب؟ نعتقد أن سببه الرئيسي هو القدرة التفاوضية التي يتوفر عليها ذوو التمثيلية القوية تجاه النظام، سواء كان هؤلاء معارضين للنظام أو يتمتعون فقط باستقلالية نسبية عنه. إن القدرة التفاوضية ـ المدعمة دستوريا وإن نظريا ـ والتي يحصل عليها الوسطاء المستقلون من القواعد التي تنتخبهم سواء أكانوا في الحكومة أو في البرلمان أو المجتمع السياسي أو المدني، تثير حنق النخبة المتحكمة في القرار. وذلك لأن هاته النخبة تعرف أن لا مشروعية انتخابية لها وأنها إن فرطت في المنطق السلطوي فإنها في الأخير ستجد نفسها في نظام جديد يجعل من المنطق الديمقراطي ديدنه ومن خدمة الصالح العام هدفه. وهذا يتناقص ومصلحة القلة المتحكمة في المال وفي القرار.

٭ كاتب من المغرب

حول علاقة السلطة والمال والتمثيلية السياسية

المعطي منجب

- -

2 تعليقات

  1. لماذا نولي للعلاقة بين المال والسلطة كل هذه الأهمية في المغرب ؟ هل يجب على السياسي أن لا يكون من كبار رجال المال والأعمال ؟ وبالتالي هل ينبغي إبعاد الأثرياء عن ممارسة المسؤوليات وتولي المناصب السياسية ؟ هل الديموقراطية هي الفصل بين المال والسلطة ؟ ألا نمارس انتهاكا لحقوق المساواة والحرية بين الأفراد ؟
    لماذا يختفي بعض من نعتبرهم مناضلين وحقوقيين جذريين وراء بعض الشعارات واليافطات المزيفة للتعبير عن أهداف غير معلنة ؟ المسألة في المغرب لا تتعلق برجل الأعمال وصديق الملك السيد أخنوش فقط ؛ ذلك أن الجمع بين الثروة والسلطة يقوم به كثير من الأشخاص الأثرياء القريبين جدا من دوائر القرار، بل إن الملك بوجوده على رأس هرم السلطة السياسية والدينية وامتلاكه للهولدينغ الملكي الضخم المتعدد الفروع يجمع بين سلطة السياسة وسلطة المال.
    هذه المعارضة للجمع بين المال والسلطة لا تعلن عن أهدافها الحقيقية وتظل طوباوية حتى لو صدقنا حسن نواياها. التاريخ البعيد أوالقريب يذكر حالات عديدة لحكام ورؤساء أثرياء: على سبيل المثال المرحوم رفيق الحريري والرئيس الأمريكي جون كينيدي و الرئيس الحالي السيئ الذكر دونالد ترامب. من الأجدى و الأكثر فعالية في تولي المسؤولية ولدى المجتمع هو تفعيل تطبيق القانون بكل حزم وصرامة ضد المفسدين و مبذري الأموال العامة والمتلاعبين بالمصالح العمومية ومكدسي الثروات باستغلال مناصب المسؤولية. أما عدا ذلك فيبقى ضمن ما سماه فلاديمير لينين مرض اليسار الطفولي,

  2. أظن هذا العنوان والمحاور توضح أن الموظف لم يستطع التمييز بين عقلية رجل الأعمال وبين عقلية المقاول، مشكلة مفاهيم لغة مثقف وسياسي دولة الحداثة التي تم استيرادها من أوربا، التي طردت اليهودي والمسلم من أسبانية ومن رفض الهروب تم تنصيره، هذه العقلية هي من تسببت بالحرب العالمية الأولى والثانية، لاحظت الكثير لم ينتبه إلى أن هناك فرق بين مفهوم المواطن الصالح في أوربا (المقاول) وبين المواطن الصالح في أمريكا (رجل الأعمال)، العولمة (التي هي منتج أمريكي بدأ بمشروع مارشال عام 1945) والاقتصاد الإليكتروني (التي هي منتج امريكي كذلك بدأ بالإنترنت/الشابكة التي عمل على تسويقها نائب الرئيس الأمريكي آل غور عام 1992) عملت على نشر الثقافة الأمريكية في مفهوم المواطن الصالح (رجل الأعمال) الذي يستطيع عمل صفقة بين الأنا والآخر، وهذه زادت من أهمية اللغة والترجمة والوقت، كمعايير للتقييم الاقتصادي، فاللغة لكي تفهم ما يطلبه الآخر بشكل صحيح، ثم تقوم بترجمته إلى منتج بدون أخطاء من أول مرة لتوفير تكاليف الإنتاج، على أرض الواقع هناك فرق بين منطق لغة الآلة وبين منطق لغة الإنسان، منطق الآلة ثنائي يفهم (0/1) أو(صادق/كاذب) بينما تجد النفاق الاجتماعي/الرياء أصل الإبداع عند المثقف والسياسي في دولة الحداثة لثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان، كما يمثلها بكل فجاجة دونالد ترامب، لا تختلف كثيرا عن دولة الكيان الصهيوني، فليس هناك إنسان في هذه الدولة، بل هناك آل البيت لشعب الرب المُختار بواسطة السامري صاحب البقرة المقدسة، والتي تمثلها السلطات الثلاث أو ما يسمى بالدولة العميقة التي يجب أن تكون فوق القانون، ممثلا بالضريبة/الرسوم، التي فقط يدفعها ممثل الاستعباد
    لاحظت نموذج دولة الحداثة في المغرب والأردن وإيران والكيان الصهيوني، هناك معالم تشابه واسباب واحدة لنفس المشاكل الاقتصادية في الدولة التي أساسها ثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان، فنحن لم نقتل اليهود بعد تدمير دولتهم بل أخذوهم للاستفادة منهم اقتصاديا في السبي البابلي، عكس ما حصل في أسبانيا مع اليهود المسلمين من طرد أو قتل من يرفض أن يتكثلك لمن بقى أو ما حصل من مجازر أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية من مذابح للآخر أو من يؤمن بشيء مختلف، وهذا ما لاحظت يجهله غالبية مثقفي وسياسيي دولة الحداثة التي تريد حصر كرسي الوظيفة فقط لآل البيت من شعب الرب المختار فيه

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left