المحكمة الاتحادية والانتخابات وفشل الدولة

يحيى الكبيسي

Jun 22, 2018

أنهت المحكمة الاتحادية العليا الجدل المتعلق بالانتخابات، وأصدرت يوم أمس الخميس 21 أيار/ مايو قرارا باتا وملزما للسلطات كافة، يقضي بدستورية أغلب مواد التعديل الثالث لقانون الانتخابات الذي أصدره مجلس النواب العراقي بتاريخ 6 أيار/ ماي 2018، أي القبول بحلول قضاة من مجلس القضاء الأعلى محل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والقيام بمهامها. والقبول بإعادة العد والفرز اليدوي لأصوات الناخبين في جميع المراكز الانتخابية في عموم العراق، وعدت ذلك إجراء تنظيميا لعملية الانتخابات العامة لا يخالف أحكام الدستور. لكنها اعترضت على المادة المتعلقة بإلغاء نتائج انتخابات الخارج لجميع المحافظات، وانتخابات الحركة السكانية لمحافظات (الانبار، وصلاح الدين، ونينوى، وديالى)، وانتخابات النازحين في المخيمات، وانتخابات التصويت المشروط، وانتخابات التصويت الخاص في اقليم كردستان. ووجدت المحكمة إن الغاء هذه النتائج بشكل مطلق، يشكل هدراً لأصوات الناخبين ومصادرة لإرادة الناخبين، وهو يتعارض مع احكام الدستور التي كفلت للمواطن حقه في المساواة، وحقه بالتصويت.
ولكن المحكمة الاتحادية في القرار نفسه أقرت جملة من «المبادئ» التي تناقض «مبادئ» اخرى سبق للمحكمة الاتحادية نفسها، بقضاتها أنفسهم، ان قررتها سابقا، وهي مطمئنة تماما أن التواطؤ الجماعي مستمر، بداية من عدم دستورية المحكمة نفسها، مرورا بقراراتها المسيسة تبعا لإرادة الفاعل السياسي الأقوى، أو استنادا إلى صفقة بين الفاعلين السياسيين الأقوى، وان هذا التواطؤ سيتيح لها تمرير قراراتها مهما كانت بعيدة عن النص الدستوري، بل ومنتهكة له، لاسيما ان هذا التواطؤ ليس تواطؤا داخليا وحسب، بل تواطؤ إقليمي ودولي!
لقد جاء في قرار المحكمة الاتحادية أن عدم مصادقة رئيس الجمهورية لا يمنع من صيرورة القانون نافذا لأن رئاسة الجمهورية لا تملك دستوريا صلاحية نقض القوانين، وإلى أن الدستور العراقي أجاز في المادة (19/ تاسعا)، وفي المادة (129) أن يكون نفاذ القانون من تاريخ التصويت عليه! وهي بذلك تنتهك بشكل صريح أحكام الدستور العراقي الذي أعطى في المادة 73/ ثالثا صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية بان «يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب، وتعد مصادقاً عليها بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلمها». وبعيدا عن مخالفة هذا القرار للنظام الداخلي للمحكمة الاتحادية نفسها الذي يقضي بصلاحيته الحصرية في النظر في القوانين النافذة حصرا، من خلال تعاطيها مع قانون لم يدخل حيز النفاذ بعد! فان المحكمة الاتحادية تعمدت التدليس والخلط بين موضعين مختلفين تماما هما: النفاذ والمصادقة! فالمادة 19/ تاسعا نصت على أن «ليس للقوانين أثر رجعي ما لم ينص على خلاف ذلك»! كما نصت المادة (129) على أن «تنشر القوانين في الجريدة الرسمية، ويعمل بها من تاريخ نشرها، ما لم يُنص على خلاف ذلك»، أي ان المحكمة مارست التدليس الصريح من خلال عدم الإشارة إلى موضوع المصادقة مطلقا، لأنها تعلم تماما انه لا إمكانية لنفاذ أي قانون من دون مصادقة رئيس الجمهورية، او مرور خمسة عشر يوما على تاريخ تسلم رئاسة الجمهورية لهذا القانون!
كما أشار قرار المحكمة الاتحادية إلى ان «مقترح القانون» لا يشترط أن يمر على مجلس الوزراء لكي يتحول إلى «مشروع» قانون! وان المواد 60/ اولا وثانيا من الدستور تجيز ذلك! لكن وبالعودة إلى الدستور سنجد ان المادتين المذكورتين تشيران إلى «مشروعات» القوانين التي يقدمها رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وإلى «مقترحات» القوانين التي تقدم في مجلس النواب! لكننا نعرف أيضا أن المحكمة الاتحادية ذاتها، بقضاتها أنفسهم، كانت قد أصدرت في العام 2010 قرارا سابقا، ما زال باتا وملزما للسلطات كافة أيضا، قررت فيه أن «الفقرة (ثانيا ) من المادة (60) من الدستور اجازت لمجلس النواب تقديم مقترحات القوانين عن طريق عشرة من اعضاء مجلس النواب او من احدى لجانه المختصة، ومقترح القانون لا يعني مشروع قانون لأن المقترح هو فكرة والفكرة لا تكون مشروعا ويلزم ان يأخذ المقترح طريقه إلى احد المنفذين المشار اليهما (أي رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء) لإعداد مشروع القانون وفق ما رسمته القوانين والتشريعات النافذة إذا ما وافق ذلك سياسة السلطة التنفيذية التي اقرها مجلس النواب» (القرار 43 و 44/ اتحادية/ 2010)! أي أن المحكمة الاتحادية تقول لنا في العام 2010 ان مقترح القانون يلزم أن يتحول إلى مشروع قانون عن طريق رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء وبخلافه يعد غير دستوري، بدليل انها نقضت قانونين بهذه الحجة! ثم تعود لتقول في العام 2018 إنه لا مشكلة في تشريع قانون يعتمد على مقترح، وان لا حاجة لكي يتحول هذا المقترح إلى مشروع قانون!
الطريف هنا ان المحكمة الاتحادية ردت على طعن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الذي انصب على عدم اخذ مجلس النواب موافقة السلطة التنفيذية على تشريع القانون رغم انه يكلف مبالغ مالية، بطريقة غير مسبوقة، فقد كان رد المحكمة على هذا الطعن «الدستوري» بالقول: إن مثل هذا الطعن «تختص به الحكومة وليس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات»! فهذا الموضوع كان حاضرا في قرارات سابقة اخرى أصدرتها المحكمة الاتحادية! والأمثلة على هذا التدليس كثيرة؛ فقد قررت المحكمة الاتحادية في قرارها (59/ اتحادية/ 2015) بان أحد مواد قانون التقاعد الموحد «غير دستوري لأن مجلس النواب شرعه ولم يكن بالصيغة المعدة من مجلس الوزراء، ولأن النص المذكور يرتب جنبة مالية على الحكومة»! أي أن المحكمة نفسها لم ترد عمليا على هذا الطعن إلا عبر المراوغة والتهرب الصريحين، من دون ان تنتبه المحكمة إلى ان الدستور نفسه قد أعطى «لذوي الشأن من الأفراد» الحق في الطعن المباشر لدى المحكمة، فكيف لها أن تمنعه عن هيئة رسمية!
لم تكن أزمة الانتخابات، وما صاحبها ونتج عنها من دوران سلطات الدولة جميعها في حلقة مفرغة، سوى مظاهر تعكس أزمة الدولة ومؤسسات بالكامل، وكان من العبث التفكير أصلا بان القضاء بوجه عام، او المحكمة الاتحادية، تقفان خارج إطار هذا الازمة! هكذا لا يمكن التعاطي مع قرار المحكمة الاتحادية سوى على انه تكريس لأزمة الدولة العراقية وفشلها!

٭ كاتب عراقي

المحكمة الاتحادية والانتخابات وفشل الدولة

يحيى الكبيسي

- -

2 تعليقات

  1. المحكمة لا تريد إعادة الإنتخابات رغم الخروقات التي تقر بها! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. عنوان رائع، فدولة الحداثة أثبتت فشلها بسلطاتها الثلاث، في أجواء العولمة والاقتصاد الإليكتروني، لأن الموظف في النظام البيروقراطي بسبب طريقة حساب الراتب ومن له صلاحية في الخصم منه، لا ينتج أي منتج لن يوافق عليه المسؤول عن استلام راتبه آخر الشهر كاملا، وستجد هذا في كل الدول الأعضاء في نظام الأمم المتحدة، وليس فقط العراق.
    ولكن العراق بالذات كدولة مر بوضع خاص، ما بين 2/8/1990 وحتى تاريخ 9/4/2003، استفاد منها صندوق النقد والبنك الدولي لتقديم نصائح لبقية دول العالم من التجربة العراقية التي تجاوزت الحصار الظالم، بمفهوم احتضان الدولة للاقتصاد والموظف المبادر لإعادة إعمار كل ما تم تدميره في حرب أم المعارك/عاصفة الصحراء في عام 1991.
    ولكن قبل هذه الفترة فالظلم بحجة ضرورة أن يكون للدولة هيبة، كان مأساة حقيقية في مفاهيم دولة الحادثة والأجهزة الأمنية والقضائية، فمثلا أي قضية تصل إلى محكمة الثورة في عهد صدام حسين، سيحكم عليك 3 سنوات فقط من أجل هيبة المحكمة؟! حتى لو كنت بريء وتم إرسال أوراقك لها بالخطأ، ولذلك هل القانون في دولة الحداثة للتنظيم، أم للاستعباد والإذلال بحجة بدون هيبة لن يمكن الحكم في أي دولة؟!
    وفي هذا المجال لاحظت الكثير لم ينتبه، ومن ضمنهم كاتب المقالة أعلاه، من أن بلاد الرافدين ثارت على دولة الحداثة أول مرة عام 1920، وفي حينها تشرتشل قصف الثورة بالكيمياوي، وللضحك على أهل بلاد وادي الرافدين أتم بآل البيت كواجهة لدولة الحداثة، وعند الثورة هذه المرة قاموا بسحل حتى آل البيت في عام 1958، والإشكالية في انتخابات عام 2018 فقد كان القانون فاسد، وطريقة التوظيف في المفوضية كان فاسد، والأجهزة الآلية التي استخدمت في الانتخابات تبين أنها فاسدة، وأخيرا تم حرق حتى مخازن حفظ الصناديق، فالسؤال من لن يتم سحله هذه المرة لو ثار الشعب؟!
    من وجهة نظري عملية اصلاح دولة الحداثة، يجب أن تبدأ دائرة الضريبة وهي المسؤولة عن إيرادات الدولة وكيفية تحديد الرسوم، لتكون هي المسؤولة عن إعادة طريقة حساب الراتب، لربطه بالإنتاج وجودته وكفائته، ويجب أن لا يتم نفخ أي إيرادات من خلال نفخ الرسوم دون تحسين مستوى الخدمة التي يتم فرض أي رسم عليها مقابل هذه الخدمة، فالدولة يجب أن تكون في خدمة الإقتصاد والإنسان فيها، لو أرادت أي موقع متقدم على مقياس التنافسية، كي تستطيع جذب أي استثمار بدل الديون البنكية للدولة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left