خريجو الجامعات وإعدادهم للعمل والحياة

علي زهدي شقور

Jun 25, 2018

يتزايد أعداد الخريجين في الجامعات العربية بصورة كبيرة نظرا لزيادة الطلب على التعليم الجامعي الناتج عن زيادة أعداد السكان في العالم العربي. يتزامن هذا التزايد مع التحولات والتغيرات التي يشهدها العالم من حولنا والتي تؤثر على حياتنا بكافة جوانبها ومجالاتها، فالثورة التي تقودها التطورات المتسارعة لتكنولوجيا المعلومات والاتصال كسرت الحدود التقليدية للدول وجعلت من العالم قرية صغيرة يستطيع أي منا التجوال فيها والدخول في أزقتها والاطلاع على مجريات الأمور فيها بسهولة ويسر ودون حسيب أو رقيب.

انفجار معرفي

وما يشهده العالم من انفجار معرفي في مختلف الحقول والعلوم عقد هذه التحولات والتغيرات وجعل ضرورة الاستعداد لمواجهتها والتعامل معها أولوية كل فرد من أفراد المجتمع بمن فيهم خريجو الجامعات الذين من المفترض أن يتبوأوا مراكز أمامية في عصر أصبح يعرف اقتصاده باقتصاد المعرفة.
هناك العديد من الجهات العالمية والمحلية التي قامت بلفت الأنظار، ولا زالت، نحو ما يجب أن يكتسبه خريجو الجامعات من مهارات ومعارف أساسية تمكنهم من الإنخراط في عالم العمل بعد تخرجهم بصورة مثمرة ومنتجة. فبرزت مسميات عديدة لتلك المهارات كان أكثرها شيوعا «مهارات القرن الحادي والعشرين»، إلا أنها جميعا تشترك في مجموعة من المهارات الفرعية الأساسية مثل مهارات الاتصال والتواصل والوعي المعلوماتي والوعي الإعلامي ومهارات الإبداع والتميز ومهارات حل المشكلات ومهارات المرونة والقدرة على التكيف والمهارات الحياتية وغيرها. واللافت للنظر في هذه المهارات أنها في أغلب الحالات لا يتم اكتسابها بصورة مدروسة ومنظمة وبأسس وقواعد سليمة في الجامعات العربية.
وهناك العديد من الجهات العالمية كذلك المهتمة بدراسة وتحديد وتحديث المهارات المطلوبة لعالم الأعمال اليوم. فنجدها تخرج بين الفترة والأخرى بقوائم لأهم المهارات وتقارير حول ما يجب أن يكتسبه الفرد من هذه المهارات كي يتمكن من دخول العمل بصورة مثمرة ومنتجة وفاعلة. فقد أشارت إحدى تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي في 2016، إلى أن 35% من مهارات القرن الحادي والعشرين التي تعتبر مهمة ستتغير النظرة إلى أهميتها وسيتبدل ترتيب هذه الأهمية. فالإبداع الذي كان يحتل المرتبة العاشرة في 2015 سيحتل المرتبة الثالثة في 2020، بينما مهارة الإصغاء الفعال، التي تعتبر مهارة أساسية اليوم، ستختفي تماما من قائمة أهم عشر مهارات وسيصبح الذكاء العاطفي، الذي لا يظهر في القائمة، أحد أهم المهارات التي يحتاج إليها الجميع حسب التقرير.
تتضمن البرامج التعليمية التي تقدمها الجامعات مساقات أو مواد متنوعة تغطي جوانب عديدة، وقد جرت العادة إلى تقسيم هذه المواد إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي متطلبات الجامعة الاجبارية والإختيارية ويكون لزاما على كل طالب أن يدرس هذه المتطلبات بغض النظر عن الكلية أو القسم الذي ينتمي إليه في الجامعة. وهناك متطلبات الكلية ومتطلبات القسم أو التخصص، وهذه أيضا تشمل ماهو إجباري وما هو اختياري من المواد. وتختلف نسبة المواد التي تقع ضمن متطلبات الجامعة الاجبارية والاختيارية بين جامعة وأخرى، فتتراوح ما بين 18% و25% من مجموع المواد التي على الطالب دراستها في برنامجه الدراسي.
تشترك الجامعات في مجموعة من الأهداف الخاصة بمواد متطلباتها الجامعية، ويتم الاجتهاد في العمل على تحقيقها بصورة متفاوتة. ومن بين هذه الأهداف الاسهام في تطوير وصقل شخصية الطالب وتنميتها بصورة شاملة متكاملة، وإكسابه مجموعة من القدرات كالقدرات العقلية والفكرية والثقافية واللغوية والقدرة على التواصل والتعبير وتعزيز هويته الوطنية وتقبل الآخر وغيرها من الأهداف. وكون هذه الأهداف مشتركة بين الجامعات العربية تقريبا فلا غرابة أن نجد مسميات هذه المواد متطابقة إلى حد كبير. وتشترك أغلب الجامعات كذلك في آلية تدريس هذه المواد، حيث أنه في الغالب ما يتم تدريسها لأعداد كبيرة من الطلبة وعادة ما تخصص مدرجات هذه الجامعات كقاعات تدريسية لهذه المواد. ومن الجدير ذكره أن النظرة لهذه المواد تختلف عن النظرة للمواد الأخرى التي يدرسها الطالب في برنامجه الدراسي. فنظرة الطالب لهذه المواد لا تؤخذ محمل الجد من قِبله، فهي مجرد مواد عادية مفروضة عليه وبالتالي يدرسها بهدف النجاح من أجل التقدم في برنامجه الدراسي. ونظرة المدرس لهذه المواد عادة ما تكون نظرة سطحية لا يعير أهمية للمادة التي يدرسها كما هو الحال في المواد الأخرى، فأعداد الطلبة كبيرة يصعب عليه متابعتهم وتلبية احتياجاتهم والقيام بما يجب عليه القيام بها كتنويع أساليب تدريسه وتوفير مصادر تعلم إضافية وتصميم أنشطة تعليمية تساعد في تحقيق أهداف المادة. أضف إلى ذلك أن طرائق التقييم لهذه المواد تكون موحدة فالاختبارات موحدة وحتى أسئلة هذه الاختبارات عادة ما تكون مكررة في كل فصل. ناهيك عن أن مقررات هذه المواد ربما لم يجر عليها أي تعديل أو تغيير أو تحديث منذ سنين، فالمادة التعليمية لكل من اللغة العربية واللغة الإنكليزية كمتطلبين إجباريين مثلا هي امتداد لما درسه الطالب في المدرسة علما أن الهدف المعلن من تدريسهما هو زيادة قدرة الطالب في التعبير والتواصل والانفتاح على الآخر.

المهارات التكنولوجية

المادة التعليمية لمساق يعني بتطوير المهارات التكنولوجية لدى الطالب ويأخذ مسميات مختلفة كمقدمة في الحاسوب أو مهارات حاسوبية لا زالت بعض الجامعات تتناول وحدات الإدخال ووحدات الإخراج في الحاسوب الشخصي والفرق بينهما مثلا، علما أن الأجهزة المحمولة والهواتف الذكية والأجهزة الأخرى المتنقلة قد حلت محل هذا الجهاز «التقليدي»، علاوة على أنه أصبح هناك منحى تعليمي أخذ اسم هذه الأجهزة وهو التعلم المتنقل. أما نظرة معظم الجامعات لهذه المواد فتتمثل بكونها موردا ماليا هاما، فعلى العكس من المواد الأخرى فهي لا تتطلب بنى تحتية كالمختبرات وورش العمل والتجهيزات الأخرى ولا تتحدد شُعبها بأعداد قليلة كما هو الحال في مواد التخصص مثلا.
نجد من خلال هذه الاطلالة العامة على مواد متطلبات الجامعة أنها تأخذ طابع التقليد في أغلب الأحيان مما يجعل اسهامها في تحقيق الأهداف التي تم ذكرها وصُمِمت أصلا من أجلها ضعيف جدا. فالمهارات التي من المفترض أن يكتسبها الطالب من خلال المواد الدراسية لهذه المتطلبات دائمة التطور، فمهارات الاتصال والتواصل التي كانت تعتمد على الوجاهية قبل ظهور الإنترنت تختلف عن تلك التي سادت فترة ظهور الجيل الأول من الشبكة العنكبوتية وما زامنها من تطوير لنظم الاتصال والتواصل، وهذه المهارات تختلف عن المهارات المطلوبة في هذه الفترة حيث الجيل الثاني للشبكة العنكبوتية وما يرافقه من تطور متسارع للتكنولوجيا. وها هو اليوم يتم الحديث عن الجيل الثالث لهذه الشبكة.
ونؤكد في هذا المقام أن مواد متطلبات الجامعة الإجبارية والاختيارية تشكل فرصة عظيمة لخريجي الجامعات من إكتساب المهارات التي تمكنهم من الدخول إلى الحياة العملية إذا تم التعامل معها بصورة علمية وموضوعية ومنظمة. ولكي نحقق ذلك لابد من إعادة النظر في كل من أهداف ومحتويات وآليات تدريس هذه المواد. وهنا تلعب قناعة القيادات العليا في الجامعات بأهمية هذه المواد ومدى اسهامها في إعداد خريجيها الإعداد اللازم لمتطلبات العصر الذي يعيشون. فالتنظير واستعراض ما قيل وما يقال في الاستراتيجيات والخطط وسرد نتائج الدراسات والأبحاث غير كاف. فلابد من بلورة كل ذلك وترجمته إلى خطط تنفيذية يتم مباشرة العمل من خلالها وتهيئة جميع الظروف المناسبة لعملية التنفيذ.
لابد أن تشكل إدارات الجامعات لجان متخصصة من مدرسيها تعنى بمواد متطلبات الجامعة. وأن يتم تنسيب أعضاء هذه اللجان بناء على ما يمتلكه هؤلاء الأعضاء من قدرات وإمكانات تؤهلهم لمتابعة وتقييم وتحديث هذه المتطلبات واقتراح الآليات المناسبة لتنفيذ تدريسها. ويكون من ضمن صلاحيات هذه اللجان اختيار مدرسي المواد ومتابعة أدائهم ورفع تقرير فصلي لإدارة الجامعة حول مجريات الأمور في تلك المواد. كما يجب أن يناط بهذه اللجنة توزيع هذه المواد حسب موضوعاتها وطبيعتها وأهميتها على فصول البرنامج الدراسي للطالب. وتكون من ضمن مسؤوليات هذه اللجان اختيار مدرسي هذه المواد وعقد ورش عمل ودورات تدريبية متخصصة ومنتظمة لمدرسي المواد من أجل الاستمرار في تطورهم المهني والاطلاع على مستجدات الأمور في مجالات المهارات المختلفة.

مدير إدارة التربية في المنظمة العربية للثقافة والعلوم سابقا
جامعة النجاح الوطنية/ نابلس، فلسطين

خريجو الجامعات وإعدادهم للعمل والحياة

علي زهدي شقور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left