هل سيكون انقلاب 19 يونيو 65 الأخير في الجزائر؟

ناصر جابي

Jun 25, 2018

لم يحتفل الجزائريون هذا الأسبوع بذكرى انقلاب 19 يونيو 1965، كما تعودوا على ذلك لمدة أربعين سنة. فقد ألغى الرئيس بوتفليقة في 2005، هذا التاريخ من قائمة الأعياد الوطنية. بوتفليقة الذي يملك علاقة خاصة جدا بهذا الحدث وتداعياته السياسية، فالرائد عبد القادر (بوتفليقة) هو الذي «سوّق» بن بلة لزميله قائد الأركان هواري بومدين في 1962، عندما كانت المجموعة تبحث عن وجه تاريخي، تضعه على واجهة حكمها الجديد بعد الاستقلال.
عرض بوتفليقة، رفضه بوضياف وآيت أحمد، في حين قبل به بن بلة الذي يكون بوتفليقة قد «لمعه» في عيون مجموعة وجدة لاعتبارات جهوية كذلك، زيادة على الخصال التي يتمتع بها بن بلة، وتجعله قابلا للقيام بمهمة «الواجهة الشرعية» التي تبحث عنها المجموعة الحاكمة، الفاقدة للشرعية تلك الفترة. علاقة بوتفليقة لا تتوقف عند هذه المحطة التاريخية، عندما كان رسول مجموعة وجدة الى المساجين الخمسة (بوضياف /ايت احمد/ بيطاط /خيضر)، قبيل الاستقلال مباشرة، لجس نبضهم من حكم ما بعد الاستقلال الذي كانت المجموعة تريد السيطرة عليه.
سنجد بوتفليقة مرة أخرى عندما اندلع الصراع بين الرئيس بن بلة ووزير دفاعه العقيد هواري بومدين. فقد أصر بن بلة على إقالة بوتفليقة من منصبه وزيرا للخارجية وهو ما يكون قد سرّع في توقيت الانقلاب، الذي قررت مجموعة وجدة القيام به وحسم أمرها ضد هذا الرئيس، الذي تغول سياسيا، بالسيطرة على مراكز القرار السياسي المختلفة خلال هذه الفترة القصيرة من حكمه (1962/1965) سجن فيها، نفى وأبعد أكثر من وجه تاريخي، من رفاق الأمس.
هذه العلاقة مع بن بله في وصوله إلى الحكم في 1962 ومغادرته له في 1965 للبقاء في السجن مدة طويلة (1965/1980) لاحقا هي التي قد تفسر لنا تلك العلاقة الجد خاصة التي ربطها بوتفليقة معه بعد وصوله إلى الحكم في 1999. وكأن الرجل أراد التكفير عن ذنوبه، بما يكون قد تسبب له فيه من سجن ومغادرة للسلطة.
الجانب النفسي لهذه العلاقة بين الرجلين، التي تفسر بكل تأكيد إلغاء 19 يونيو كعيد وطني من قبل الرئيس بوتفليقة في 2005. بعد أن هدأت النفوس وغيب الموت بومدين، ولم يعد يمثل بن بلة أي خطر سياسي على النظام، بعد فشله في العودة الى الجزائر كزعيم سياسي، عند خروجه من السجن في عهد الرئيس بن جديد (1980). استمر النقاش في الجزائر حول ما حدث في ليلة 19 يونيو 1965 لغاية اليوم، هل هو انقلاب عسكري أم تصحيح ثوري؟ كما يصفه البعض، بعد ان اكتفى منفذو الانقلاب بإبعاد بن بلة، بدون تغيير في النظام، أو في رجاله الذين استمروا في الغالب في مواقعهم. نقاش لم يتطور لمعرفة لماذا حصل هذا التغيير من خارج المؤسسات السياسية على كثرتها (مجلس تشريعي/ حكومة/حزب حاكم)، أقل من ثلاث سنوات بعد ثورة شعبية كبيرة. ولماذا يسيطر فرد بهذا الشكل على مؤسسات اتخاذ القرار، كما حصل مع بن بلة (أكثر من عشرة مواقع مهمة داخل الرئاسة والحزب والحكومة) لم تنفعه عمليا عندما تمت تنحيته بسهولة كبيرة من قبل رفاق الأمس الذين كانوا قد فرضوه على الجميع. مشهد سياسي يشبه إلى حد كبير المشهد الحالي في الجزائر، وهي على أبواب انتخابات رئاسية مهمة (أبريل 2019). بعد فترة حكم الرئيس بوتفليقة الطويلة، التي سيطر فيها كشخص ومركز قرار على مقاليد الأمور، لدرجة غياب أي دور للمؤسسات الكثيرة التي يفترض ان تتم داخلها مناقشة مسألة التغيير السياسي بمناسبة هذه الانتخابات. نقاشات اخذت في بعض الأحيان منحى المطالبة بتغيير الرئيس فقط، كما حصل مع بن بلة، نظرا لسيطرة شخص الرئيس على المشهد السياسي، وكأن كل مشاكل الجزائر أو جلها مرتبط بذهاب الرئيس بوتفليقة وتغييره برئيس آخر. موقف تدفع في اتجاهه قوى سياسية كثيرة لا يهمها تغيير النظام. وجهة نظر تزيدها حضورا الحالة الصحية المتدهورة للرئيس، التي تبرر هذا التركيز على الشخص وليس المؤسسات.
إذا كان من السهل نسبيا تغيير الرئيس بمناسبة هذه الانتخابات، فإن الطبقة السياسية الجزائرية ليست على قلب رجل واحد عندما يتعلق الأمر بتغيير النظام السياسي ومؤسساته، رغم اتفاق الكثير على أنها أصبحت خطرا فعليا، بالشكل التي تعمل به منذ سنوات، استفحل أكثر في عهد الرئيس بوتفليقة الذي أضعف المؤسسات ولم يحاول تحسين أدائها، كما كان مأمولا منه عند وصوله للحكم في 1999.
تغيير المؤسسات الذي يتطلب توافقا بين النخب الفاعلة، غير متوفر لحد الآن، بل لم يناقش أصلا كموضوع بشكل جدي وعميق، إذا استثنينا مبادرة تنسيقية الانتقال الديمقراطي المحتشمة، التي دعت إليها أحزاب سياسية معارضة وشخصيات لأول مرة في الجزائر (2014)، أو بعض المبادرات الحزبية التي بقت في مرحلة الاقتراح، كما كان الحال مع مبادرة جبهة القوى الاشتراكية للإجماع الوطني.
فشل في التوافق حول التغيير المؤسسي يعود في جزء كبير منه إلى غياب دور المؤسسات السياسية بالذات، كما كان الحال في 1965، بل أكثر ربما، فقد تمكنت الجزائر شكليا من بناء مؤسسات سياسية عديدة بعد الاستقلال، من صفاتها الأساسية أنها لا تصمد امام أي خلاف سياسي جدي بين الأفراد والشلل السياسية. فلا مؤسسات الحزب الأحادي تحولت فعلا إلى مركز قرار سياسي، ولا البرلمان ولا حتى الحكومة كهيئة تنفيذية بصلاحياتها القانونية الواسعة شكليا.
يخبرنا التاريخ السياسي للجزائر أن قرارات الحسم السياسي المرتبطة بالتغيير النوعي تتم من خارج هذه المؤسسات، من قبل مجموعات صغيرة من الوجوه التي لا تملك في الغالب أي صفة قانونية، بل ليست معروفة أصلا من قبل المواطن، رغم اتخاذها لقرارات مصيرية أثرت بشكل عميق على تاريخ البلد السياسي، كما كان الحال مع قيادات من الجيش (المخابرات) لفترة طويلة بعد الاستقلال، بدون أن يعرف الجزائري بالضبط أسماء ومواقع هذه القيادات العسكرية التي تضم إليها في بعض الأحيان «وجوها سياسية»، تقرر مصيره في غيابه. ضبابية تعمقت أكثر بعد ما شاع في المدة الأخيرة، عن تدخل رجال الأعمال وأفراد من عائلة الرئيس كلاعبين سياسيين جدد، زادوا أكثر في اضعاف دور المؤسسات وفي غموض عملية اتخاذ القرار السياسي، وصعّبوا بالتالي من عملية إصلاح هذا النظام الذي فقد هويته السياسية وتحول إلى خطر على الدولة والأمة.

كاتب جزائري

هل سيكون انقلاب 19 يونيو 65 الأخير في الجزائر؟

ناصر جابي

- -

1 COMMENT

  1. #السيد المحترم..عندما تقول اناس خارج النظام و لا يعرفها اي احد…. هؤلاء هم المخابرات و العسكر .و انظم اليهم في عهد ا بو برويطة… بعض اللاثرياء الجدد الذين كونو ثروة في عهده… و لا حول و لا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left