عملية «شفط» مصر

عبد الحليم قنديل

Jun 25, 2018

قبل سنة وأكثر، أمر الرئيس عبدالفتاح السيسي بشن حملة شاملة لاسترداد أراضي الدولة المنهوبة، وبدت الدولة المصرية كلها في حالة طوارئ قصوى، وجرى حصر شامل في أسبوعين، لما أمكن الوصول إليه من الأراضي المعنية، وكانت الحصيلة مذهلة، ثم كانت الخطوة التالية التي تتعثر إلى الآن، وهي تحصيل القيمة المالية للأراضي المسروقة، التي تقدر بمئات المليارات من الجنيهات، والتي تبدو كافية لسداد ديون مصر.
وللتذكير فقط، كانت الأرقام المعلنة في مؤتمر رسمي بحضور الرئيس على النحو التالي، فقد بلغت مساحات الأراضي الزراعية المنهوبة المحصورة مليونا و931 ألف فدان، وبلغت مساحات أراضي البناء المنهوبة المحصورة نحو 165 مليون متر مربع، ولك أن تتخيل حجم القيمة السوقية للأراضي المعنية، وهي جانب محدود من ميراث مملكة النهب في مصر.
ولن نذهب بعيدا بجموح الخيال المالي، ففي ضوء تصريحات رسمية، صدرت عن الرئيس السيسي نفسه، جرى تقدير قيمة أراضي العاصمة الإدارية الجديدة وحدها، وتبلغ مساحتها الكلية نحو 175 ألف فدان، قدر الرئيس قيمتها بنحو 750 مليار جنيه في أدنى حد، وهو ما يعنى ببساطة، وبالقياس العام، أن قيمة الجزء المحصور من الأراضي المنهوبة، وبحسب الأرقام المعلنة السابق ذكرها، قد يصل إلى تريليونات الجنيهات بأسعار اليوم، لم نسمع أن شيئا يذكر منها جرى تحصيله، بل دخلنا في دوامة ومتاهة تصريحات تظهر وتختفي، وكلام معاد مزاد منقح عن ضرورات التقنين والتوفيق، وإعطاء المهلة تلو المهلة، في تسويف متكرر، تواصل لسنوات.
كان الأمر في البداية بيد وزارة الزراعة، التي جرى سجن وزيرها الأسبق بتهم فساد ورشوة، وقد أعطى الوزير ـ إياه ـ مهلا وفرصا زمنية لخمس مرات متتالية، لم تسفر عن استعادة قرش من حق الدولة والشعب، ثم جرى الانتقال إلى إنشاء اللجنة العليا لاسترداد أراضي الدولة، وعهدت رئاستها إلى المهندس إبراهيم محلب مساعد رئيس الجمهورية، وأقيمت مزادات متفرقة لمساحات أراض جرى استردادها، ولم تتجاوز الحصيلة بضعة مئات من ملايين الجنيهات، ثم دخل الرئيس بنفسه على الخط، وجرت حملة الاسترداد، وتوالت الأسابيع والشهور، بدون أن يجري تحصيل حق الدولة إلى الآن، وبدون أن تتوقف الشكاوى الرسمية في الوقت نفسه من عجز الموازنة، واضطرار الحكومة إلى تنفيذ روشتة متفق عليها مع صندوق النقد الدولي، واتخاذ قرارات تقشف وإلغاء لدعم الطاقة، تنزل كالمطارق على رؤوس أغلبية المصريين، وتجعل حياتهم جحيما، بينما يتم تدليل كبار الناهبين لأراضي الدولة، وفي حوزتهم ما يزيد على موازنة الدولة كلها، ويجري منحهم فرصا ومهلا إضافية، أحدثها مهلة طلبات التقنين، التي قيل إنها الفرصة الأخيرة، وتقدم لها عشرات الآلاف من صغار ومتوسطي الناهبين، بلغ عددهم كما قيل 120 ألفا، لم يسدد رسوم الطلبات بينهم سوى 77 ألفا، بينما فعلها الآخرون على نحو صوري تماما، ولمجرد ذر الرماد في العيون، وأملا في كسب مزيد من الوقت لتكريس الأمر الواقع، وتضييع حق الدولة في دهاليز لجان التقدير والتثمين، التي قيل إن خلافاتها ستحال إلى المحافظين وطواقم المحليات، ما يعني أن المتاهة ستكون بلا آخر منظور، فليس أعظم فسادا في مصر من إدارات المحليات، والفساد فيها من «الساس للراس» .
ومغزى القصة ظاهر بوضوح ناطق، هو أن الفساد في مصر ليس ملمحا جانبيا، ولا مجرد انحراف شخصي، ولا محض انهيار أخلاقي، أو حالات شواذ لإساءة استعمال السلطة العامة، بل الفساد كامن ومسيطر في صلب الجهاز الإداري للدولة، وسوس ينخر في بدنها، يفقدها أي معنى للثقة أو القبول، ويهيمن على قراراتها البيروقراطية، وقد تكونت حالة هيمنة الفساد عبر عقود، تحولت في أحدث صورها إلى تحالف مرئي بين البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات النهب العام، وقصة الأراضي المنهوبة مجرد زاوية من الصورة، يتبين فيها حجم وأثر التحالف مع أمراء المال الحرام، وتتولى فيه البيروقراطية الفاسدة، عملية إعاقة تنفيذ أي قرارات تهدد مصالحها ومصالح الحلفاء، حتى لو كانت صدرت عن الرئيس نفسه، والوسائل تعرفها جيدا سلطة البيروقراطية المصرية، وهي ألعن بيروقراطيات الدنيا، فبوسعها في كل وقت، أن تجاري التصريحات المعلنة عن مطاردة الفساد، وقد عاد الرئيس للإلحاح عليها في آخر إفطار رمضاني رسمي، وطلب من الشعب نفسه أن يعاون في الحرب ضد الفساد، وبدون أن يحدد وسائل الحرب، اللهم إلا إذا كان هناك تصور بكفاية عمل الجهات الرقابية، وتعويل وحيد على مطاردات وعمليات جهاز الرقابة الإدارية، وهو جهاز عظيم النشاط، فلا يكاد يمر يوم واحد، إلا وتعلن فيه الرقابة الإدارية عن ضبط قضية فساد أشنع من سابقاتها، وفي كل مجالات عمل أجهزة الدولة، وفي كافة القطاعات الرسمية وشبه الرسمية، من وزارة التموين إلى النشاط الكروي، ومن دواوين القضاء إلى إدارات المحليات والزراعة، وفي تشكيلات الوزارات والهيئات العامة والخاصة، وفي المراتب العليا والوسطى من المسؤولين، ولا شك في استحقاق جهود ضباط الرقابة الإدارية للتحية والإشادة، لكن تلك الجهود على أهميتها، لا تكفي لكنس الفساد في مصر، وقصارى ما يمكن أن تؤدي إليه، أنها تكشف حجم واتساع الفساد بالطول وبالعرض، وتنبه المعنيين إلى خطر توحش امبراطورية الفساد، وهو خطر أكبر بمراحل من خطر جماعات الإرهاب، ولن ينتهي أبدا بعمليات ضبط متفرقة لمسؤولين فاسدين في الوزارات والمحافظات والشركات، ولا بالوعظ والإرشاد طبعا، ولا بتقديم أكباش فداء لامتصاص غضب الناس، بل بخطة عمل متكاملة، تحتاج إلى إرادة وقرار سياسي نهائي، يدرك أنه لا أمل يرتجى مع بقاء الفساد بصورته المتضخمة في مصر، ولا قيمة مع الفساد لأي كلام عن إصلاح إداري أو إصلاح اقتصادي، ولا لتطوير التعليم أو ترقية أحوال الصحة، فالفساد يستنزف حصيلة الجهد الوطني العام، ويهرب مئات مليارات الدولارات إلى خارج مصر، ويسرق أصول الدولة حتى آثارها، وقد صار الفاسدون طبقة متحكمة في المصائر، وأغلب الثروات المليارية والتريليونية الطافية على السطح المصري، لم يجر تحصيلها ولا الوصول إليها بوسائل قانونية مشروعة، بل عبر اختراق القانون وتوظيفه، واستصدار تشريعات تحمي الفساد نفسه، وتطيل عمره، وتضمن أمانه، وتفتح له المخارج والمهارب.
وعلى نحو ما جرى من إقرار المصالحات في قضايا الكسب غير المشروع، وتحصيل مبالغ رمزية مقابل إطلاق حرية الفاسدين في العمل، وبدعوى تشجيع الاستثمار والمستثمرين، وهو ما يفسر المصير البائس الذي آلت إليه قضايا وتحقيقات ومحاكمات مليارديرات النهب العام، فلسنا بصدد قضايا فساد عابرة، بل بصدد «شفط» منظم لثروة المصريين، وفي حماية القانون المشوه في كثير من الحالات، وعلى نحو ما جرى في تشريعات «الخصخصة»، التي بيعت فيها مصانع البلد وقلاعها الإنتاجية بتراب الفلوس، وجرى تحطيمها، و»تسقيع» الأراضي بعد غلق المصانع وتشريد العمال، وإضافتها لحساب تشريعات وقرارات «تخصيص» أراضي الدولة لمليارديرات الباب العالي، ثم حين صدرت أحكام قضائية نهائية باتة بإعادة المصانع المباعة بالتدليس للدولة، عجزت الدولة عن إعادة افتتاحها وتشغيلها إلى الآن، بل يجري الحديث من جديد، عن استئناف «الخصخصة» على نحو مختلف، وتخريب وتفليس ما تبقى من مصانع قطاع الأعمال العام، وطرح الشركات الناجحة الرابحة للتداول في البورصة، وفي أولها شركات البترول ومحطات الكهرباء وبعض البنوك العامة، وعلى سبيل التنفيذ الحرفي لروشتات صندوق النقد الدولي القديمة الجديدة، التي انهكت سواد المصريين، وتكاد تعجزهم عن مواصلة بطولة البقاء على قيد الحياة، وتحرقهم في أفران الغلاء غير المتناسب مع الأجور الهزيلة إن وجدت، وبهدف توفير 50 مليار جنيه لموازنة الدولة، كما تقول التصريحات الرسمية، بينما يبلغ حجم تهرب الكبار من دفع الضرائب 400 مليار جنيه سنويا طبقا لأرقام رسمية، أي أنهم يتركون للكبار ثمانية أمثال ما يقتطعونه من قوت الفقراء والطبقات الوسطى، وهؤلاء الأخيرون يصل عددهم لنحو التسعين مليونا من جملة المئة مليون مصري.
والخلاصة لا تخفى، فالحرب على الفساد ليست قرارا بيروقراطيا، ولا مطاردات موسمية، بل قرار سياسي، يلزمه انحياز اجتماعي للتسعين مليون مصري، من الفقراء المطحونين والطبقات التي كانت وسطى، وتلزمه إشاعة وإطلاق الحريات العامة، وأولها حرية التعبير والكشف عن الحقائق، واستدعاء استنفار شعبي يشبه التعبئة العامة في الحرب ضد الإرهاب، وإلغاء التشريعات المحابية للفساد وأصحاب الثروات المنهوبة، والتطهير الشامل لجهاز الدولة، وصياغة قوانين عادلة، تحل عقوبة الإعدام في قضايا الفساد، بدلا من المصالحات العبثية، وتقر نظام الضرائب التصاعدية، وتسترد كل جنيه ضائع في تعاقدات الدولة و»الخصخصة» والتهرب من الضرائب والجمارك والأراضي المنهوبة، وغيرها مما لا يحصى، بما يزيد موارد الدولة إلى خمسة أمثالها على الأقل، ويعيد توزيع الثروات والخدمات، في بلد يعيش غالب سكانه تحت سقف القاع.

كاتب مصري

عملية «شفط» مصر

عبد الحليم قنديل

- -

8 تعليقات

  1. عندما يفشل رئيس الدولة في محاربة الفساد عليه أن يستقيل أو يقال. خصوصا عندما يكمل ولايته كاملة. هذا ما حدث في اسبانيا قبل نحو شهر. و اللبيب بالإشارة يفهم.

  2. أساس الفساد بالعسكر الإنقلابي منذ سنة 1952 ! ميزانية عسكر مصر أكبر من ميزانية مصر نفسها !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. من الذى أجرى المصالحات العبثية ؟! ، من الذى حقق شعار البراءة للجميع الذى طال كل رموز الفساد في العصر البائد ؟! أنه نفسه من فرط في أرض مصر ، وتخلى عن حقول غاز شرق البحر المتوسط لإسرائيل وقبرص واليونان ، وهو نفسه من فرط في الحقوق التاريخية لمياه نهر النيل ليتواعدنا بالقحط والقفر كما عيشنا في الغلاء والبلاء …أنه ذاته بلحة أيقونة الفساد

  4. خلى بالك فيه ناس غلاية قاعدين في مساحة قيراط واحد ارياف كمان وخايفيين من الظلم
    لا يجب ابدا معاملتهم مثل مافيا الأراضي أصحاب الألف فدان
    الغلابة يجب أن يعفو من هذا الابتزاز

  5. سمير الإسكندرانى / الأراضى المصرية المحتلة ! ... لابد لليل ان ينجلى

    بالرغم من ان الفساد موجود فى مصر منذ العصر الفرعونى ! إلا ان الفساد بصورتة الحالية اسست له عصابة البكباشى والتسعتاشر حرامى ( الضباط الاشرار ) ومازال يعمل بكل همة كما اراد له بكباشى الهم والغم !
    اظن عرفنا دلوقتى مين اللى شفّط مصر.

  6. يا أستاذ قنديل لقد أسهبت وأوفيت الشرح في حجم الفساد وكارثته. كان الله في عون الشعب المصري الشقيق ،. لكن يا أستاذ قنديل. الحلول هي من يعلق الجرس برقبة القط ؟؟؟. كان الله في عونكم. ،،،،،،

  7. لا يمكن للفاسد ان يحارب الفساد هو يغطي على الفاسدين لانه يستمد قوته وبقاءه منهم

  8. فعلا يا سيد قنديل الله يعين سيادة الرئيس المفدي والقائد الملهم والجنرال صاحب الصورايخ البلاستيكية علي الهم الكبير الذي يحمله, فهوا مطر ان يحكم شعب فقير وبلد ينقصها كل شيء!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left