البرلمانية الفرنسية صونيا كريمي: أوروبا تعيش أزمة هوية خطيرة مع تصاعد اليمين المتطرف

حاورها: آدم جابر 

Jul 07, 2018

قبل ثلاثة عشر عاما حطت سفينة الطموح بالشابة صونيا كريمي على شواطئ بعض أحلامها بين المدرجات الجامعية الفرنسية قادمة من بلدها الأم تونس. لكن سفن أحلام الشابة ذات الأعوام الـ 36 ظلت تمخر في بحور طموحها غير مكتفية فقط بالحصول على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، فقادها تطلعها أن تصبح فاعلة قوية في مجتمعها الجديد إلى اقتحام عالم السياسة بجرأة وإصرار شابة واثقة من قدراتها ومؤهلاتها، لتصبح اليوم عضوا في البرلمان الفرنسي عن «الجمهورية إلى الأمام» حركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. تعاند صونيا كريمي (36 عاما) الفكر اليميني المتطرف، وترفض إقصاء الآخر، ولها في خصوص الهجرة والمهاجرين معركة سياسية شرسة، حيث سطع نجمها بسرعة البرق مع بدء مناقشات مشروع قانون الرئيس ماكرون حول الهجرة واللجوء المثير للجدل، بعد أن برزت كقائدة للجناح المتمرد على هذا القانون داخل الأغلبية الرئاسية. بالإضافة إلى ذلك تعدُ صونيا عضوا نشطا في لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي. ورغم برنامج عملها المشحون إلا أنها لا تنسى جذورها بل تطالع في الثقافة العربية كلما أسعفها الوقت. 
«القدس العربي» زارت النائبة في مكتبها في البرلمان الفرنسي وأجرت معها الحوار التالي:  
○ لنبدأ بموضوع الهجرة الذي جعل منك محل اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية والأجنبية. تشهد أوروبا جدلا كبيرا وانقسامات حول موضوع المهاجرين، خاصة في أعقاب أزمة سفينة «أكواريس» وإن تم اتفاق، على بناء مراكز استقبال المهاجرين في بلدان الاتحاد الأوروبي في انتظار البت في وضعياتهم، أين يكمن المشكل وهل هذه الخطوة كافية لحله؟ 
• أريد أن أقول أولاً إنني أجد نفسي معنية بموضوع الهجرة والمهاجرين أكثر من أي شخص آخر، لكوني مهاجرة تونسية «اقتصادية». واليوم وبعد ثلاث عشرة سنة على قدومي إلى فرنسا التي حصلت على جنسيتها قبل ست سنوات، اعتبر أن موضوع الهجرة يمسني أكثر لأنني مررت بكل المراحل وإن كانت هجرتي شرعية وليست عبر ما يعرف بقوارب الموت، لكنني استطعت أن أرى معاناة المهاجرين بشتى أنواعها. أما عن الذي يحصل اليوم في أوروبا بشأن موضوع المهاجرين غير النظاميين، وذلك رغم أن أعدادهم تراجعت هذا العام بنسبة نحو خمسين في المئة تقريبا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فالواضح أن أوروبا اليوم تعيش «أزمة هوية كبيرة جدا وخطيرة» خاصة مع تصاعد اليمين المتطرف.  
اعتقد في هذه اللحظات التي نشهد فيها اضطرابات وفوضى في جميع أنحاء أوروبا، يجب أن تتحلى فرنسا بالمسؤولية الأخلاقية. يجب ان لا نسقط في فخ تبني خطاب اليمين المتطرف الذي يضع مهربي المهاجرين والجمعيات الخيرية التي تنقذهم في الخانة نفسها، باعتبار أن هذه الجمعيات متواطئة مع المهربين. والمؤكد أن الأمر لم ولن ينتهي مع سفينتي «أكواريس» و»لايف لاين» وغيرهما، بل ستكون هناك سفن أخرى ما لم تحل المشاكل في البلدان التي ينطلق منها هؤلاء المهاجرون. وعن إقامة مراكز استقبال المهاجرين فوق التراب الأوروبي، كان من الطبيعي أن يتم لأنه لم يعد من المقبول ولا من الأخلاقي ترك إيطاليا واليونان وإسبانيا تتحمل عبء استقبال المهاجرين لوحدها ونتهرب من مسؤولياتنا. لكن أشدد هنا على أنه يجبُ أولا أن تعالج كل دولة مشكلة الهجرة واللجوء على صعيدها الوطني، لأن نظام استقبال المهاجرين واللاجئين يختلف من بلد أوروبي لآخر. 
○ بما أنك تحدثت عن حل المشكلة على صعيد كل دولة، فهذا يقودني إلى سؤالك عن فرنسا. الرئيس ماكرون أتى بقانون جديد للهجرة واللجوء تقول الحكومة إنه يجمع بين «الفعالية والإنسانية» لكنك كنت من أشد المعارضين لبعض الإجراءات التي نص عليها هذا القانون، وبرز اسمك على رأس مجموعة نواب حركة الجمهورية إلى الأمام الذين تمردوا على الأغلبية وصوتوا ضد بعض مواد هذه القانون. اليوم وبعد أن صوت البرلمان لصالح هذا القانون، هل استسلمت صونيا كريمي للأمر الواقع؟
• المعركة مستمرة ولن تنتهي بالمصادقة على هذا القانون، فنحن مثلا بدأنا اجتماعات لتكوين كتلة برلمانية تعمل على موضوع القاصرين الذين يتم وضعهم في مراكز احتجاز خاصة، وذلك بالعمل مع المنظمات والجمعيات غير الحكومية المهتمة بشأن المهاجرين، على أن نعدّ مقترحات بحلول نهاية السنة الجارية. فأنا أدافع عن قناعتي كشخص مستقل يحترم في الوقت نفسه أغلبيته البرلمانية. واعتبر أنّنا في حركة «الجمهورية إلى الأمام» في حاجة أيضا إلى أن تكون لدينا أصوات مختلفة أو متعددة أحيانا، تعكس صورة المجتمع الفرنسي. فيوميا تصلني رسائل الكترونية كثيرة من مناضلين في حركتنا يشاطرونني الرأي في بعض مواقفي. ولذلك اعتبر أن مكاني حاليا هو ضمن عائلتي السياسية. 
○ ننتقل إلى موضوع آخر، انت عضوة نشطة في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، وفي هذا الإطار تعدّين حالياً بالتشارك مع زميلتك فاليري بويه، النائبة البرلمانية عن حزب الجمهورين اليميني المعارض، تقريراً حول مكافحة تمويل الإرهاب الدولي. إلى ماذا توصلتم حتى الآن؟ 
• نعم، نحن في صدد العمل على الموضوع، والذي يهمّنا كأعضاء في لجنة الشؤون الخارجية هو الأموال الآتية من الخارج. المشكل اليوم يكمن في أن أموال تمويل الإرهاب والدعارة والمخدرات إلخ، أصبحت تتداخل مع بعضها البعض ومرتبطة كلها بالملاذات الضريبية. فالتقارير الصادرة عن الجهات الفرنسية التي تعمل على موضوع التمويلات غير الشرعية الآتية من الخارج إلى فرنسا، تؤكد أن المشكل يكمن في الملاذات الضريبية. أريد أيضا أن أتوقف عند موضوع الاتهامات التي تطال بعض الشركات الغربية بالتعامل مع الجماعات الإرهابية كتنظيم «الدولة» الإسلامية، فهذه الشركات إن ثبت فعلا تورطها وأدانها القضاء، كما هو الحال مع شركة لافارج الفرنسية للأسمنت التي اتهمها القضاء الفرنسي رسميا بـ»تمويل الإرهاب والتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية» في سوريا، فإن ذلك يعد أمراً خطيراً. ومؤتمر باريس الدولي لمحاربة تمويل الإرهاب، الذي عقد في نهاية نيسان/إبريل بمشاركة أكثر من 70 دولة و20 منظمة دولية وإقليمية ووكالات متخصصة في مكافحة الإرهاب، كان خطوة مهمة من الحكومة الفرنسية. 
○ دائما، في إطار نشاطك ضمن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، فإنك نائبة رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية-السعودية والفرنسية-التونسية وأيضا عضو في مجموعة الصداقة الفرنسية-المصرية. يعني أنكم تمثلون الدبلوماسية البرلمانية الفرنسية إذا صح القول. في مصر مثلا هل تثيرون موضوع حقوق الإنسان والقمع الحاصل في هذا البلد مع نظرائكم المصريين؟ 
• السياسة التي ينتهجها النظام المصري الحالي خاطئة تماما وخطيرة، ونحن نقول ذلك لنظرائنا في البرلمان المصري كلما تتاح لنا الفرصة. المشكل لدى الأنظمة الديكتاتورية بشكل عام هو كونها تعتبر أن كل رأي مخالف أو صوت معارض يمثل خطراً ويجب إسكاته بأي طريقة، وهذا أمرٌ خطيرٌ جدا. أنا مثلا كنت من عشاق باسم يوسف ومن المتابعين الكبار لبرنامجه، الذي أحزنني كثيراً إيقافه. للأسف غياب الديمقراطية وحرية التعبير هي نقطة سوداء في معظم الدول العربية ومنها مصر حاليا. ومن المشاكل التي تعاني منها مصر أيضا الأمية التي تمس أعدادا كبيرة من المواطنين. كيف يمكن أن تفهم تصويت المصريين على مرسي بعد الثورة ثم بعد ذلك بسنة التصويت على عبد الفتاح السيسي!؟
○ المملكة العربية السعودية تنقد هي الأخرى كثيراً حول موضوع حقوق الإنسان. وهناك زيارة غامضة قام بها مؤخرا برلمانيون فرنسيون إلى السعودية واليمن. هذه الزيارة أكدت مجلة «لوبوان» أنها بتمويل من ولي العهد محمد بن سلمان. لماذا لم تتواجدي ضمن هذا الوفد، مع العلم أنك تتولين منصب نائبة رئيسة لجنة الصداقة الفرنسية-السعودية؟ سؤال ثان: كيف تلقيتم خبر منح المرأة السعودية أخيراً حق سياقة السيارة؟
• أنا أرفض كلّ الرحلات أو الزيارات غير الممولة من مجلس النواب الفرنسي هذا باختصار ما يمكنني أن أقول لكم. أما عن تفاصيل هذه الزيارة إلى السعودية واليمن وأهدافها فلا أعرفها. وفي الحديث عن اليمن أذكركم هنا بأنني طالبت في شهر نيسان/إبريل الماضي مع زميلي في حركة «الجمهورية إلى الأمام» سيباستيان نادو بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في موضوع بيع السلاح إلى السعودية، في ظل حديث منظمات حقوقية عن جرائم حرب ترتكب في اليمن من التحالف الذي تقوده السعودية. وقدمنا هذا الطلب بالتزامن مع زيارة محمد بن سلمان إلى باريس. 
وبخصوص منح المرأة السعودية أخيراً حق سياقة السيارة، هي خطوة جيدة وتم التسويق لها إعلاميا بشكل جيد، ولكنها تبقى ضمن الشكليات. فالأهم منها أن ترفع السلطات السعودية وصاية الرجل على المرأة التي لا تزال كالسجينة حتى الآن. وتكون حرية الرأي والتعبير متاحة في البلاد، بحيث لا يتم سجن أو تكميم كل صوت معارض. فعلى الأمير الشاب محمد بن سلمان الذي يرفع شعار الانفتاح والإصلاح أن يتجاوز الشكليات والدعاية الخارجية ويعطي السعوديات حقوقهن كاملة. 
○ بلدك الأم تونس، كيف تقيمين علاقات باريس به في عهد ماكرون؟ 
• خلال الزيارة التي قام بها الرئيس ماكرون مؤخرا إلى تونس والتي كنتُ ضمن الوفد المرافق له فيها، ركز الرئيس على الجانب الثقافي والتعليمي، ففرنسا تولي اهتماما كبيراً للأدمغة التونسية. كما أنّ باريس كان لها دور كبير في شطب الاتحاد الأوروبي لتونس من قائمته السوداء للملاذات الضريبية، وهناك اتفاقيات وتعاون في مجالات شتى بين حكومتي بلدينا. 
○ لفت انتباهي وجود بعض الكتب العربية في مكتبك، كرواية شيكاغو للكاتب المصري علاء الأسواني التي مثلت نمطا سياسيا عاشته مصر في سياق رحلة الدراسة ما وراء البحار.
• نعم ما زالت مرتبطة بالعالم العربي خاصة عبر الثقافة والفنون، فهما أوكسجين أي مجتمع وعالمنا العربي ثري جداً في هذا المجال. أقرأ لكتاب وأدباء عرب وأسمع أم كلثوم وفريد الأطرش وأعشق فاتن حمامة وفؤاد المهندس. أما فنانو اليوم فأكثر ما أعرف عنهم فضائحهم، طبعا هناك استثناءات. لكن بشكل عام فإن جيل اليوم حتى في تونس التي تعد متقدمة في التعليم مقارنة بغالبية الدول العربية، لا يقرأ ولديه فراغ ثقافي كبير، ناتج قبل كل شيء عن انهيار المنظومات التعليمية. أنا شخصيا على الرغم من ضيق الوقت بحكم العمل المتواصل أحاول ان لا أنقطع أبدا عن القراءة وأعود دائما إلى جذوري العربية عبر بوابة الثقافة والأدب والفن كلما أسعفني الوقت.

11HAW

البرلمانية الفرنسية صونيا كريمي: أوروبا تعيش أزمة هوية خطيرة مع تصاعد اليمين المتطرف

حاورها: آدم جابر 

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left