مصر وحماس ودومينو كرم أبو سالم

هكذا برز فجأة احتمال تحقيق الحلم الإسرائيلي القديم بنقل المسؤولية عن قطاع غزة إلى القاهرة

اليكس فيشمان

Jul 12, 2018

بعد يوم من بيان وزير الدفاع ورئيس الوزراء عن إغلاق معبر كرم أبو سالم، واصلت الوفود التدفق إلى القطاع عبر المعبر، إلى جانب (200) شاحنة أدخلت منه بضائع حيوية وعتادًا طبيًا، هكذا الحال إذن، فالتصريحات القاطعة في جهة وأما الواقع ففي جهة أخرى، وخير أن هكذا. فإعلان ليبرمان ونتنياهو كان على أي حال موجهًا إلى العقلية الإسرائيلية المريضة وليس إلى المعدة الغزية. هكذا أيضًا يضخمون عندنا الحرائق في غلاف غزة إلى حجوم القصف الشامل على لندن، فيما يشبه تخويف الجمهور حول تهديد الأنفاق. أما الحقيقة فإنه لم يكن، في أي مرة، نفق تحت بلدة، تمامًا مثلما تسبب الحرائق بالأساس ضررًا اقتصاديًا محدودًا، تضخمه محافل ذات مصالح إلى حجوم المصيبة الوطنية. دولة في حالة تخويف دائم تخدم على ما يبدو مصلحة أحد ما، فليس لدولة إسرائيل أي سياسة واضحة تجاه مسألة غزة، إنما لديها سياسة رد فعل. إن تشديد الإغلاق يفترض أن يكون الرد على استمرار الحرائق، ولكن دون قصد ثمة إمكانية بأن يكون هذا القرار، الذي خرج من البطن لأغراض داخلية، كأحد القرارات الأكثر أهمية التي اتخذتها الحكومة في إطار العلاقات مع الفلسطينيين.
في الأيام التي ترددت فيها الحكومة في مسألة الحرائق هذا الأسبوع، حل وفد من غزة برئاسة وزير المالية في حكومة حماس، يوسف الكيالي، ضيفًا إلى القاهرة، ويدير المصريون في الغالب الاتصالات مع القيادة السياسية لحماس وليس مع البيروقراطية، ولهذا فإن دعوة موظف مثل الكيالي هي استثناء يمكن أن يشير إلى تطبيع ما في منظومة العلاقات الاقتصادية التي تحاول مصر العمل عليها مباشرة مع حكومة حماس، في ظل تجاوز السلطة الفلسطينية. والمصريون لا يفعلون هذا تطوعًا؛ فمن خلف الزيارة تختبئ الإدارة الأمريكية، أو للدقة، المبعوث الخاص لترامب إلى المنطقة، جيسون غرينبلت.
لقد جلب غرينبلت معه من رحلته إلى دول الخليج تعهدًا ماليا لإعادة تأهيل القطاع، ونجح في إقناع مصر بالتعاون في هذه المسألة. وبالفعل، فإن المصريين، بخلاف موقفهم التقليدي، فتحوا معبر رفح لعبور البضائع والأشخاص، فمنذ بداية رمضان مرت فيه أكثر من (2.000) شاحنة مصرية، ولإسرائيل فكرة هزيلة عن تلك الوسائل القتالية التي أدخلت بواسطتها. هكذا، فإن معبر رفح يزدهر رغم أنف السلطة الفلسطينية في رام الله. وإضافة إلى ذلك، وعدت مصر بأن أموال الدول العربية الغنية ستستثمر في إقامة مناطق صناعية مشتركة لغزة ولمصر في شمال سيناء، وكذلك في إقامة مخازن وقود للقطاع على الأراضي المصرية. المصريون من جهتهم تعهدوا بمضاعفة كمية الكهرباء إلى القطاع، ويتحدثون الآن عن فتح مطار وميناء في العريش لصالح غزة.
وهكذا برز فجأة احتمال تحقيق الحلم الإسرائيلي القديم: نقل المسؤولية عن قطاع غزة إلى أياد مصرية. فكلما قلت البضائع التي تمر من إسرائيل عبر كرم أبو سالم، سيشتد الضغط على مصر لإبقاء معبر رفح مفتوحًا. إضافة إلى ذلك، فإن الإغراء المالي الذي يعرضه الأمريكيون على المصريين لتنمية شمال سيناء يرفع الاحتمال في أن يأخذوا على أنفسهم، جزئيًا على الأقل، المسؤولية عن مصير القطاع. وكما في لعبة الدومينو، فإنه إذا ما سقط الحجر المصري نتيجة لإغلاق معبر كرم أبو سالم ونتيجة للإغراء المالي الأمريكي، يمكن كذلك أن يسقط حجر السلطة الفلسطينية، فالعلاقة المباشرة بين مصر وحماس تبث لأبو مازن أن روافع الضغط الاقتصادي التي يمارسها على حماس آخذة في الضعف. فضلاً عن ذلك، فإن سياسة العقوبات التي يتخذها ضد القطاع تقضم من مكانته في الضفة أيضًا. إن العلاقة المباشرة بين مصر وحماس تأتي، ضمن أمور أخرى؛ إلى إيقاظ أبو مازن وحمله على الحل الوسط مع حماس. تتحدث خطة المصالحة المصرية عن عودة السلطة الفلسطينية لإدارة شؤون قطاع غزة، وعلى الرغم من أن أبو مازن يرفض ذلك حاليًا، فإن الظروف المتغيرة يمكنها أن تقنعه بأن يلين.
إذن، ستنقل المسؤولية عن القطاع إلى مصر، وسينقل المصريون إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية، وهكذا تكون لديك خطة سياسية يوجد خلفها منطق وأمل ما للخروج من الورطة الغزية. صحيح أن أمل حصول كل هذا ليس عاليًا، ولكن على الأقل ثمة شرارة جهد فكري، أمريكي ـ مصري، وليس إسرائيليًا، لا سمح الله.

يديعوت 11/7/2018م

مصر وحماس ودومينو كرم أبو سالم
هكذا برز فجأة احتمال تحقيق الحلم الإسرائيلي القديم بنقل المسؤولية عن قطاع غزة إلى القاهرة
اليكس فيشمان
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left