«غرقى في سراب» لعباس السلامي: هاجس التفاصيل اليومية

أشرف قاسم

Jul 12, 2018

يعتمد الخطاب الشعري في قصيدة النثر على آليات عدة تشكل روح النصِّ وبُنيانه، من أهم هذه الآليات اختيار المفردة ذات الدلالة التي يضعها الشاعر في إطارها الفكري والجمالي ومدى قدرتها على إثارة الخيالووالربط بين معماريّ المبنى والمعنى في النصِّ الشعري .
في ديوانه الجديد « غرقى في سراب « الصادر مؤخرًا عن دار النخبة في القاهرة يواصل الشاعر العراقي عباس السلامي رفدَ نتاجه الشعري بِلَبنةٍ أخرى تشكل جزءً آخر في معمار تلك التجربة.
يعتمد السلامي في ديوانه الإيقاع الصوتي للمفردة وما يمثله تكرارُ تلك المفردة من دلالات مختلفة حسب سياقات الجملة الشعرية التي تحتويها، فالديوان كله مبنيٌّ على مفردة « القشَّة « التي استلَّها واستلهمها السلامي من المثل الشعبي « الغريق يتشبَّث بقشة «، فأعطى ديوانه عنوانًا دالًا أيضًا « غرقى في سراب «، وعلى الرغم من غرق هؤلاء في سراب / وهم / إلا أنهم يتشبَّثون بتلك القشَّة المُتَوَهَّمة أيضًا :
من على اليابسة ..
تحمل القشة المغفلين
لتفرغهم غرقى في عرض البحر
وتعود ثانية إلى اليابسة
هكذا
في مشهد يتكرر …
ولذا تختلف صياغة معنى المفردة عبْر مقاطع الديوان غير المعنونة وكأن الشاعر آثَر أن يجعله قصيدة واحدة طويلة تتألف من مقاطع لا يفصل بين كل مقطع وآخر سوى ثلاث نجمات (٭٭٭)، ويستمر السلامي في توظيف تلك المفردة مؤكدًا أهمية هذا التشكيل وما له من دلالة في نصِّه الشعري :
في اللُّجة هناك حشود من الغرقى
وقشَّة وحيدة يراودها الغرق
ينظر الشاعر إلى واقع الحال بكل خلفياته وتشابكاته ليؤسس فضاءً لفكرته عن الحرية، والنجاة من براثن العدمية والاستلاب والتشظِّي الذي يعانيه وطنه العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص، ولذا نرى نصه محملًا بهواجس التفاصيل اليومية التي علقت بذاكرته وهي المولدة لدلالة لفظة « القشة « التي لم يخل مقطع من مقاطع الديوان منها تقريبًا :
على وقْع تنهدات القشة التي تثير الحشود
سيرسم السماسرة على ضفة البحر
لوحة الغرق التي لا تكتمل !!!
ولذا يستعين السلامي على رصد هذه التفاصيل بلغة خاصة تترجم أفكاره وانفعالاته وما تمور به نفسه بعيدة عن القوالب الجاهزة والأشكال المستهلكة مع الاهتمام بصنع الدهشة التي تتولد من خلال المفارقة التي تمزج الخيال بالواقع في صور شعرية متتابعة تشبه « البازل « لتؤلف جميعًا في النهاية لحنًا واحدًا تميزه السرعة والإيحاء :
على متون السفن الفارهة المذهبة والآمنة
كالبراق
يعبرون
ويلقون بالمغفلين منا
في عرض اللُّجة
غرقى
تحت رحمة القشة
ينطلق السلامي في نصوصه من واقعه المحيط – كما أسلفنا – ومن خلال احتكاكه بهذا الواقع المضطرب تأثرًا وتأثيرًا يصوغ أفكار نصه بلغة تلغرافية بعيدًا عن نمطية القصيدة الكلاسيكية ذات النفَس الواحد المنتظم. وقد استطاع من خلال تلك اللغة التي تعتمد التكثيف والرمز والإزاحة أن يرسم تصورًا لهذا الواقع يستشفه المتلقي من خلال تأويل تلك الرموز من دون الوقوع في شراك القوالب الجاهزة والأكليشيهات المبتذلة :
حينما يلقون بكم في البحر
تذكروا
أن الكهنة سيذرفون عليكم
دموع السخرية
تلك اللغة الراصدة للضديات وتنافرات الواقع المحيط، والتي تتأسس لتستوعب الوجود الإنساني بشتى تناقضاته مع نأيه بالنص عن التعبيرية الوصفية ليترك للمتلقي فسحة للتأويل ودهشة الاكتشاف مع الحرص على الاقتصاد اللغوي والتكثيف قدر الإمكان :
وهو هناك في اللجة
تتقاذفه الأمواج
رأى القشة تلوح له
من هناك
أنْ أنقذني يا أنت من الغرق !!
في هذا الديوان يؤكد عباس السلامي خصوصية صوته الشعري ورؤاه ولغته.

٭ كاتب من مصر

«غرقى في سراب» لعباس السلامي: هاجس التفاصيل اليومية

أشرف قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left