المستقبل كتاريخ معكوس!

إبراهيم نصر الله

Jul 12, 2018

كثيرة هي الأسئلة التي لم يزل المرء يبحث، باجتهاد حتى، عن نصف إجابات لها، ولا أقول إجابة كاملة، فكل إجابة تُضْمر في داخلها نقصًا ما، كلما وجدت هذه الإجابة سؤالاً مفتوحًا يتربص بها.
هناك أسئلة مفتوحة، لا تتوقف عن طرح نفسها علينا، مهما جمّعنا أنفسنا في إجابة نتطلع أن تشفي غليلها، ولعل تاريخ العالم حافل بهذا، وفي مختلف العلوم، حيث نفاجأ دائمًا بحلول لمشكلات وقضايا كبيرة مختلفة عن تلك التي ظننّا لعقود أنها الصحيحة.
الأسئلة بهذا، كالنهايات المفتوحة في الروايات والقصص والأعمال السينمائية، أيضًا، تظلّ تُقلِّبنا ونُقلّبها لزمن طويل، وكلما اعتقدنا أننا بلغنا شاطئها اكتشفنا أننا أسرى تلاطم أمواجها.
لأعترف هنا أنني أخشى الوصول إلى إجابات أقولها تكون مرضية لغيري! لأن ذلك يعني أنني انتهيت من طرح ذلك السؤال الذي طرح عليّ، وأنه لم يعد يؤرقني، أنه انتهى، مات، كما لو أن الإجابة التي توصلتُ إليها خالدة!
هل يمكننا اعتبار الإجابات المفتوحة، التي لا تكتفي ببلاغة منطقها في لحظة ما، نوعًا آخر من الأسئلة؟
على المستوى الإنساني، في ظني أن كثيرًا من الأسئلة تظلّ تُطرح علينا؛ ففي كل مرحلة من مراحل حياتنا نعثر لها في داخلنا على إجابات أخرى. سؤال الزمن مثلاً، إذا أطل في مرحلة العشرينيات من عمرنا، أو أوائل الثلاثينيات، يبدو سؤالاً مبالغًا فيه، فيه كثير من البذخ، عكس ما يحدث حين يطلّ علينا السؤال نفسه في مراحل متقدمة من العمر، أو في لحظات المرض والخطر، لنجد في محاولتنا الإجابة عنه، حقيقة تقول لنا كم تغيّرنا.
تخشى الإجابات الواثقة، والعليمة، والمتعالمة أكثر، ولكنك لا تستطيع الجهر بذلك كلما سمعت أحدًا يجيب، أو سمعت نفسك تجيب!
عدم القناعة بإجابتك أو إجابات غيرك يعني البحث الدائم، وفي ذلك حيوية روحية وفكرية، وتواضع إنساني، وسعي لرفض القبول بإدخال كل سؤال تتمّ الإجابة عليه إلى مجمدة الثلاجة، بل تركه طليقًا.
كل هذه الخواطر أثارتها فكرة (الرواية والتاريخ)، وهي فكرة قلّبها النقاد ومنظّرو الأدب، والكتّاب طويلاً؛ اختلفوا، واتفقوا، وتقاطعوا، وفي كل نتيجة وصل إليها أحدهم عِبرة تؤكد أن السؤال ما زال يُطرح، وأنه نهِمٌ، لا يستطيع أن يكون أسير سُبات شتوي طويل أو قصير.
متى يمكننا مثلاً أن نُطلق على لحظة ما اسم «لحظة تاريخية»، أو نعتبرها جزءًا من التاريخ؟ هل تلك التي مرّ عليها عشرة قرون؟ (100) عام؟ (20) عامًا؟ أسبوعًا؟ أم (24) ساعة؟ أم ساعة؟
هل رواية المستقبل هي نموذج أو فرع من الكتابة التاريخية، باعتبارها تاريخًا معكوسًا؟!
وهل تلك الرواية الخيالية المتقاطعة مع واقعها، المكتوبة عن الحاضر، ستغدو تاريخية بعد حين، لأنها ستتحول إلى وثيقة عن زمن ما، ليس شرطا أن يكون زمن حرب أو سِلم أو سواهما، أو بناء أو هدم، بل وثيقة عن كيف كان يفكر الناس، وكيف كانوا يحسّون؟ مع أن كل عمل جيد، في ظنّي، يحتضن الأزمنة الثلاثة: الماضي، الحاضر، المستقبل.
هل تكون الرواية تاريخية لمجرد أننا نكتبها اليوم عن الأمس؟
ماذا عن قراءة ما نكتبه اليوم، عن اليوم، هل ستحيلها القراءة غدًا إلى رواية تاريخية؟
هل تاريخ القراءة أو زمن قراءة النص هو في النهاية ما يحدد إن كانت الرواية تاريخية أم لا؟ بمعنى أن مسرحية إغريقية، حينما كُتبت لم تكن تاريخية، لكنها اليوم غير ذلك بالنسبة لنا.
هل الرواية التاريخية استعادة للتاريخ أم إعادة كتابته برؤية اليوم، وإذا كان الأمر كذلك هل يبقى تاريخًا، أم يتحوّل إلى حاضر باعتبار الرؤية معاصرة؟
حين نستند إلى مرجع تاريخي ونستعين به بما يتوافق مع رؤانا، ونُبعد ما لم يتّفق مع رؤانا، هل نكون بذلك نكتب رواية تاريخية أم أن انحيازنا المسبق، لأفكارنا ومصالحنا وأهوائنا، يُضمر، تلقائيًا، تشكيكًا في نزاهتنا؟!
هل توقُّع التاريخ القادم أكثر مصداقية من استعادة ما مضى منه؟!
إذا كان كل مؤرخ قد كتب التاريخ مدفوعًا بحبه لشخصية ما، حقبة ما، أو كراهية لها، أو تشكيك فيها، بمعنى إذا كان كاتب التاريخ محكومًا بالأهواء والمصالح، فهل نحن بالضرورة، كأدباء، نستند إلى تأريخ زائف بالضرورة؟ وإذا كنا كذلك، فكيف يمكن أن نقول إننا نقدم كتابًا ينتمي للحقيقة؟ وهل يمكن أن تكون الكتابة عن تاريخ المستقبل هي الأكثر نزاهة، لأننا نطرح رؤية خيالية، سينفيها المستقبل (كتاريخ قادم) أو يؤكدها؟
هل يحدّد تاريخ النشر تاريخية الرواية، بمعنى أنها تنتمي للتاريخ ما دامت نُشرت في القرن الثامن عشر، مثلاً، ماذا عن رواية لم تزل تُقرأ بعد مائة عام من كتابتها بلهفة قرائية، هل هي رواية حديثة ما دامت قادرة على محاورة أزمنتنا الحديثة؟ والرواية التاريخية ليست هي الأحداث الكبرى، وحسب.
هناك أسئلة كثيرة تطرح علينا، وأحيانًا أخشى الوصول إلى إجابات لها! كما أشرت في البداية، لأن وصولي إلى جواب يعني أنني سأتوقف عن طرح السؤال، وأقبل بإجابتي كحقيقة، وهذا أمر مفزع لي! لأن كل إجابة قانعة بذاتها، ماحية لمساحة ما من عقل صاحبها، وهذا ما يفعله السؤال القانع؛ ومن المفارقات أن من معاني قَنَعَ، يَقْنَعُ، قُنُوعاً، في لسان العرب: ذُلَّ! وقَنَعْتُ إِلى فلان: خَضَعْتُ!
وبعد:
قبل ثلاثين عامًا كتبتُ:
لاهثًا أركض
قاطعًا العمر بين سؤال وآخر
باحثًا عن إجابة أستريح على عتباتها قليلاً
لأواصل أسئلتي!

 

المستقبل كتاريخ معكوس!

إبراهيم نصر الله

- -

3 تعليقات

  1. إنّ مييزة الرّوائيّ ؛ بعد الثقافة ذات المُكنة المخيال المبدع الحرّ؛ فلماذا لا نكتب عن رواية المستقبل أوالمستقبل في رواية التحديّ ؟ كتابة المستقبل في العمل الرّوائيّ تكاد تكون معدومة في الأدب العربيّ…وفي هذا دليل على وشل في المخيال وفيض في اللاخيال.أخطرما في رواية المستقبل أنها تنتصرعلى عاملين أساسيين في الرّواية التقليدية : الزمان والمكان ؛ لتخلق لنفسها هالة افتراضية خارقة لصناعة مكان جديد في زمن جديد ؛ خارج قانون التاريخ المقيم ؛ وهذه هي عملية الخلق التي تُعطي للمُكنة ؛ المكانة والمكين والسيناريو؛ بدل الاطناب البلاستيكيّ.رواية المستقبل ترسم الرؤية الحيّة بشغف ؛ والرؤية هي أكبرالقدرات الاستراتيجية في صناعة النبوءة في أي عمل كتابي قدير.
    نحن ورثنا عن التراث ( التلقين ) لكن رواية المستقبل تعطينا ( اليقين ).لذلك في قولك : { هناك أسئلة كثيرة تطرح علينا، وأحيانًا أخشى الوصول إلى إجابات لها!..لأن وصولي إلى جواب يعني أنني سأتوقف عن طرح السؤال}.لا جرم أنّ هذا في ظلّ العمل التقليديّ الراهن إنما في العمل المستقبليّ أنت تحقق الاجابات من دون التوّقف عن الأسئلة والأجوبة التالية لها وبذلك تصنع الرّواية فلسفة تحمل رؤية واقعية في الزمن الجميل كوثيقة ممتعة قبل رحيل الشاهد ؛ يصنعها الرّوائي المبدع للتاريخ الحيّ ؛ لأنها نبأ ؛ قبل أنْ يعيشها القاريء ؛ الغارق في خمر سبأ.وكي أقرن الفكرة بالحقيقة سألجأ إلى ممكن هنا ؛ كي أرسم حكاية في المستقبل.إنها صناعة الأمل في رواية كالقصيدة ؛ زجل : المقدّمة ذات التشويق : { زرعت الهوا ؛ حيث الهوى لا يزرعُ…..فقطفت وردًا ؛ ريحه يتضوّعُ }.بطولة الحكاية في وسط بدن الرّواية : { ولثمت خدًا ؛ كالبدور ضياؤه…..وضممت ريمًا بالدلال يرتعُ }.حــلّ مفتوح تجريدي لعقدة الحكاية : { وطفقت أمرح والسروريحفني…..
    فيحوك أثواب الجمال ويجمعُ }.لاحظ : لقد ألغيت من ثيمة الرّواية عنصرالمكان وعنصرالزمان ؛ وأبدلتهما بفنّ من الخيال ؛ فأصبحت ثيمة الرّواية : الحريّة المنتمية إلى المستقبل من دون تاريخ معكوس ثقيل.وقل اعملوا واكتبوا وأبدعوا حتى مطلع الفجرالجميل…

  2. لن نمل من الأسئلة طالما لا نجد لها أجوبة
    فمنذ خمسين سنة تتزاحم إشارات الاستفهام في رأسي
    أسئلة كثيرة تدور بحثا عن أجوبة كثيرة،
    والجواب لا يأتي وتضاف اشارة استفهام أخرى
    لماذا لا يأتي؟

  3. كلام رائع يادكتور جمال..نرجو المزيد.فكلامك كاسمك الوسيم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left