طريق الحرير.. انعطاف مفاجئ على شواطئ الكويت

سامح المحاريق

Jul 13, 2018

بقيت منطقة الخليج العربي بعيدة عن التأثيرات الصينية لفترة طويلة من الزمن، فالتأثير الاقتصادي كان محدوداً لوجود عناية أمريكية كبيرة بالمنطقة، جعلت الأمريكيين على قدر كبير من الحساسية، يحوطون علاقتهم مع الخليج بمنطق (ممنوع الاقتراب أو التصوير)، أما التأثيرات الثقافية فكانت تميل لمصلحة الهند والدول المحيطة بها، حيث تكفلت طويلاً بإمداد الخليج بالعمالة الرخيصة، فضلاً عن وجود علاقات تاريخية في فترة ازدهار التجارة الهندية في المنطقة.
اكتسبت الكويت أهمية كبرى لدى الاستعمار البريطاني، فموقعها الجغرافي أتى كخاصرة احتكاكية بين إيران والعراق ومدخلاً شرقياً لشبه الجزيرة العربية، وكان لاكتشاف النفط دوره الكبير في وضع الكويت على خريطة الاهتمام العالمية، وبعد بريطانيا أصبحت الكويت تستقطب اهتماماً من الولايات المتحدة الصاعدة، بعد انفتاحها العالمي مع مبدأ أيزنهاور، وأظهرت أزمة حرب الخليج الثانية التي أتبعت الغزو العراقي، أهمية الكويت في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية.
تعطلت الأدوار الكويتية لفترة من الزمن بعد حرب الخليج الثانية، وكأن الكويت عانت بصورة جماعية من اضطراب ما بعد الصدمة، لتلجأ إلى الانكفاء، وتخرج من لعبة التأثير في المنطقة العربية، فبدأت قطر تطرح نفسها ولحقتها الإمارات العربية، لإحداث نوع من التأثير السياسي والاقتصادي في المحيط العربي، وأظهرت الكويت وجهاً متحفظاً تجاه العمل العربي، وبدأت عملية تنظيم واسعة لبيتها الداخلي، لتلفت الانتباه بسياسة اقتصادية مدروسة في بعض القطاعات، وبدون الكثير من الجلبة الإعلامية، إلا أن في منطقة مثل الخليج العربي حتى العزلة تصبح رفاهية لا يمكن الحصول عليها في منطقة يتطلع العالم إلى الاستحواذ على الوجود فيها، أو على الأقل على مقربة منها.
تراكم المجتمع التجاري الكويتي حتى قبل ظهور النفط، وضع الكويت في مأزق الجغرافيا، وجعلها تعيش أزمات حدودية شمالاً وجنوباً، وبقيت الأزمات الحدودية تؤرق الكويت، التي تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، فالأمر لم يكن ليقتصر إطلاقاً على بعض الأميال من الكثبان الرملية، ولكنه تداخل مع حسابات الثروة النفطية الهائلة، وأمام كتلة سكانية متواضعة لم يكن أمام الكويت سوى البحث الدائم عن الحلفاء، ولم يكن اختيار الحلفاء ممكناً في منطقة مثل الخليج مفتوحة على مصراعيها، فالأمريكيون استطاعوا أن يقيموا شاه ايران حاجزاً أمام أي تهديد سوفييتي، وبعد انهيار نظام الشاه أتت فورة تصدير الثورة الإسلامية لتخلق أزمة غير مسبوقة داخل الخليج، وتؤسس لنظرية البوابة الشرقية في العراق، التي كانت الكويت أول المكتوين بنارها بعد ذلك.
شهدت الأشهر الأخيرة نشاطاً كويتياً واسعاً في محاولة احتواء الأزمة الخليجية، كما شهدت المحافل الدولية حضوراً كويتياً مسانداً للقضية الفلسطينية، كان يعبر عنه لأكثر من مرة رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، وهو أحد أبناء الكتلة التجارية العريقة في الكويت، ذات التأثير الواسع والمرتبطة مع الأسرة الحاكمة آل الصباح بعقد اجتماعي واضح منذ القرن الثامن عشر، وهذه المواقف لم تكن الخبرة الأمريكية مع الدول الخليجية تستوعبها بصورة جيدة، والرئيس ترامب الذي يسعى دائماً لعقد صفقاته الصادمة، لم يكن ليفهمها في ظل أفكاره المسبقة حول منطقة الخليج العربي.
في ظل المقدمات الخاصة بالكويت، وتلك المرتبطة بالتحولات السياسية في الخليج العربي، أتت نتائج زيارة أمير الكويت إلى الصين، والاتفاقيات التجارية والاستثمارية الكبيرة التي ستمنح الصين مكاناً في المنطقة لتشكل خروجاً صريحاً من الحظيرة الأمريكية، وتتزايد أهمية الخطوة الكويتية وخطورتها أيضاً في توقيتها الذي يشهد الفصول الأولى من حرب تجارية أمريكية ـ صينية من الصعب توقع المقبل من فصولها، وهي نقلة حصان شطرنجية وراء البيادق الأمريكية، التي كانت تراقب محاولات تقارب روسية ـ خليجية أتت مع إدراك بعض الدول الخليجية واقع الوجود الروسي الكثيف في سوريا، وكانت الكويت واحدة من الدول التي تواصلت مبكراً مع موسكو وأبدت توافقاً معها في مجموعة من النقاط بخصوص حل الأزمة السورية.
ترقب ردود الفعل الأمريكية على اتفاقية الحرير في الخليج، سيظهر مدى قدرتها على التعامل مع ملفات السياسة الخارجية في المدى القصير، وهو الأمر الذي تعرض لهزة كبيرة من الثقة بعد الصفقة الكورية التي كانت عرضة لإلغاء متعجل من قبل ترامب قبل أن يعود للقاء الرئيس الكوري الشمالي، بعد خطوات اتخذتها الجارتان الكوريتان، أظهرت الأمريكيين متأخرين بخطوة، والمشكلة الحقيقية لدى الأمريكيين تكمن في التكلفة التي سيتكبدونها في المدى البعيد، لتصحيح الفوضى التي يطلقها ترامب بحيث لم يعد ممكناً التنبؤ بحزمة أعداء أمريكا أو مستودع حلفائها.
اتفاقية الحرير تبدو مخادعة في صورتها الأولية، وابتداء من المصطلح الذي أطلقته الصين لبناء عمق اقتصادي قريب من المتوسط وأوروبا، فالواقع أنها اتفاقية تستجلب احتمالات الحديد والنار، والاستثمارات التي ستتدفق لن تنطلق في الفراغ، فحلم أوراسيا الذي تأسست عليه تنظيرات مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زيبغينو بريجنسكي يدخل حقبة جديدة، والأمريكيون الذين سيطروا على أفغانستان في قلب رقعة الشطرنج الكبرى، لا يبدون من خلالها قادرين على التحكم في المسارات المتشعبة والمتعددة للسهوب الأوراسية، بقدر ما أصبحوا منعزلين ومحاصرين في هذه الورطة الصعبة، خاصة أن علاقتهم مع باكستان تدخل فصولاً جديدة من التطورات، بينما تبدو الهند اليوم ناضجة بشكل يجعل فرصة استغلالها وتوظيفها لتخوض صراعات بالوكالة شبه معدومة، وبجانب إيران تتطلع تركيا إلى حصة في أوراسيا تتكامل مع ما أحرزته من تقدم في الخليج العربي، فأي مستقبل ينتظر الأمريكيين؟
بالطبع لسنا معنيين في المنطقة بالبحث عن مخرج للأمريكيين، ويتوجب لمصلحة هذه المنطقة الخروج من العباءة الأمريكية التي فرضت نفسها مثل غيمة ثقيلة بعد نظرية السادات بتركيز 99% من أوراق اللعبة في واشنطن، إلا أن ما يثير الحفيظة هو أن الاتفاق الكويتي ـ الصيني الذي لا يمكن انتقاده سلبياً في ظل الظروف الكويتية، يعبر عن سوء الحالة العربية الراهنة بوصفه نتيجة منطقية لاستغلاق فكرة التعاون العربي، عدا بالطبع عن انهيار الجيوش العربية الكبيرة خلال العقدين الأخيرين، وبذلك، فالسؤال هو عن العمل بعد أن تتحول المنطقة إلى معسكرات متنافسة على احتكاك مباشر لا يمكن التنبؤ بما سينتجه مستقبلاً.
الصين تبحث عن مصالحها، والعرب لا يمتلكون الخبرة الكافية في التعامل مع بكين، ومن التفاؤل المفرط الذي لا يمكن تصنيفه ضمن الفضائل السياسية، أن نعتبر هذه الخطوة إيجابية وخالية من المخاطر التي ترتبط بمشكلات الصين المتوقعة مستقبلاً، ومع ذلك، فما هي الخيارات التي يمكن أن تتبناها دولة مثل الكويت، وكيف يمكن إصلاح الخلل الذي أنتجته الثمانينيات الغامضة وما زال مستلقياً في الذهنية العربية بدون وجود الشجاعة الكافية لقراءته.
كاتب أردني

طريق الحرير.. انعطاف مفاجئ على شواطئ الكويت

سامح المحاريق

- -

1 COMMENT

  1. الاخ سامح
    العلاقات التجارية مع الصين ودول الخليج مهما بلغت من حجم لا يمكن ان تجعل من الصين شريك استراتيجي لدول الخليج فامريكا هي حامي الديار والرؤوس التي تحكم وهذا لا تستطيع الصين ان تفعله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left