ترامب في لندن: علاقات خاصة كما وصفها تشرشل

إدوين سموأل

Jul 13, 2018

تتحلى العلاقة الاستراتيجية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة بطابع خاص، كما وصفها لأول مرة بهذا الوصف الزعيم البريطاني الراحل تشرشل عام 1946، فهي تقف على العديد من القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، وليس جميعها بالتأكيد فلكل دولة وجهتها.
ستقدم المملكة المتحدة والملكة اليزابيث الثانية أفضل استقبال وضيافة، كما يليق برئيس الولايات المتحدة الأمريكية – الحليف التاريخي الذي حاربنا وقدمنا تضحيات معه في حربين عالميتين. لقد نجت روابطنا، واستمرت في أوقات جيدة وأخرى صعبة، حصل فيها تضامن واختلاف، فكانت مثالا على تفوق القيم المشتركة على السياسة.
العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مثال يظهر كيف يمكن لبلدين تجاوز تاريخ صعب لإقامة صداقات عميقة. يجب أن لا ننسى أنه في حرب الاستقلال قام البريطانيون بإحراق البيت الأبيض، وخلال القرن نفسه كانت المملكة المتحدة والولايات المتحدة حليفتين غير قابلتين للكسر، في برهان واضح على إمكانية المصالحة في السياسة، وهذا هو التاريخ. كما أن العلاقة بين البلدين قوية ويمكن أن تصمد أمام الاختلافات بالحوار. إن جوهر الصداقة هو الحوار الصريح، ورغم أننا نتقاسم الأهداف نفسها مع الولايات المتحدة، إلا أننا لا نتفق دائما على كيفية الوصول إليها، ومثال على ذلك صفقة القدس وإيران ودعم الأمم المتحدة.
وفي ما يتعلق بمسألة السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، نتفق مع الولايات المتحدة على أن الوضع النهائي لحدود إسرائيل يجب أن يكون موضوع مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن نعتقد أن نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، يرسل إشارة خاطئة في هذه المرحلة حول الرغبة في استئناف المفاوضات لإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، والوصول إلى حل الدولتين واعتبار القدس عاصمة فلسطينية -إسرائيلية مشتركة.
أما فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني، فنشارك أمريكا مخاوفها بشأن طموحات إيران النووية بعد انتهاء صلاحية الصفقة، والضعف في آليات التحقق، والتهديدات الإيرانية البالستية في المنطقة. لكننا نعتقد أن إلغاء الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بصعوبة، ليس الرسالة الصحيح إرسالها إلى طهران، لأننا نريدها أن تنضم إلى المجتمع الدولي، وتثبت خطأ الانتقادات الدولية الموجهة إليها.
شاركت المملكة المتحدة الولايات المتحدة بتأسيس منظمة الأمم المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، وكلتاهما دائمتا العضوية في مجلس الأمن. كلتاهما تعارضان تسييس هياكل الأمم المتحدة لشيطنة التصرفات الغربية والإسرائيلية. لا ترغب المملكة المتحدة في إحراق هياكل الأمم المتحدة، وقد أعلنت للتو عن تمويل جديد بقيمة 38.5 مليون جنيه لدعم العمل الحيوي الذي تقوم به الأونروا لتخفيف المعاناة غير المقبولة للاجئين الفلسطينيين. كما اقترحت مؤخرا وصوّتت لصالح السماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمحاسبة الأشخاص الذين يستخدمونها حتى لا يفلتوا من العقوبات بعد انتهاك القانون الدولي. تؤمن المملكة المتحدة بتحسين الأمم المتحدة، حيث توجد أوجه قصور بدلاً من التخلي عنها. لذا فإن الأجواء بين الرئيس ترامب ورئيسة الوزراء تيريزا ماي ستسودها الصداقة والتشاور، وسيكون الشرق الأوسط على رأس جدول الأعمال، كما سنؤكد على الطريقة التي يجب أن نعمل بها نحن والأمريكيون لوضع حد للدعم الروسي والإيراني، ولأولئك الذين سيدمرون القيم التي تؤمن الولايات المتحدة وبريطانيا بها.
على المستوى الشخصي، أتطلع إلى أساسيات التحالف الأمريكي البريطاني، كما يفعل العديد من مواطني بلدي. لن أنسى يوما القصص التي أخبرني بها أجدادي عن كيفية تحرير الأمريكيين لأوروبا من النازيين، كما أنني ممتن للأمريكيين للمساعدة في تحرير الكويت وهزيمة «داعش». يجب ألا تحجب الاختلافات في السياسة هذه الأساسيات، وهي وقوف الأمريكيين مع المملكة المتحدة لاستخدام الدبلوماسية والقوة لمواجهة التهديدات. هذه الصلابة ضرورية في الأوقات المضطربة، وسوف تستثمر المملكة المتحدة في هذه العلاقات حتى عندما تحصل انتقادات لها، لأن العالم لم يعرف أبدا قوة عظمى مثل الولايات المتحدة قادرة وراغبة في العمل مع الآخرين لمواصلة مصالحها المشتركة.
في المجال العسكري، لا يوجد تحالف بين دولتين في العالم أقوى من التحالف «الأنغلو- أمريكي». هذا التحالف ظهر بشكل واضح خلال الحربين العالميتين، وحروب الكوريتين، والعراق، وحرب الخليج، وفي أفغانستان، فضلا عن دورهما في تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهناك تشاور مستمر في الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول قضايا السياسة الخارجية، ولا يتأخر البلدان عن التعاون الوثيق والسريع، سواء سياسيا أو عسكريا عندما يتعلق الأمر بمساعدة وحماية الحلفاء والأصدقاء في الشرق الأوسط، الذين يشكل أمنهم جزءا من أمن بلدينا، خاصة في مكافحة ومواجهة الإرهاب بكافة أشكاله والأنظمة القمعية التي تنتهك حقوق الإنسان.
وشارك البلدان في وضع قيم عالمية لحقبة ما بعد الحرب من خلال ميثاق الأطلسي وإعلان الأمم المتحدة الذي أعطى العالم والبشرية رؤية جديدة وبعض الأمل خلال الحرب العالمية الثانية، ونحن اليوم في هذا العالم الحديث نحتاج لوضع رؤى جديدة للبشرية تزيد من علاقاتهم الإنسانية، وتقلّل بناء الجدران في ما بينهم وتعطيهم بعض الأمل. كما تجمعنا أيضا أكبر ميزانية دفاعية في العالم، وأكبر ميزانية دفاعية في أوروبا، وهذا يشكل حصنا منيعاً ضد من يحاول إلحاق الأذى بنا. وفي المجال الأمني، نحن نعمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر. بعد هجوم سالزبري، طردت الولايات المتحدة 60 من موظفي الاستخبارات الروسية – أكثر من أي بلد آخر – تضامنا مع المملكة المتحدة. نتشارك المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة التي لا نشاركها مع أي حلفاء آخرين. هذا التعاون غير المسبوق بين الاستخبارات في البلدين أدى بلا شك إلى إنقاذ حياة البريطانيين والأمريكيين.
وفي المجال الاقتصادي، ستنفق المملكة المتحدة 32 مليار دولار على المعدات الأمريكية، والدعم خلال السنوات العشر المقبلة. كما تعد المملكة المتحدة والولايات المتحدة أكبر المستثمرين في اقتصادات البلدين، حيث تم استثمار ما يزيد عن 1 تريليون دولار. وتعتبر الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري وصناعي في المملكة المتحدة، حيث تمثل ما يقرب من 15% من إجمالي التجارة في المملكة. وبريطانيا أكبر مستثمر أجنبي في قطاع التصنيع في الولايات المتحدة، باستثمار قدره 232 مليار دولار عام 2015. ومن بين جميع الوظائف المدعومة بالاستثمارات البريطانية في الولايات المتحدة، كانت وظيفة من كل أربع وظائف في مجال التصنيع في عام 2014.
العلاقات الخاصة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة تتعدى العلاقات التجارية. على سبيل المثال، أكثر من 4.6 مليون بريطاني يزورون الولايات المتحدة كل عام، وينفقون أكثر من 16 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي. 3.2 مليون مواطن أمريكي زاروا المملكة المتحدة. ويدرس أكثر من 10000 طالب بريطاني في الجامعات الأمريكية، في حين أن المملكة المتحدة هي الوجهة الأولى للطلاب الأمريكيين الذين يدرسون في الخارج. في كل يوم يذهب مليون مواطن بريطاني للعمل في الشركات الأمريكية في المملكة المتحدة، ويذهب مليون أمريكي للعمل لدى الشركات البريطانية في الولايات المتحدة. أكثر من مليون مواطن بريطاني يعيشون حالياً في الولايات المتحدة، وما يصل إلى 65 مليون مواطن أمريكي جذورهم بريطانية. هناك متغيرات كثيرة خلال هذه الأيام، من كوريا الشمالية إلى إيران واليمن وكذلك سوريا وليبيا، فضلا عن الدور الروسي في الشرق الأوسط، وأسواق النفط، وملفات أخرى كثيرة. العالم يتحرك بسرعة مذهلة تستوجب المزيد من التنسيق المشترك بين حكومتي البلدين وزعمائهما.
قد يقول البعض إنه قد تطفو بعض نقاط الاختلاف في السياسات البريطانية والأمريكية، لكن بالواقع هي صغيرة جدا إذا ما قورنت بنقاط الالتقاء والتحالف، فالعلاقات وثيقة جدا ومنفتحة بحيث يمكننا مناقشة أي اختلافات بشكل صريح. على سبيل المثال، المملكة المتحدة حثّت الولايات المتحدة على إبقاء جزء من الاتفاقية النووية الإيرانية ومعالجة مخاوفها المشروعة من خلال البناء على الاتفاق، بدلاً من رفضه. كما أن وجود بعض الآراء المختلفة أمر بديهي في بلدين يعرفان أعرق الديمقراطيات في العالم، حيث يأتي الزعماء ويذهبون ويقول الجميع آراءهم بمطلق الحرية.
من يقف في لندن يرى ساعة «بيغ بن» الشهيرة فيها، ومن يقف في نيويورك ويرى تمثال الحرية، يدرك جيدا أن العلاقات الأنغلوأمريكية لا تقوم على مصالح غير واضحة، بل على أشياء كثيرة تجمع البلدين انطلاقا من الثقافات واللغة. في لندن، وتحديدا في شارع بوند، يوجد تمثال الزعيم الأمريكي «فرانكلين روزفلت» وهو يجلس إلى جوار الزعيم البريطاني ونستون تشرشل، وقد تم بناء التمثال للاحتفال بمرور 50 عامًا من السلام بعد الحرب العالمية الثانية. ربما هذا التمثال يحمل دلالات رمزية كثيرة على عمق التحالف والعلاقات الخاصة الأنغلوأمريكية التي لديها قدرات مذهلة على إحداث تغييرات في العالم نحو الأفضل على مدار العقود المقبلة.
المتحدث باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ترامب في لندن: علاقات خاصة كما وصفها تشرشل

إدوين سموأل

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left