معتقلو حراك الريف: بين المصالحة والفهم السلطوي لهيبة الدولة

بلال التليدي

Jul 13, 2018

لحد الآن لا يزال الجدل محتدما حول التعاطي مع معتقلي حراك الريف. وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان السيد مصطفى الرميد، أدلى بتعليق على الأحكام القاسية التي صدرت في حق المعتقلين، حاول فيه بشكل ضمني التنبيه إلى ضرورة وعي القاضي بأهمية الأحكام في التهدئة وأنه ابن بيئته، لكن رد رئيس النيابة العامة لم يتأخر، إذ صرح السيد عبد النباوي في حوار خاص مع القناة الأولى الوطنية، بأن أحكام القضاء كانت مخففة بالمقارنة مع ما يستحقه المعتقلون، واستعمل نفس اصطلاحات مصطفى الرميد الاستدلالية، وذكر بأن القضاء كان ابن بيئته في الأحكام التي أصدرها.
مستوى ثان من التوتر، أظهر استمرار الجدل بين مقولتي التهدئة وهيبة الدولة، ظهر في التعاطي مع قساوة الأحكام. فمن جهة، ثمة من يربط بين ضرورة صدور أحكام ترسخ هيبة الدولة، ثم تتاح الفرصة بعد ذلك للتهدئة من خلال درجات التقاضي الموالية أو حتى تدخل الملك بصلاحية العفو التي يمتلك صلاحيتها، وفي المقابل، ظهر من جهة معتقلي حراك الريف تكتيكان، الأول، يهدد بعدم الانخراط في الدرجات الموالية للتقاضي، والثاني، يدفع في اتجاه اضطلاع البرلمان بأحد اختصاصاته في إصدار عفو عام عن معتقلي الريف، بما يعني في الحالتين، تكسير مقولة التهدئة التي تعقب ترسيخ هيبة الدولة، والضغط على الدولة للإقرار بأن شكل تعاطيها مع معتقلي الريف كان سياسيا، وأن القضاء لم يكن في أحسن أحواله سوى متبعا لتعليماتها.
المستوى الآخر، من التوتر ظهر على مستوى الشارع، فمنذ إصدار الأحكام، والقبضة الأمنية على منطقة الريف بلغت أعلى مستوياتها، ناهيك عن تحريك المتابعة في حق من ترى السلطات بأنهم يهددون الأمن والاستقرار. وفي الجهة المقابلة، نظمت الأحد الماضي مسيرة تضامنية مع معتقلي حراك الريف بمدينة الدار البيضاء، أخذت لبوسا حزبيا، بتصدر حزب نبيلة منيب (الاشتراكي الموحد) لها، ثم جاء دور جماعة العدل والإحسان للدعوة إلى مسيرة الأحد المقبل بالرباط، لنفس الغرض، لترتسم حالة الانشقاق في الفعل التضامني بين بعض المكونات السياسية والمجتمعية الداعمة لمعتقلي الحراك.
الأحزاب السياسية الأخرى، لاسيما منها الحكومية أو حتى المعارضة الممثلة في البرلمان، تجنبت لعبة الشارع، لكن، الديناميات الداخلية التي تجري داخلها، تعكس هي الأخرى التوتر الحاصل بين مقولتي هيبة الدولة والتهدئة، فحزب الاستقلال الذي لم يشارك في مسيرة البيضاء، تبنى أمينه العام في جولة مع وفد من حزبه بالريف، خطابا أقرب إلى إدانة أحكام معتقلي الريف، فقد عبر عن أن الذين يستحقون هذه الأحكام هم «المسؤولون الفاشلون عن إنجاز المشاريع بالريف» وليس الناشطين. أما حزب الاتحاد الاشتراكي، فقد أقدم على تجميد عضوية رئيس جماعة بالحسيمة، بسبب تدويناته التضامنية مع معتقلي الحراك، فيما خرج بيان المكتب الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بالحسيمة منتقدا للأحكام على خلاف موقف الحزب الرسمي الذي فضل الصمت بحجة عدم التدخل في القضاء. أما الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، فقد انتقد هو الآخر أحكام القضاء، وقال بأنها قاسية جدا، وغير متماشية مع التطور الحقوقي الذي يعرفه المغرب.
والواقع أن حراك هذه الأحزاب السياسية في هذه القضية غير مؤثر، إذ لا يخرج عن دائرة التوظيف السياسي ضد الحكومة من قبل أحزاب المعارضة، أو أخذ المسافة عن القضية بحكة عدم التدخل في القضاء بالنسبة لأحزاب الأغلبية الحكومية. إنما المؤثر في القضية، هما طرفا القضية: السلطة، وعلى ماذا تراهن في القضية، ثم معتقلو الحراك، وأي مقاربة سيعتمدون في مواجهة هذه الأحكام.
من جهة السلطة، فلا شيء إلى حد الآن، يظهر مزاجها الحقيقي تجاه هذه القضية. فقط الذي ظهر من مؤشرات هو انزعاجها من تحريك الشارع من جهة، ومحاولة الالتفاف على العفو الملكي من خلال تحريك آلية العفو العام من جهة ثانية. أما معتقلو الحراك، فما يظهر من مؤشرات، يبرز رغبتهم المزاوجة بين خط الضغط وخط التفاوض، وذلك من خلال استمرار الرهان على تحريك الشارع لتوسيع التضامن معهم، وأيضا التهديد برفض درجات التقاضي الموالية، أو الضغط على الواجهة البرلمانية لتحريك آلية العفو العام.
تفاعلات هذه الرهانات لم تصل إلى درجة انسداد الأفق، فالسلطات تعاملت بشكل إيجابي مع مسيرة البيضاء، ولا توجد لحد الآن مؤشرات عن إمكانية التعامل بالمثل أو بعكس ذلك مع مسيرة الرباط، التي دعت لها جماعة العدل والإحسان، ومن جهة مقابلة، ظهرت ديناميات تفاوضية من قبل محامين وحقوقيين لثني معتقلي الحراك عن موقفهم الرافض لاستئناف الحكم، كما برزت بعض النقاشات التي تحذر من الزيادة في توتير مزاج الدولة، بمحاولة طرح العفو العام بدل طلب عفو ملكي، وأن من شأن ذلك أن يقضي على فرص محتملة لطي هذا الملف، خاصة وأن هذا الصيف يشمل مناسبات عديدة يمارس فيها الملك صلاحياته بإصدار عفوه عن المعتقلين، منها عيد العرش، وعيد الشباب، فضلا عن عيد الأضحى المبارك.
والحقيقة أن القضية تتجاوز مشكلة الثقة، وما إذا كانت السلطة ستتجه إلى استعمال صلاحياتها للمصالحة بدل الاستمرار في تبني مقولة هيبة الدولة. فبالإضافة إلى مشكلة الثقة، ثمة مشكلة أخرى لدى معتقلي الحراك تتعلق بالحقيقة والكرامة. فهؤلاء يعتقدون في شق الحقيقة، أن إدانة الدولة لمسؤولين على خلفية تعطيلهم لمشاريع التنمية في الريف، يعتبر إقرارا من جهتها لمشروعية الحراك، وأنهم لم يفلعوا أكثر من مساعدة الدولة على معرفة أسباب التوتر وفضح المتلاعبين بإرادة الملك، كما يعتقدون في شق الكرامة، أنهم مارسوا حقهم المشروع في الاحتجاج المطلبي ضمن سقف وطني، وأن اللجوء لخيارات طلب العفو، يمس هذه الكرامة، ويمس برمزيتهم النضالية لدى الجمهور.
والتقدير، أن المغرب في هذه اللحظة الدقيقة يحتاج إلى إعمال مبدأ المصالحة، بغض النظر عن آليات تنزيلها، بل وبغض النظر عن التفعيل الزمني لعناصرها، فالقضاء في درجته الثانية، لن يخفف كثيرا من الأحكام، ولن ينهي المشكلة في أصلها ولن يكون أداة للمصالحة الشاملة، كما أن الرهان الاستراتيجي على الشارع هو الآخر لن يؤدي إلا إلى تقوية أطروحة الهيبة بدل المصالحة، ومساعدة بعض الأطراف التي تريد للمغرب ألا يخرج من جو التوتر والاستقطاب الداخلي.
ويبقى حل القضية رهينا بحسن إدارة الصراع بتكتيكات تتسقف بخيار تفاوضي يغلب المصالحة والتهدئة على الفهم السلطوي لهيبة الدولة.

٭ كاتب وباحث مغربي

معتقلو حراك الريف: بين المصالحة والفهم السلطوي لهيبة الدولة

بلال التليدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left