خريطة التحالفات الزلقة

يحيى الكبيسي

Jul 13, 2018

تكتسب تحالفات ما بعد الانتخابات في العراق أهميتها من قرار المحكمة الاتحادية العليا الإشكالي بشأن تفسير معنى «الكتلة النيابية الأكثر عددا» التي وردت في المادة 76/ أولا من الدستور العراقي، والتي يكلف رئيس الجمهورية مرشحها بتشكيل الحكومة.
فبعد إجراء انتخابات العام 2010 في السابع من آذار/مارس، وبعد معرفة الجميع أن النتائج الاولية توضح خسارة رئيس مجلس الوزراء السيد نوري المالكي للانتخابات، توجه الأخير إلى المحكمة الاتحادية يطلب منها تفسير معنى «الكتلة النيابية الأكثر عددا»، لتصدر المحكمة قرارها الأسرع في تاريخها (ورد الطلب بتاريخ 21 آذار/ مارس 2010، وصدر القرار بتاريخ 25 آذار/ مارس 2010) بأن هذه الكتلة هي إما الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، أو الكتلة التي تجمعت من قائمتين او أكثر في مجلس النواب، أيهما اكثر عددا. وقد جاء قرار المحكمة الاتحادية، بالصدفة المحضة بكل تأكيد! قبل يوم واحد من إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج التي كشفت عن فوز القائمة العراقية بالمركز الأول في الانتخابات بحصولها على 91 مقعدا، في مقابل 89 مقعدا حصل عليها تحالف دولة القانون الذي يقوده السيد نوري المالكي.
هكذا لم يعد مهما ان تفوز كتلة ما بالمركز الاول في الانتخابات، إلا إذا حصلت هذه الكتلة على (50 + واحد) من مقاعد مجلس النواب، أي 165 مقعدا! وهو أمر لم يتحقق في أية انتخابات عراقية بعد العام 2003، ومن المستحيل ان يتحقق على المدى المنظور. هكذا أصبح لزاما على الكتل الفائزة، وبمعزل عن نتائجها في الانتخابات، أن تعيد رسم خريطة تحالفاتها بعد الانتخابات لتشكيل الكتلة الأكثر عددا.
ولا يتوقف الأمر عند حدود تشكيل هذه الكتلة، بل يتعداه إلى الاتفاق على مرشح هذه الكتلة لتشكيل الحكومة! ففي العام 2010، وعلى الرغم من تشكيل الكتلة الأكثر عددا بتحالف دولة القانون مع الائتلاف العراقي الموحد تحت مسمى «التحالف الوطن العراقي» بسرعة لضمان منصب رئيس مجلس الوزراء (أعلن التحالف بتاريخ 4 أيار/ مايو 2010)، إلا ان مشكلة تسمية مرشحها لرئاسة الوزراء استعصت على الحل على مدى أكثر من أربعة أشهر، لتحسم في النهاية بقبول السيد مقتدى الصدر ترشيح المالكي لولاية ثانية!
وفي العام 2014، وعلى الرغم من فوز ائتلاف دولة القانون بالمركز الاول في الانتخابات، وعلى الرغم من حصول السيد نوري المالكي على أصوات تزيد عن أقرب منافسيه بنصف مليون صوت تقريبا! وعلى الرغم من الدعم الايراني الصريح لولاية ثالثة للمالكي، إلا ان التحالف الوطني، وبدعم من المرجع السيد علي السيستاني، استطاع ان يفرض الدكتور حيدر العبادي مرشحا للتحالف لرئاسة مجلس الوزراء. وبالتالي لم يعد الترشيح مرتبطا بالكتلة الفائزة ضمن التحالف، او بالفائز بأكبر عدد من الأصوات في التحالف، بل أصبح الأمر خاضعا لعوامل داخلية أخرى، فضلا عن العاملين الأمريكي والايراني، اللذين كانا حاضرين دائما، وما زالا كذلك.
اليوم نحن نواجه معضلة أشد تعقيدا، فبدلا عن كتلة شيعية واحدة في العام 2005، وبدلا عن كتلتين شيعيتين في العام 2010، وبدلا عن ثلاث كتل شيعية رئيسية في العام 2014، صرنا اليوم أمام خمس كتل شيعية رئيسية! وبدلا عن كتلة كتلتين سنيتين في العام 2005، وكتلة واحدة في العام 2010، وثلاث سنية في العام 2014، بتنا اليوم أمام تشظ أكبر! وبدلا من كتلة كردية واحدة في العامين 2005 و2010، وكتلتين رئيسيتين في العام 2014 (التحالف الكردستاني وكتلة التغيير)، نحن الآن ولأول مرة أمام قوائم منفردة لكل من الحزبين الرئيسيين؛ الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، مع قوائم اخرى منافسة!
سنيا، وبعد الإعلان الرسمي عن تشكيل وفد تفاوضي مشترك يمثل خمس قوى أساسية لديها 48 مقعدا (القرار العراقي، والعراق هويتنا، والتجمع المدني للإصلاح، والجماهير العربية، والتقدم المدني الحر)، وبانتظار الاعلان عن هذا التحالف رسميا بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات، كما تم الاتفاق على ذلك في وثيقة التحالف الموقعة، وهذا التحالف، إن صمد، سيشكل أكثر من ثلثي المقاعد السنية، وهو ما يجعله الأكثر تمثيلا سنيا.
كرديا، وبعد الإعلان مؤخرا عن وفد مشترك يضم الحزبين الكرديين الرئيسين تمهيدا للمشاركة في مشاورات تشكيل الحكومة، يبدو واضحا اننا سنكون مرة اخرى أمام تحالف كردي، حتى وإن لم يتم الإعلان عن ذلك رسميا، وهذا التحالف سيمثل ما مجموعه 43 مقعدا (25 للديمقراطي الكردستاني، و18 للاتحاد الوطني).
هذا الانقسام والتشظي البيني، الشيعي والسني والكردي، جعل من مسألة تشكيل الكتلة الأكثر عددا، امرا أكثر تعقيدا، خاصة في ظل التقارب الشديد في النتائج بين القوائم الثلاث الأولى (سائرون والفتح والنصر)، وفي ظل طموح كل من هذه القوائم الثلاث لترشيح رئيس مجلس الوزراء منها، او على الأقل، يحظى بقبولها، وربما يخضع لاشتراطاتها، كما هو الحال مع سائرون. وفي وجود فيتوات متبادلة مختلفة المحتوى! فسائرون لديها فيتو صريح ضد انضمام ائتلاف دولة القانون، أو بالأحرى المالكي شخصيا، إلى أي تحالف تكون هي جزء منه، بالمقابل هناك فيتو من أكثر من جهة، ضد أن تكون سائرون هي نواة الكتلة الأكثر عددا، وصاحبة اليد العليا فيه! لهذا وجدنا هذا الإعلانات المتكررة عن تحالفات مفترضة لم تصمد طويلا. واخيرا امام إرادات مختلفة للفاعلين الأمريكي والايراني، فالأمريكيون يصرون على دعم السيد حيدر العبادي لولاية ثانية، في حين تبدو الخيارات الايرانية بعيدة حتى اللحظة عن العبادي، وستبقى البراغماتية الايرانية هي الحاسمة في إعلان خيارها الأخير، بشرط ضمان مصالحها ومصالح حلفائها في العراق. ومن ثم يبدو واضحا أنه من دون إيجاد حل لهذه الفيتوات أولا، ثم الاتفاق على مرشح محدد، ثم التعاطي مع «رغبات» الفاعلين الأمريكي والايراني، لا إمكانية للحديث عن تحالف حقيقي. كما يبدو واضحا ان الجميع ما زال على قناعة تامة أنه من دون كتل هوياتية كبرى، لا إمكانية حقيقية للوصول إلى تحقيق المطالب الهوياتية! ففي عراق تعددي، ومنقسم، يشهد سياسات هيمنة منهجية، وسياسات احتكار سلطة منهجية، تبقى هذه المطالب الهوياتية أمرا حاسما، بعيدا عن النوايا الطيبة التي يؤمن بها البعض، وبعيدا عن الشعارات والاوهام التي يرددها البعض الآخر.

٭ كاتب عراقي

خريطة التحالفات الزلقة

يحيى الكبيسي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left