ترامب والحلف الأطلسي: الدفع الفوري أو رفع الغطاء

صبحي حديدي

Jul 13, 2018

ليس ثمة هامش للمقارنة، بل إنّ الفارق شاسع واسع والتباين واضح فاضح، بين النصّ الذي خرجت به قمة الحلف الأطلسي في العاصمة البلجيكية بروكسيل؛ والأسهم النارية الحارقة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من واشنطن أولاً ثمّ من قلب القمة لاحقاً، حول حاضر الحلف، وتوصيف أعضائه أجمعين، ما عدا الولايات المتحدة. ذلك النص، الذي حمل اسم «إعلان بروكسيل حول الأمن والتضامن في المحيط الاطلسي»، واستغرق 23 صفحة وقرابة 12 ألف كلمة و79 بنداً، لم يجد أي اعتراض من ترامب، وبادر إلى التوقيع عليه. في المقابل، تركز سخطه المعلَن على تأخر الأوروبيين في سداد التزاماتهم حول النفقات العسكرية، ووجوب أن يرفعوا مساهمتهم إلى النسبة المقاربة للمساهمة الأمريكية، على الفور وليس في العام 2024 مثلاً؛ وإلا فإنّ أمريكا «سوف تسير وحدها»، كما عبّر.
ففي تغريدة أولى كتب ترامب: «من دون نجاح، حاول الرؤساء طوال سنوات دفع ألمانيا وسواها من أمم الأطلسي الغنية إلى سداد المزيد لقاء حمايتها من روسيا. إنهم يدفعون قسطاً ضئيلاً من نفقتهم. الولايات المتحدة تدفع عشرات المليارات من الدولارات أكثر مما يتوجب لإعانة أوروبا، وتخسر كثيراً في التجارة». وفي تغريدة لاحقة، تابع خطّ الهجوم: «وفوق كل شيء، بدأت ألمانيا تدفع لروسيا، البلد الذي تطلب الحماية منه، مليارات الدولارات لقاء احتياجاتها من الطاقة عبر أنبوب آت من روسيا. هذا غير مقبول! جميع أمم الناتو يجب أن تنفذ الالتزام بـ2٪، وهذا يجب أن يرتفع إلى 4٪». وأمّا في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد انتهاء جلسة العمل الأولى مع قادة الأطلسي، فقد أعلن ترامب أنّ مطالب أمريكا تمت الاستجابة لها: «لم تكن الولايات المتحدة تُعامل بإنصاف، ولكن اليوم تمّ إنصافنا. لقد أبلغتهم بالأمس أنني لست البتة سعيداً بما يجري، ولذلك فقد رفعوا التزاماتهم».
ليس واضحاً، بعد، مع ذلك، أنّ الدول الأعضاء رضخت بالفعل لاشتراطات ترامب؛ أو أنّ العاصفة التي أثارها قبيل الانعقاد، ضدّ ألمانيا بصفة خاصة، البلد الخاضع لروسيا حسب قناعته، قد هدأت حقاً. الواضح، والفاضح كما أسلفنا، هو أنّ البون بات شاسعاً أكثر من أي وقت مضى بين الولايات المتحدة وحليفاتها في الأطلسي، أوّلاً؛ وأنّ زيارة ترامب إلى بريطانيا لن تكون نزهة طيبة، ولن تعيد ترميم الأواصر التاريخية بين البلدين، ثانياً؛ وأنّ الأسهل في زيارته خارج المحيط سوف يكون لقاؤه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هلسنكي، كما صرّح هو بنفسه، ثالثاً. وتلك حال تفيد، في الشكل كما في المحتوى، أنّ بيان الـ23 صفحة و12 ألف كلمة و79 بنداً يقف على نقيض من تغريدات ترامب (التي، للتذكير المفيد، ليست ترهات حمقاء أو شطحات ثرثار مهذار، بل هي ذروة التعبير عن صياغة السياسات في الهرم الأعلى للقرار).
البند الأوّل في «إعلان بروكسيل» يعيد اجترار الخطاب المكرور، ذاته، عن استمرار الحلف في التنفيذ الفعال للمهامّ الثلاث التي حددتها وثيقة «المفهوم الستراتيجي» للحلف: الدفاع الجماعي، وإدارة الأزمات، والتعاون الأمني. وهذا بات حبراً على ورق، غنيّ عن القول، وآخر دلائله غياب سياسة أطلسية موحدة تجاه ملفات سياسية وأمنية وعسكرية بالغة التفجر في العراق وسوريا واليمن، فضلاً عن الملفات الفعلية للإرهاب العالمي وإرهاب الدولة. وأمّا البند الأخير فيتحدث عن الحلف بوصفه دائم التطوير والتحديث والتأقلم مع التحديات والتهديدات، بما في ذلك تجديد هيكلية القيادة على نحو يستجيب لمقتضيات الحاضر والمستقبل. هنا أيضاً، تبدو نبوءة ترامب ــ في أنّ لقاءه مع بوتين سوف يكون أسهل من اجتماعه مع قادة الأطلسي ــ خير دليل على أنّ التأقلم ليس ادعاءً زائفاً فحسب، بل يسير على نقيض ما هو قائم على الأرض، أي تفاهم الجبارين ثنائياً وخارج أي إطار اطلسي!
مقاربة ترامب في العلاقة مع الحلف لا تخرج كثيراً عن مقاربته الإجمالية في العلاقة مع أيّ أمر أو ظاهرة أو مبدأ أو عقيدة: «البزنس» أولاً، ومقادير الربح من هذه الصفقة أو تلك، وكيفية «حَلْب» الآخر (والتعبير له، بالمناسبة، كي لا ننسى!)؛ تماماً على هدي ما فعل بصدد صفقات التسليح بالمليارات مع السعودية، وواجبها في إعادة تسديد ما أنفقته أمريكا دفاعاً عن أمن المملكة في وجه الأخطار الخارجية. مقاربة الحلف الأطلسي، في المقابل، ما تزال تترنح تحت وطأة الرطانة الإيديولوجية التي سادت خلال عقود الحرب الباردة، وكانت في الأصل بمثابة منطلق استنساخ هذا «النمر من ورق»، وفقاً للتعبير الصيني الشهير. شتان، إذن، بين ماضي الحلف وحاضره ورؤاه المستقبلية (إذا جاز استخدام هذا التوصيف أصلاً)؛ وبين الحلف ذاته كمشروع استثمار مالي في المقام الأول، لدى إدارة ترامب وضمن مقاربته المركزية.
والحال أنّ ترامب يتجاهل، عامداً وليس عن جهل أو قلة دراية، أنّ ميزانيات الولايات المتحدة العسكرية ليست موضوعة في خدمة الحلف الأطلسي إلا في حدود النزر اليسير، وهذا أمر طبيعي ومفهوم، والعكس هو الجدير بإثارة الاستغراب. جوهر الحلف بدأ عسكرياً ـ سياسياً، وهكذا يظلّ اليوم أياً كانت مهامه، وسواء تشكل من 29 دولة أم من 9 دول؛ وما دامت الولايات المتحدة هي العضو الأهمّ في بقائه على قيد الحياة، وفي تعزيز شوكته العسكرية ـ التكنولوجية، فإنّ الطبيعي والمفهوم أيضاً أن تكون القوّة العظمي هي حاملة النفقة الأعلى. ولا يسجّل التاريخ المعاصر أنّ البيت الأبيض استأذن الحلف في أيّ غزو عسكري لأيّ بلد، أو حتى قبل الشروع في مغامرة عسكرية عابرة؛ الأمر الذي لم تتبدّل تقاليده لدى البنتاغون بعد أن اتسع نطاق الحلف الجغرافي واخترق جميع مواقع حلف وارسو السابقة، ولم يبلغ ظهر روسيا فقط، بل طوّق بطنها وخاصرتها أيضاً، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً!
طريف، إلى هذا، أن يتنكر ترامب لمآثر أسلافه رؤساء أمريكا في الموقف من الحلف، وتكفي العودة إلى الرئيس الأسبق بيل كلنتون الذي جاء إلى العاصمة الهولندية لاهاي للمشاركة في الذكرى الخمسين لإطلاق مشروع مارشال، فأطلق رسالة ردع مبطنة لم تغب دلالاتها عن أيّ من قادة الأطلسي. يومها تولت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية، نقل المبطن إلى المعلن، فجزمت بأنه «ما لم تنتسب الديمقراطيات الجديدة في أوروبا الشرقية إلى النظام، فإن الشراكة الأطلسية في التجارة والأمن لا يمكن أن تتمّ». كانت أولبرايت تقول، في عبارة أخرى، إن أمريكا أنقذت أوروبا من غائلة الجوع عبر خطة مارشال، وحفظت أمنها طيلة الحرب الباردة من خلال الحلف الأطلسي؛ وعلى أوروبا، هذه القارّة العجوز المثقلة أصلاً بتاريخها السابق للحرب واللاحق لها، أن تتحمّل أعباء التركة الثقيلة لانهيار المعسكر الاشتراكي وتَخَبُّط هذه الديمقراطيات الجديدة بين اقتصاد السوق وأغلال الماضي.
بهذا فإنه ليس مسموحاً لأوروبا الغربية (الرأسمالية، الحرّة، المعافاة نسبياً بسبب من جميل الولايات المتحدة في حماية العالم الحر والرأسمالية)، أن تزدهر أكثر من ازدهار الولايات المتحدة نفسها، وأن توحّد صفوفها بالانتقاص من مبدأ الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي. ألا يكرر ترامب المقولة ذاتها، اليوم، وإنْ على طريقته الأثيرة: إمّا الدفع الفوري، أو رفع الغطاء؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

ترامب والحلف الأطلسي: الدفع الفوري أو رفع الغطاء

صبحي حديدي

- -

2 تعليقات

  1. لا اعلم مامصلحة العرب (شعوبا لا انظمة ) من كل هذا الذي تختبره امريكا واوروبا “الغربية او الشرقية او الوسطى (ان كان لها وجود ..فقط للظرورة اللغوية !..
    وليس لؤما بتاتا أن استعين بمثل سوري اثير يستجديه كل هذا الذي يحدث لنا وبنا ومعنا…لذلك اقول بلسان شامي مبين : فخّار يكسّر بعضو….
    سلامي لأستاذي القدير صبحي حديدي …..
    دمت لنا….

  2. تحياتي أخي صبحي : لا يجب النظرإلى المصالح من زاوية واحدة.نعم ترامب يريد الحصول على أكبرقدرمن الغنيمة ؛ هذا مسعاه.بالمقابل
    أوربا تريد الحصول على أكبرقدرمن الغنيمة ؛ هذا مسعاها…فكلّ يغنّي على ليلاه كما يقول المثل الشرقيّ.هنا تكمن المطاولة المحسوبة لتحقيق المكسب.وبالتالي منْ يقوم بذلك لديه ما يكفي من المعلومات المؤكّدة أنّ ما يقوم به إزاء الآخريعرف حدوده.ترامب عارف بقدرات أوربا بدليل أنه قالها في وجه مستشارة ألمانيا علانية : أنتم أغنياء ومن الغد يمكن لألمانيا زيادة المساهمة المطلوبة في حلف الأطلسيّ.هذا الكلام مبني على معلومات استخبارية.ولا ننسى المخابرات الأمريكية لديها هيئة مختصة باستخبارات الاقتصاد…من هنا { أما الدفع الفوريّ أورفع الغطاء ) فيه تلاقي مع مقولة جورج بوش الابن المتغطرسة : ( أما أنْ تكون مع أمريكا أوضدها ).وهنا لا أتفق مع طروحة حضرتك القائلة : { والحال أنّ ترامب يتجاهل، عامداً وليس عن جهل أو قلة دراية، أنّ ميزانيات الولايات المتحدة العسكرية ليست موضوعة في خدمة الحلف الأطلسي إلا في حدود النزر اليسير}.لأنّ الحماية التي توفرّها أمريكا للغرب ليست بالضرورة رفع السيف أمام الجميع بشكل مباشربل
    ( هيبة أمريكا ) ولو عن بُعد تحقق هذه الحماية للغرب.أمريكا للغرب مثل الفتوة ( الشقاوة ) أيام زمان ؛ وجوده في الحارة ضمان لأهلها من اعتداء الغرباء ؛ ولو لم يظهرفي الميدان مباشرة كلّ يوم.لكن ذلك الفتوة يحصل على مكاسب معنوية ومادية من القوم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left