غاريث ساوثغيت الذي أطاح بإنكلترا تيريزا ماي… كرة القدم: لعبة تسربت إليها السياسة أم سياسة تمظهرت في لعبة؟

ندى حطيط

Jul 13, 2018

طوال شهرٍ كاملٍ توارت البرامج التلفزيونيّة الاعتياديّة عن فضائيات العالم شرقه وغربه ترقباً للحضور الساطع للساحرة الكرويّة المستديرة التي وحدها من بين أنشطة البشريّة تنجح في جمع أعداد المشاهدين الهائلة في وقت واحد عبر جغرافياتهم وطبقاتهم وقومياتهم بل وحتى عبر مناطقهم الزمنيّة المتفاوتة لتتفوق في ذلك حتى على الشمس نفسها سيّدة المجموعة الكوكبيّة التي ننتمي إليها.
عندما يُطلق الحكم صفارته في حضور ساحرتنا المستديرة لا تنطلق مباراة رياضيّة شعبيّة بين فريقين فحسب، بل تتجسّد أمام الجمهور لساعة ونصف على الأقل هويّات قوميّة كنا نحسبها مُتخيّلة في عقول الملايين لنجدها وقد تحولت إلى أحد عشر لاعباً تُصفق لهم قلوب الملايين قبل أن تصفق أيديهم وتصرخ حناجرهم بما أوتيت من قوة كلما نجح أحدهم أو كاد في إصابة مرمى خصمه.

رياضة السياسة

كرة القدم لم تعد مجرّد رياضة تسربت إليها السياسة – التي هي بحكم العادة المتأصلة كما لو أنها الماء الذي يدخل من كل الشقوق، بل هي تكاد تكون في عالم اليوم أشبه بالسياسة وقد اختارت مؤقتاً أن تتمظهر في حلّة مهرجان ذهول جماعي للمتحلقين حول الساحرة المستديرة الذي يستعيد كل منهم هوية قوميّة صارخة الحضور لم يكن ربما ليلقي إليها بالاً سابق الأيّام في وقت لا تزال مسألة تعريف الهويّة القوميّة للشعوب موضوع انقسام حاد بين تيّار متعاظم من المفكرين الذين يرونها نوعاً من فكرة متخيّلة يقرر مجتمع ما تبنيها لأنها تخدم وضعاً قائماً أو يمكنها أن تسند مشروعاً لوضع يسعى ذلك المجتمع لإسقاطه حقيقة واقعة على الأرض، يوازيهم تيار من منظرين لا يزالون يعتقدون بأن الهويّة القوميّة هي إنجاز بشري واقعي يأتي نتاج العيش المشترك وما ينشأ عنه من علاقات بين أفراد ذلك المجتمع في المكان والزّمان المحددين.

ما قبل البريكست:
ما بعد البريكست

ربما يكون الإنكليز تحديداً أقدم الأمم التي شكلت لنفسها هويّة قوميّة واضحة ما تزال حيّة إلى وقتنا الرّاهن بعد ألف عام تقريباً على نضوجها سياسياً وتوحدها فوق القبائل والدويلات. لكنهم من بين كلّ القوميّات التي تمثلت في كأس العالم هذه المرّة، كانوا يعيدون استكشاف هويتهم المشتركة كأمّة، هويّة إنكليزية بهتت أو كادت في ظل اتفاقيّة الإتحاد عام 1707 وتبني الهويّة البريطانيّة كإطار جامع لسكان المملكة المتحدة يجمع القوميّات الخاضعة لحكم الإنكليز – ويلز واسكتلندا ولاحقاً إيرلندا الشماليّة وجبل طارق – تحت راية واحدة تدار من العاصمة لندن وكذلك تملّك التيّار الليبرالي المُعولمِ التوجهات لمقاليد السلطة في بريطانيا خلال العقود الأخيرة – وهو تيار يدفع باتجاه الفضاءات المفتوحة، وتراجع سيادة الدّول لمصلحة الرأسمال العالمي الذي المعمورة عنده سوق هائلة موحدة – دفع بهذه القوميّة التي حكمت العالم يوماً إلى المقاعد الخلفيّة منزوية في الظلام، حتى بدا لوقت بأن الهويّة الإنكليزيّة كما لو انتهت إلى شيء من فولكلور ثقافي مفيد ربمّا في استقطاب السياح لكنه يتوارى على أرض الواقع لمصلحة هويّة بريطانيّة – أوروبيّة الطابع معولمة الأداء. لكن ذلك كلّه تغيّر في يوم وليلة ذات صيف عندما أعادت مسألة البريكست – أي القرار بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – خلط كل الأوراق وشادت انقسامات عموديّة غير مسبوقة بين سكان الجزيرة البريطانيّة أصبحت تهدد ليس بتفكك المملكة المتحدة من خلال استقلال الأقاليم في اسكتلندا وويلز، وعودة إيرلندا الشماليّة إلى إيرلندا جمهوريّة موحدة وجبل طارق إلى إسبانيا، بل وربما انقسام إنكلترا نفسها بين لندن وما هو خارج لندن.
وللحقيقة فإن الفريق الإنكليزي في دورة كأس العالم الحاليّة بنسختها الروسية قدّم أداءً (كرويّاً) لافتاً لم يره جمهوره ربّما من أيام الستينيات الذهبيّة عندما نظمت لندن دورة الكأس عام 1966 وفازت بها.
ورغم أن الفريق لم يتمكن الأربعاء الماضي من تجاوز العقبة الكرواتيّة لمقابلة فرنسا على المباراة النهائيّة، وبدد الفرصة لحمل الكأس الذهبي من جديد بعد غيابه عن منصة التتويج لأكثر من نصف قرن الآن، إلا أن هذا الفريق مدرِباً ولاعبين نجحوا تماماً وبشكل مثير للدهشة حيث فشل سياسيو المملكة المتحدة بجدارة إلى الآن: تقديم شخصيّة إنكليزيّة جديدة معاصرة ليست رهينة للتاريخ الاستعماري، تقدميّة وقادرة على استيعاب الفروقات الإثنية والثقافيّة دون المساس بالأطر الوطنيّة الجامعة، وفاعلة على المسرح العالمي يمكنها تحقيق نتائج ممتازة في مواجهاتها التنافسيّة مع أمم العالم الأخرى. فبعد أن كانت كرة القدم الإنكليزيّة دائماً مسرحاً لإظهار أبشع ما في نفسيّة الأغلبيّة الإنكليزيّة البيضاء من عنصريّة وتطرّف وسلوك أعمى ضد الأقليّات – اعتبر كثير من الإنكليز عام 1984 أنهم فازوا على البرازيل بهدف يتيم 1 – 0 مع أنهم سجلوا رسميّاً هدفين نظيفين لأن الهدف الأول سجلّه لاعب أسود – ، وضد القوميّات الأخرى شريكتها في المملكة المتحدة بل وفي مواجهة العالم أجمع، قدّم الفريق الإنكليزي صورة جد مختلفة: فريق وكأنه جُمع من ثانويات البلاد ولم تفسده تجارة كرة القدم بعد، تشكل من أصول وأعراق مختلفة جمعتها قمصان ألوان عصريّة اختلطت برموز ثقافيّة عتيقة ومشاعر ولاء جميل ويقوده مدرّب شاب – غاريث ساوثغيت – شديد الأناقة، قوي الحضور يتحدث عندما يطلّ على الشاشات التلفزيونية «بعمق ووعي تقدّمي بشأن هويتنا القوميّة على نحو يعجز عنه سياسيو البلاد على تعدد ولاءاتهم الحزبيّة» –وفق إحدى صحف لندن -. ولم يكتف هذا الفريق بشرف المشاركة كما عهده منذ خمسين عاماً، بل كاد أن يكون أحد طرفي المباراة النهائيّة للفوز بالكأس لولا اصطدامه بالجبل الكرواتي المندفع. وقد دعم الفريق في كل مبارياته على الأرض الروسيّة جمهور عريض نافس برقيّ حضوره – رغم بعض الاستثناءات – الجمهور الإيرلندي الساحر ولا يشبه بأي حال جمهور الإنكليز الهولوغانز المشاغبين الذين طالما روّعوا العواصم الأوروبيّة كلما لعب فيها فريق إنكليزي.

إنكلترا الأخرى الجديدة

لقد نجح القائد ساوثغيت باقتدار ليس فقط في إلهام سكان إنكلترا التاريخيّة لبلورة هويتهم القوميّة باتجاه التقدم والعصرنة والغد الأفضل، ولكنه أيضاً قدّم نموذجاً رياديّاً للأمم الأخرى، التي تجتاحها موجة شعبوية تكاد تجرف الأخضر واليابس بإمكان استيعاب الهوية القوميّة للتعدد، وتلاقيها حول العمل المشترك والأداء الرفيع بدل السقوط في مهاترات موروثة من أجواء فورة الفكرة القوميّة كما عاشتها أوروبا القرن التاسع عشر.
لم يتمالك المعلقون على الشاشات في التلفزيونات البريطانية والأوروبية أنفسهم وقد اندفعوا في عقد المقارنات بين إنكلترا تيريزا ماي – العجوز الباهتة والمترددة والفاشلة والمتشبثة بكرسي السلطة من خلال التحالف مع القوى الرجعيّة في البلاد، والتي تُسبب سياساتها الملتبسة بانقسامات واستقطابات غير مسبوقة بين الفقراء والأغنياء وبين الإنكليز وغير الإنكليز وبين ذوي البشرة البيضاء وبقيّة ألوان الطيف وحتى بين العاصمة والأقاليم، وإنكلترا الأخرى الجديدة: إنكلترا غاريث ساوثغيت الشاب الواثق دون تبجح، ابن عصره والقادر بقوّة الإلهام على قيادة فريق متعدد الأصول لتقديم أداء يثير الإعجاب والتنافس مع أمم العالم الأخرى وفي ضيافة العدو الروسيّ اللدود برقي وتحضرّ وأداء مشرق.
لو دُعي إلى انتخاباتٍ عامةٍ غداً، فستفوز إنكلترا ساوثغيت على إنكلترا ماي، وهذا انتصار أهم بمراحل من الفوز بالبطولة الكرويّة الأكبر في نسختها الروسيّة. إذ ما قيمة أن تكسب (كأس) العالم وتخسر نفسك؟

إعلامية وكاتبة لبنانية تقيم في لندن

7gaz

غاريث ساوثغيت الذي أطاح بإنكلترا تيريزا ماي… كرة القدم: لعبة تسربت إليها السياسة أم سياسة تمظهرت في لعبة؟

ندى حطيط

- -

1 COMMENT

  1. *ستبقى (كرة القدم) أهم
    من السياسة بل وتغلبت عليها
    في مواقف عديدة..؟!
    *مثال واحد؛ حاولت بريطانيا تأليب
    الدول الأوروبية وحثها على مقاطعة
    مونديال روسيا وفشلت بجدارة.
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left