المحلل السياسي اللبناني يوسف مرتضى: سوريا ليست أولوية في الاستراتيجية الروسية

حاورته: رلى موفق

Jul 14, 2018

خَبِرَ المحلل السياسي اللبناني يوسف مرتضى السياسة باكراً من خلال انتمائه إلى الحزب الشيوعي اللبناني وتمرس في ثناياه معايشاً عن كثب حال الاتحاد السوفييتي الذي مثل في حزبه لسنوات فأتقن اللغة الروسية ونسج علاقات حافظ عليها مع «رفاق الأمس» من الروس الذين باتوا في مواقع القرار.
مرتضى يبدي قناعة بأن سوريا ليست أولوية في الاستراتيجية الروسية، بل إن عينها على كيفية ضمان أمنها وحدودها من بوابة الحل في أوكرانيا. ما تريده من قمة هلسنكي هو شق الطريق من أجل إقفال الملف الذي أدى إلى استنزافها، ويمكن للصراع ذي البعد التفكيكي أن يحرّك جمر النعرات القومية التي سبق أن واجهتها في الشيشان واليوم في القرم وربما غداً في سوريا، لأن انفلاشها هناك سيصبح نقطة ضعفها وسيرتد صراعها مع «الإسلام السياسي» إلى داخلها.
يرى أن الحل في سوريا بعيد ومترابط مع الحل في العراق وفي اليمن وربما مرتبط بصفقة القرن. ويعتبر أن المسار العام انحداري للنفوذ الإيراني، معرباً عن اعتقاده أن تدويل غزة اقتصادياً وأمنياً سيكون مقدمة لـ«صفقة القرن»، والتي ستُستكمل باعتراف إيران بإسرائيل وسحب كل أدواتها التي تستخدمها في غزة ولبنان، مشككاً في قدرة طهران على اللعب بعامل الوقت نظراً إلى الضغوطات الاقتصادية التي تعيشها في الداخل. وهنا نص الحوار:
○ ماذا يجري فعلياً في الجنوب السوري؟
• ما يجري في الجنوب السوري هو جزء من اتفاق أمريكي ـ روسي ـ أردني ـ إسرائيلي، الهدف منه سحب الذريعة من يد الإيرانيين وأذرعهم العسكرية تمهيداً لإنهاء تواجدهم في سوريا، وهذا الأمر يمنح الإمكانية للجانب الروسي حتى يضغط أكثر، ناهيك عن أن الأردن له مصلحة بذلك، خاصة بعد تفجّر أزمته الاقتصادية، فمعبر نصيب كان يدرّ عليه أكثر من 350 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ كبير. الدول المعنية لها مجموعة مصالح وتضافرت لإبرام هذه الصفقة. لذا نلاحظ انحسار المعارك العسكرية وتقدّم التسويات، بعدما سحب الأمريكيون يدهم بالكامل من أفرقاء المعارضة ودفعوهم إلى الدخول في صفقة التسويات تسهيلاً لإنجاح هذا الاتفاق، الذي يتضمن انتشار الجيش السوري النظامي مع الشرطة العسكرية الروسية على الحدود مع الأردن لتسهيل فتح معبر نصيب. أيضاً هناك مصلحة لبنانية وعربية في فتح هذا المعبر لأنه بوابة تصدير المنتجات اللبنانية إلى الأسواق الخليجية.
○ وهناك تعويم للنظام السوري؟
• سيطرة النظام السوري على هذا المعبر تمثل انتصاراً سياسياً له، بعد أن وضعت المعارضة يدها عليه لسنوات، وهو سيكون مقيّداً لأن قوى المعارضة ستبقى موجودة بأشكال مختلفة تحت ضمانات الشرطة الروسية المتواجدة بشكل مباشر. ثمة فرق بين ما يجري في هذه المنطقة باتجاه الأردن والجنوب الغربي ـ القنيطرة والحدود مع الجولان المحتل ـ هنا إسرائيل ترفض بوضوح أي تواجد لإيران ولميليشياتها، ولا حتى تقبل بتواجد الجيش السوري. تريد تطبيق اتفاقية الهدنة للعام 1974 والتي تنص على منطقة عازلة خالية من الوجود العسكري السوري وعمقها محدد بالاتفاقية مع أنواع الأسلحة التي يجب أن تتوفر مع الشرطة السورية، مع ضمانة روسية بإبعاد إيران وميليشياتها بعدما دخلتها لتأسيس ما يشبه المقاومة الموجودة في الجنوب اللبناني. البعض يتداول معلومات حول أن المحور الإيراني يخفف من تواجده في هذه المنطقة، لكن الجانب الإسرائيلي يبدو غير واثق، وهو يزوّد الروس بمعلومات تؤكد أن عناصر الميليشيات الإيرانية بدّلت ثيابها العسكرية بثياب الجيش السوري للتمويه على تواجدها، وهذا ما يُفسّر الزيارات المتتالية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو، إذ أن الهدف الإسرائيلي يتمثل بانسحاب إيران وأذرعها من سوريا بأكملها. هناك تفهّم روسي لهذا المطلب تمّ التعبير عنه بأكثر من طريقة، كان أبرزها استدعاء بشار الأسد قبل شهر إلى سوتشي لإبلاغه أن بعد الإنجازات التي تحققت في سوريا ضد الإرهاب لم تعد هناك حاجة لوجود قوى أجنبية، موجهة رسالة غير مباشرة لإيران، وغض طرف روسي عن النشاط العسكري الإسرائيلي عبر غارات جوية متتالية ضد القواعد الإيرانية المنتشرة على التراب السوري.
○ وماذا عن الرسائل الروسية المباشرة؟
• زار نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف طهران وطرح مع الجانب الإيراني موضوع انتفاء الحاجة لتواجده في سوريا، بذريعة تجنّب الضغوطات المتأتية من التوجّس الأمني الإسرائيلي، في محاولة لترتيب الوضع. الإيرانيون انزعجوا وصدرت تصريحات من قبلهم تتحدث عن الطعن في الظهر من قبل الروسي بالنسبة لتواجدهم في سوريا ولمسألة أسعار النفط وتسويقه. العلاقات بين الطرفين ينتابها الشك رغم أنهما ينفيان ذلك.
○ البعض يراهن على فصل بشار الأسد عن إيران، هل هذا الرهان في محله؟
• الموضوع ليس سهلاً. حسب معلوماتي أن الأسد لديه رغبة في استمرار التعاون مع طهران رغم الحساسية المتزايدة بين ضباط الجيش السوري وضباط الحرس الثوري والقوى المنضوية تحت عباءته. الأسد يعرف أن القصة لم تنته في سوريا، لا يوجد حل سياسي، هذه كلها تسويات موضعية لأماكن معينة، وضمن إطار «سوريا المفيدة»، فالشمال السوري كله متروك لمصيره وبالتالي هذه مرحلة مؤقتة، وهو لا يريد أن يكون رهينة لأي من الفريقين. مع استمرار المعارك وانتفاء التسوية السياسية، أصبح وجود الأسد ضرورة لكل الأفرقاء ما دامت ظروف الحل السياسي لم تنضج بعد. هناك تعقيدات كثيرة في هذا الموضوع ومصالح متقاطعة ومتضاربة للدول المعنية بالملف السوري، وهذه الأمور المتشابكة ليس من السهل تفكيكها، لذلك الوضع السوري مستمر على حاله من التصعيد والتوتر.
○ مع تواجد الميليشيات الإيرانية بلباس الجيش السوري، مَن سيتحمل المسؤولية إذا خُرق الاتفاق في الجنوب السوري؟
• الجنوب السوري هو إحدى «مناطق خفض التصعيد» في الاتفاق الأمريكي ـ الروسي، وعندما أبرمت الصفقة حوله والقاضية بانتشار الجيش السوري على الحدود مع الشرطة العسكرية الروسية اعترضت بعض قوى المعارضة على هذا الاتفاق، فغض الجانب الأمريكي الطرف عن نشاط سلاح الجو الروسي، وبالتالي الضمانات مطلوبة من الروس. يجب أن يُتابع هذا الاتفاق بالتفصيل حتى لا تكون هناك عمليات التفاف عليه، ولتأمين الضمانات الكاملة للحدود بين الأراضي المحتلة وسوريا ولدرء أي إشكالات ممكن أن تثير الشكوك حول الالتزام به. والدليل أنه عندما صدر كلام بإمكانية التزام الإيرانيين بموضوع الجنوب مقابل عدم الضغط عليهم في كامل سوريا، قصفت الصواريخ الإسرائيلية منطقة القنيطرة حيث تواجُد مجموعات «المحور الإيراني»، وكان هناك موقف صريح لنتنياهو خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو بأنه يريد تطبيق «اتفاق الهدنة» مع سوريا.
○ إلى أي مدى تبدو روسيا قادرة على تقديم ضمانات لهذا الاتفاق ما دامت لا تُمسك بالأرض بشكل مطلق، وكيف يمكن للإيراني «التضحية» بما قدّمه؟
• الإجابة ليست سهلة. الإيراني وتحديداً الحرس الثوري، استثمر في سوريا معظم مداخيل إيران، وهو يتباهى بأنه سيطر على 4 عواصم عربية بينها دمشق. خروجه يعني هزيمة كاملة لهذا المشروع، وموسكو تدرك حساسية الموقف، وأنه ليس من السهل الطلب من الإيراني الانسحاب بهذه السهولة. ولكن حصلت أمور عدة جعلت الخيارات الإيرانية محدودة، أولها انتفاء مبرر تدخلها نتيجة القضاء تقريباً على القوى الإرهابية والتكفيرية، وفق الأسباب التي أعلنتها لانخراطها في الحرب السورية. ثانيها، عندما تُفضي «اتفاقات خفض التصعيد» إلى انتشار الجيش السوري وتسليم المعارضة سلاحها الثقيل والمتوسط لا يعود هناك مبرر للتواجد الإيراني. أما ثالثها، فهي الضغوطات والعقوبات الغربية والأمريكية التي تطال العصب الإيراني، والتي لها ارتدادات كبيرة ومتصاعدة على الداخل، حيث يُعبّر عنها بمظاهرات وأشكال مختلفة من التحرّك، مع توافر معلومات عن أن البند الأول في قمة هلسنكي بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين سيكون حول الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط عموماً وفي سوريا بشكل خاص.
○ في رأيك ما هي الخيارات أمام إيران؟
• الروسي غض الطرف عن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني في سوريا بذريعة أن هناك اتفاقات أمنية مع إسرائيل لا يستطيع إلا أن يلتزم بها. موسكو لا تسمح بحرب مباشرة مع إسرائيل من سوريا، فهي تمسك بالأرض السورية من خلال سيطرتها على الجو. الضغوطات على إيران بشأن الصواريخ البالستية والملف النووي والعقوبات الاقتصادية عليها تعطي الروس هامشاً أيضاً في الضغط على طهران في سوريا. إما أن تستجيب إيران لهذه الضغوطات وعندها الحجج لذلك، مع إعادة النظر بوجودها في سوريا و»العودة» إلى داخل الحدود الإيرانية، أو الهروب إلى الأمام مع ما يعنيه ذلك من توسيع هامش المعركة مع إسرائيل من الأراضي السورية أو الأراضي اللبنانية بغض النظر عن الموقف الروسي الذي سيكون مُحرَجاً. صحيح أنه يُقال أن الإيراني «عقله بارد» ولا يغامر بسهولة، لكن عندما تصل الأمور إلى حد أن ليس عنده إلا خيار الانتحار عندها قد يُجرّب، وهو في النهاية يغامر بغيره وليس بالمباشر، كما يغامر اليوم باليمن من خلال الحوثيين. لكن هل يستطيع تحمّل النتائج المترتبة؟ لا أدري.
○ الإيراني قد يهرب إلى الأمام، ولكن أليس لدى إسرائيل مصلحة بالحرب في لحظة تعتبرها مناسبة لها؟
• من غير الممكن أن يُقدم الإسرائيلي على حرب واسعة من دون الاتفاق مع الأمريكان والروس، وأنا رأيي أن هذا يمكن أن يحدث. هذا ليس مرتبطا فقط بعناد إيران، بل إن هناك ملفاً أكبر بكثير بات يُعرف بـ «صفقة القرن» التي قد يُعلن عنها بعد قمة ترامب ـ بوتين. أحد بنود مباحثات بوتين مع نتنياهو سيطال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وهناك كلام عن أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيحضر قريباً إلى موسكو للاجتماع مع بوتين قبل القمة والمعلومات المتداولة تتمحور حول أن البداية ستكون بإطفاء الصراع ابتداء من غزة، أي من النقطة المشتعلة.
○ سحب الورقة الإيرانية؟
• نعم، وهذا قد يتم عبر «تدويل اقتصادي» لغزة. هناك عروض مشاريع بمليارات الدولارات من قبل كندا وأستراليا وأوروبا، ولكن «سياسة الرخاء الاقتصادي»، كما يسميها نتنياهو، بحاجة إلى ضمانات أمنية ولقوى دولية تحميها، وبالتالي تدويل غزة اقتصادياً وأمنياً سيكون مقدمة لصفقة القرن، والتي ستُستكمل باعتراف إيران بإسرائيل وسحب كل أدواتها التي تستخدمها في غزة ولبنان. جوهر القضية أبعد من موضوع وجود إيران في سوريا الذي هو جزء من هذه العملية.
○ اعتراف إيران بإسرائيل تبدل جوهري واستدارة بنسبة 180 درجة، هل بإمكانها القيام بذلك، وما هو الثمن الممكن أن تحصل عليه؟
• العملية ليست سهلة. الأمريكان يطالبونها بتغيير سلوكها. لمّحوا إلى إسقاط النظام، ويضغطون عليها في الداخل. لأول مرّة يُنظم مؤتمر في باريس لزعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي تضمن إعلان مصالحة بين «مجاهدي خلق» والأكراد الإيرانيين الذين كانوا على خصومة كبيرة سابقاً واليوم اتفقوا وتوحّدوا. هناك أشياء تحدث داخل إيران في بلوشستان والأهواز، والواقع الداخلي صعب جداً نتيجة الضغوطات المالية والأمنية والعسكرية. الأهداف متعددة، من الموافقة على «صفقة القرن» وترتيباتها والانسحاب من سوريا وغزة إلى العودة لداخل الحدود الإيرانية وإنهاء فكرة تصدير الثورة. لكن هل المعادلات الداخلية تسمح بهذا التغيير الجذري في سلوكها وسياستها؟ الأمر ليس سهلاً.
○ ثمّة مَن يعتبر أن إيران ستراهن على عامل الوقت. المشهد انقلب رأساً على عقب منذ وصول ترامب وقد يحصل التحوّل مجدداً.
• في رأيي لا أحد يختار الهزيمة بإرادته، في حالة المواجهة يبقى الفرد يقاوم حتى آخر لحظة طالما لديه القدرة على ذلك. ولكن واشنطن حددت موعد 4 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل لوقف تصدير النفط الإيراني، فكيف ستكون ردّة الفعل، هل بإقفال مضيق هرمز؟ هذه مخاطرة كبرى. هنا عامل الوقت ليس لمصلحتها؟ كيف لإيران أن تصمد في مواجهة هذه العوامل؟ الوضع الإيراني لا يحتمل، خلال 6 أشهر انخفض الريال الإيراني من 42 ألف ريال إلى 90 ألفاً مقابل الدولار الأمريكي، الوضع صعب جداً. هم لن يتنازلوا فوراً، بل سيحاولون إيجاد أشكال مختلفة من التنازل الذي يمنحهم بعض الوقت، كما فعلوا في الاتفاق النووي.
إيران وحلفاؤها في محور الممانعة يعتبرون أن روسيا حليف لهم، لا ليست حليفاً، هي تتقاطع معهم في بعض الأماكن، وتتناقض معهم في أماكن كثيرة. بوتين يقول أن علاقات موسكو الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل في تطوّر. المشهد معقد جداً في هذا المجال وليس من السهل الاستنتاج بشكل حاسم، لكن في رأيي أن المسار العام هو نحو تراجع لما يسمى بـ «محور الممانعة» وللنفوذ الإيراني. هل ينجحون في تمرير الوقت؟ لا أعتقد. في رأيي أننا أمام عام مليء بالتحوّلات الجديدة.
○ على ماذا ستقايض موسكو في قمة هلسنكي؟
• البعض يعتقد أن سوريا هي أولوية في الاستراتيجية الروسية، لكن هذا غير صحيح أبداً. هناك بعض المصالح الروسية في سوريا كونها بوابة على المياه الدافئة ولديها مرفأ، وتمً راهناً اكتشاف حقول غاز في البحر على عمق 200 متر من السهل استخراجها، وممكن أن تعوّض لها ما يمكن أن تفقده في الأسواق الأخرى، لكن روسيا اليوم مستنزفة نتيجة العقوبات عليها في مسألة أوكرانيا. الوضع في أوكرانيا له بُعد سياسي ـ استراتيجي. إذا استمر شرقها منفصلاً عن غربها، والقرم جرى انتزاعها وأصبحت جزءاً من روسيا وتُستَخدم كورقة ضغط قوية على بوتين من خلال فرض العقوبات، فضلا عن الانتشار الأمني الأطلسي على الحدود الأوكرانية ـ الروسية عبر بولونيا والذي يهدد أمن روسيا القومي، فإن ذلك كله يشكل مادة للاستخدام في أي لحظة لإثارة النعرات القومية داخل روسيا، ذلك أن هذا الصراع ذا البعد التفكيكي يمكن ـ إذا تمادى ـ أن ينتقل لروسيا التي هي كما أوكرانيا بلد متعدد القوميات، والعامل الإسلامي فيها قوي وسبق أن أحدث مشكلة لروسيا في الشيشان واليوم في داغستان وفي القرم. القرم كان تاريخياً للتتار وزعيم «تتار روسيا» هو من القرم، والروس قلقون من تحركاته وهو الآن في أوكرانيا، ويحاول الروس ضبطه عبر الأتراك.
○ هل القوى المناهضة للوجود الروسي داخل القرم قوية وقادرة على إقلاق موسكو؟
• هناك مقاومة تترية. التتار يعتبرون أن القرم لهم. ففي الوقت الذي تختلف فيه تركيا مع بوتين، وفي الوقت الذي تتنفس فيه السعودية الصعداء في اليمن ولا تعود بحاجة إلى هذا الغطاء الدولي يصبح وضع روسيا صعباً في مواجهة الإسلام السياسي سواء في سوريا، حيث «انفلاشها» على الأرض سيتحوّل إلى نقطة ضعف عندها ويجعل أمر اصطيادها أسهل في لحظات معينة، ويرتد صراعها مع الإسلام السياسي على واقعها الداخلي من بوابة إعادة إثارة الحركات الانفصالية الإسلامية في القوقاز وغيرها. لذلك بوتين يهمه كثيراً أن يتوافق مع الغرب ومع الأمريكان على القضايا الاستراتيجية، المتمثلة بضمان أمنه وحدوده في روسيا عبر إقفال ملف أوكرانيا ضمن تسوية (هناك «تسوية مينسك») تعيده إلى الغرب كشريك وليس كخصم. الشراكة مع الأمريكي تقفل له احتمالات الخطر المستقبلي عليه في حال اصطدام مصالحه بمصالح بعض الدول المؤثرة في واقعه الداخلي. ويهمه اليوم في قمة هلسنكي أن يؤسس للعودة إلى الشراكة والانتهاء من الخصومة، بحيث يشكل رفع العقوبات عليه مؤشراً على نجاح «الصفقة» بما يؤول مجدداً إلى اتفاق حول الأمن في أوروبا والدرع الصاروخية، وإن كنت أشكك في رغبة ترامب بذلك، لأن مصلحته تقتضي أن يبقى «قابضاً» على أوروبا.
○ بعض الأوساط الأمريكية تقول أن ثمن التسوية قد يكون نوعاً من غض الطرف عن القرم بما يشبه الاعتراف بأنها روسية؟
• أنا أشك بهذا، ستبقى القرم ورقة ضغط. نية الاتفاق غير متوفرة عند الأمريكي. إذا أجرينا قراءة تاريخية للعلاقات الأمريكية ـ الروسية منذ الحرب العالمية الثانية نرى أن أمريكا تريد أن تسيطر على العالم لإدارته بطريقتها. صنّعت القنبلة الذرية حتى تسيطر على العالم، هذه الاستراتيجية لا تزال قائمة، أمريكا تريد تفكيك الاتحاد الروسي. والمطلوب أمريكياً ليس شراكة ندّية مع روسيا، بل تدجينها لتصبح شريكاً بالشروط الأمريكية. تريدها أمريكا مثل فرنسا وألمانيا أو حتى أقل. الأمريكي ينوي كسب الوقت لاستنزاف روسيا وإضعافها كي تأتي صاغرة بشروطه التي تؤمن له السيطرة، وإذا لم تستطع الصمود عليها أن تبدأ بتقديم التنازلات.
○ وهل هي قادرة على الصمود؟
• أنا أخاف أن الذي حدث للاتحاد السوفييتي في أفغانستان يعود اليوم في سوريا لأن المشهد مماثل. مِن غير المستبعد أن يُستنفر الإسلام السياسي في وجه الانتشار الروسي في سوريا. في ظل غياب إيران، لا يستطيع الأسد أن يحكم سوريا. اليوم هناك ضغوطات لعودة النازحين إلى مدنهم وقراهم، للبنان مصلحة لأنهم يشكلون عبئاً اقتصادياً على البلد، والنظام السوري بحاجة لعودتهم لأنه بحاجة إلى مجندين، حتى يتمكن من السيطرة، لكن الذين سيُفرض التجنيد الإلزامي عليهم هل سينصاعون لقرار النظام؟ هم ما زالوا معارضين وممكن أن يُشكّلوا لغماً داخل المؤسسة العسكرية السورية. الوضع معقد جداً، لا توجد إمكانية للوصول إلى حلول إلا عبر تسوية سياسية ترعاها اتفاقات دولية، وأكبر مثال على ذلك تسوية التسوية التي حدثت في لبنان وأوقفت الحرب.
○ كيف ترى انعكاسات قمة هلسنكي على المنطقة؟
• بدأت الانعكاسات قبل القمة، لقد بدأ الكلام بوضوح حول ما يحصل في الجنوب السوري، هذه الترتيبات من المفترض أن تُستكمل على كل الأراضي السورية وانسحاب إيران من سوريا، وهنا ممكن أن يدخل ترامب بـ«Deal» مع بوتين تحت عنوان انسحاب كل القوى الأجنبية من سوريا، بداية إيران وتركيا ومن ثم أميركا وروسيا. إسرائيل تبدي ثقة كبيرة بالأسد وبقدرته على ضبط الحدود وتؤكد أنها لن تمس النظام السوري.
○ وهل من الممكن أن يكون الاتفاق الأمريكي ـ الروسي مدخلاً لتسوية النزاعات، من اليمن إلى العراق وصولاً إلى لبنان؟
• في رأيي أن لبنان غير مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الملفات، فإذا تكلمنا عن اللحظة اللبنانية وموضوع الحكومة وتعقيداتها، نراها غير مرتبطة بهذه اللحظة الإقليمية، لأنه لا أحد ينتظر من قمة ترامب ـ بوتين أن توجد الحل، من الممكن أن تفتح أبواب التسويات في بعض الأماكن لتضميد بعض الجراح ولكن ليس لإنجاز العمليات الجراحية. لبنان اليوم يحظى برعاية دولية وممنوع المسّ بأمنه لأنه ما زال «الفندق» والمركز الذي تُدار منه قضايا المنطقة من قبل الأجهزة الدولية. الوضع الاقتصادي صعب ولكن ممنوع المسّ به أيضاً. مشكلة تأليف الحكومة في لبنان داخلية وليست خارجية.
○ هل تتوقع إعادة إعمار في سوريا قريباً؟
• إعادة الإعمار في سوريا لها شقين، الأول يتعلق بـ «سوريا المفيدة»، حيث المناطق المستقرة الآن، التي من الممكن أن تتم فيها إعادة إعمار جزئية. وقد بدأ الروس ببعض الأعمال مثل محطات توليد الكهرباء في اللاذقية وطرطوس والتنقيب عن النفط في البحر. لكن إعادة الإعمار الفعلية في سوريا مستحيلة من دون حل سياسي، والحل السياسي مستحيل من دون ضمان تمويل إعادة الإعمار. هي علاقة تكاملية. الحل السياسي يعني وقف الحرب، وطالما ليس هناك كهرباء ولا طرقات ولا مياه تبقى أجواء الحرب موجودة. في رأيي أن الحل السياسي في سوريا مرتبط بالحل السياسي في العراق، وبالحل السياسي في اليمن، لكن لا أعرف مدى ارتباطه بـ «صفقة القرن» المتعلقة بالموضوع الفلسطيني، لأنها ستأخذ وقتاً طويلاً. تمويل الإعمار سيكون خليجياً، أوروبياً، أميركياً وصينياً، لكن الصين لن تأتي إلا بالاتفاق مع روسيا.

اقتباسات

إيران أمام خيار التخلي عن «تصدير الثورة» أو شنّ «حرب انتحارية» عبر حلفائها

11HAW

المحلل السياسي اللبناني يوسف مرتضى: سوريا ليست أولوية في الاستراتيجية الروسية

حاورته: رلى موفق

- -

1 COMMENT

  1. نسق التحليل المقترح لتطور الأوضاع في سوريا تتساقط حجارته لأنه يفترض أن أمريكا في التسعينات هي أمريكا حاليا كقوة أحادية في العالم. امريكا التي قامت بغزو العراق واحتلاله غير قادرة حتى على التفكير في مواجهة ايران. امريكا تبحت الأن على كيفية مواجهة الصين القوة الصاعدة في محاولة منها لدفع روسيا الى “الشراكة” وهذه محاولة ترامب البلهاء، فروسيا يليتسين غير روسيا بوتين. مخططات امريكا العدوانية التي تقوم على الاستحواذ على النفط والغاز( الطاقة الأحفورية ) والتحكم في تجارته وصناعته كاساس للتحكم في العالم، هي الأن تتراجع امام سياسة الصين وروسيا القائمة على الشراكة مع الدول المنتجة التي تطمح الى الاستقلال والتحكم في ثرواتها( مشروع طريق الحرير الهائل). ان
    فرص انتصار دول محور المقاومة كبيرة في مواجهة مخططات أمريكا والكيان الصهيوني الغاصب وعملائها في المنطقة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left