ماذا تخفي حروب العائلة الاقتصادية والسياسية في الجزائر؟

ناصر جابي

Jul 16, 2018

حالات الفساد التي يتم الإعلان عنها في الجزائر كلها تؤكد الحقيقة نفسها. وراء كل فاسد عائلة.. إخوة وأبناء وحتى زوجة في بعض الحالات. إنها الحقيقة السوسيولوجية والأنثروبولوجية الأولى التي تفرزها تحقيقات الشرطة والقضاء، وتبرزها جلسات المحاكمات التي تتم لمثل هذه القضايا. محاكمات يغطيها الإعلام الوطني بشكل لافت، لتلبية الطلب الاجتماعي الذي يعبر عنه القارئ الجزائري بمناسبة هذه القضايا الموسمية، التي تحاكم في الوقت نفسه، قيم النفاق العائلي المكرسة اجتماعيا، كما برز في أكثر من قضية فساد سابقة (قضية الخليفة كمثال).
هذا ما يتم تأكيده مرة أخرى، بمناسبة بداية التحقيقات في قضية «الكوكايين» التي تهز النظام السياسي الجزائري هذه الأيام. فالمتهم الأول في القضية لم يكن وحده، فهو مع أخوين له على الأقل، كما جاء في التحقيقات الأولية التي نقلها الإعلام الوطني. في الجهة المقابلة نجد مسؤولين من كل القطاعات تقريبا، ضباطا كبارا من مختلف الاسلاك، قضاة، موظفين كبارا في أجهزة الدولة المختلفة، يذكرون مع أبنائهم المتهمين بأشكال مختلفة في هذه القضية التي مست في الصميم سمعة النظام السياسي الجزائري.
قائمة طويلة تضم أسماء أبناء الضباط الكبار والوزراء والموظفين إلخ، كشف الإعلام الوطني أنهم متورطون بشكل لافت في هذه القضية التي يكون المتهم الأول فيها قد صور فصولها بالصوت والصورة وهو يسلم ويستلم! لاستعمالها وسيلة ابتزاز لاحقا ربما، يريد ضمانها بين يديه «خوفا» من غابة الفساد التي دخلها هذا الجزار، ابن الوسط الاجتماعي الريفي الفقير عنوة، قبل أن يتحول بسرعة الى أحد فاعليها ومنشطيها الرئيسيين.
أشكال وأحجام فساد مهولة لا يمكن تصورها بدون مواقع الأب داخل مؤسسات الدولة المختلفة، التي يعمل المستحيل من أجل الوصول اليها والاستمرار على رأسها، اعتمادا على استراتيجيات عديدة على رأسها الجهوية والمحاباة والشللية. مراكز القرار هذه هي التي تسمح للأب بالتدخل بألف طريقة لمنح امتيازات غير قانونية، من كل نوع، للابن والبنت والأخ وحتى الزوجة في بعض الحالات «كواجهات» لنشاطات اقتصادية، يبقى «سي السيد» بعيدا عنها رسميا. أفراد عائلة عادة ما يفضلون التواجد على رأس شركات خاصة ناشطة في أكثر من قطاع من تلك القطاعات سريعة الربح، التي لا تتطلب استثمارات كبيرة، على هامش القطاع العمومي المترنح الذي مازال رغم ذلك، هو المستثمر الأول في البلد.
إنها الصورة المثالية التي لا تلغي صورا أخرى، تؤكد الاتجاه الثقيل نفسه، العائلة في الجزائر لاعب اقتصادي أساسي وأفرادها فاعلون أساسيون في غابة الفساد التي تنخر الدولة والمجتمع. الحقيقة الثانية أن الفساد حاضر على مستوى جيلين وليس جيلا واحدا. فالاستفادة عادة ما تكون لصالح الجيل الأصغر أي جيل الأبناء، من قبل جيل الآباء الأكبر سنا، كمسهل للفساد. وهو ما يحيل إلى قضية في غاية الأهمية على مستوى التحليل السوسيو- سياسي. فنحن بهذه الصورة نكون أمام عملية إنتاج وإعادة إنتاج لمواقع سيطرة اجتماعية – اقتصادية، وليس عملية رشوة وفساد فقط، محدودة في الزمان والمكان.
هي صورة الجزائر المستقبلية التي يرسم لنا ملامحها هذا الفساد الذي استفحل في المدة الأخيرة. من هنا تأتي الأبعاد السياسية لهذا الذي يحصل هذه الأيام في الجزائر. فنحن امام اتجاهات ثقيلة ستغير من طابع الدولة الوطنية وخطابها وقاعدتها الاجتماعية وعلاقاتها بالمواطنين، بعد ان يُحكم هذا الجيل سيطرته عليها بعد عقدين أو ثلاثة. فبدل الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، حتى نكون أكثر تواضعا، التي وعدنا بها الأب، سنجد أنفسنا أمام رأسمالية متوحشة، يسيطر فيها الابن، اعتمادا على الفساد في الغالب، بعد تدخل ومساعدة الأب. ليس لأن هذا الابن كان الأكثر ذكاء، أو الأكثر تعليما أو ابتكارا، بل لأنه كان في المكان والوقت المناسبين، بالقرب من الأب الحنون وشلته المتواطئة، التي تسيطر على البنك العمومي، الميناء البحري والمطار، في بلد ريعي، يستهلك ما لا ينتج. وكأن قدر الجزائر يجب أن يبقى بين يدي الأب شبه الأمي الفاسد والابن الأفسد.
عملية إنتاج وإعادة إنتاج اجتماعي، كانت قد تطرقت لها النظرية السوسيولوجية مع بيار بورديو وغيره من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، الذين اهتموا لاحقا بما يميزها في منطقتنا العربية، على غرار طابعها «الأبوي المستحدث» (هشام شرابي) الذي تتكفل ضمنه العائلة بإعادة إنتاج قيم الحداثة المشوهة التي تحتاجها. قيم عادة ما تكون مفرخة للعنف كأحد أشكال التعبير عن أزمة هذا البناء الاجتماعي الذي لا يريد أن يقطع صلاته مع ماضيه المأزوم ويأبى/أو يعجز عن دخول الحداثة الفعلية، المبنية على الفرد والمواطنة ودولة القانون. فكانت المآسي التي عشناها على شكل موجات عنف دوري، تماهى فيه السياسي بالاقتصادي والديني بالاجتماعي أكثر من مرة في تاريخنا المعاصر.
عنف وطابع مافياوي سيكون على الأرجح هو المرافق لهذه العملية التي ستخرج من رحمها الجزائر الجديدة، إذا وسعنا نظرتنا إلى التجارب المشابهة لنا والقريبة منا. مما يقلص حتما من أهمية القراءة الأخلاقية التي تسيطر عند البعض وهم مفجوعون تحت وطأة هول المستويات التي وصلها الفساد في الجزائر، في وقت قصير نسبيا، أصبح التواطؤ معه والسكوت عنه، من السنن الحميدة المنتشرة بشكل لافت داخل العائلة، بين أفرادها من الجنسين الكبير منهم والصغير. وهم يشاهدون كيف لم يعد تاجر المخدرات على سبيل المثال، يتحرج في بناء مساجد والقيام بالكثير من النشاطات الخيرية الأخرى كتمويل الحج والعمرة لمئات الفقراء والمعوزين وكأنه يريد رشوة السماء، بعد رشوته للأرض.
كاتب جزائري

ماذا تخفي حروب العائلة الاقتصادية والسياسية في الجزائر؟

ناصر جابي

- -

3 تعليقات

  1. ماكدنا نستفيق من غيبوبة القرن قبل أن نقول كارثة القرن التي لقبها وزير مرموق محظوظ في عالم الكوارث والملفات الملطخة والمدرجة فسادا ماكدنا نستفيق ونحك أعيننا من رقاد ‘ مأساة الخليفة ‘ استرجاعا لأنفاسنا حتي طلت علينا كوارث تتبع بعضها في مسلسل ادرامي العنوان واحد موحد والفصول تنقلب وتتدحرج في موجات متعاقبة كل فصل لايشبه الآخر والمواطن مشدود ‘ مخلوع ‘ يتفرج علي المأساة والدار خربة معرضة للخراب يفسد فيها ‘ الذراري

  2. الفساد فى كل الدولة العربية تخطى كل الأرقام
    والمقايس والارقام القياسية العالمية
    والكل يتفاخر عن كيف سرق ونهب واصبح من عالية القوم
    فى وقت قصير
    وعلى أنغام أغنية احمد عدوية
    الكل بيرقص ويغنى
    حبه فوق وحبه تحت
    يا اهل الله يا اللى فوق
    ما تحنوا على اللى تحت
    حبه فوق وحبه تحت

  3. الفساد المعمم و المقنن و المتوارث و المتكاثر في جميع المؤسسات و عاى جميع المستويات ناتج عن الإستبداد و الرداءة و التزوير و التضليل و الزبائنية و انعدام دولة القانون و المؤسسات و قلة احترام الحريات و حقوق الإنسان و غياب العدالة و عدم الفصل بين السلطات ….
    وكل هذا يعلمه الخاص و العام الداخل و الخارج الفرد و الجماعة الموظف و المؤسسة ينددون به في الجهر و يمارسونه في السر بدرجات متفاوتة لقد مات الضمير و ضعفت الوطنية و انعدمت
    المواطنة و غابت الأخلاف و انقلب سلم القيم و انحرفت التربية و التنشئة الإجتماعية عن أهدافها السامية فعم النفاق و الشقاق و المرائية و التقليد البليد الأعمى و ثقافة المظاهر و الشكليات و الموالاة للشخص و الجهة و العصبة و المذهب بتعصب و عنف و تطرف على حساب المصلحة العامة و الأخلاق و الوطن .
    المطلوب التغيير بالاصلاح و التطوير و التطهير بتدرج و توافق ووفق رؤية و منهجية تعيد تأسيس الجمهورية على مبادئ المواطنة قصد تحقيق الدولة المدنية الحديثة .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left