من يقود انتفاضة العراقيين؟

أمير المفرجي

Jul 17, 2018

إن ما يميز انتفاضة الجنوب العراقي الأخيرة عن سابقاتها في الأعوام المنصرمة، لا سيما في البصرة، المدينة العراقية الغنية في نفطها والأشدّ بطالة وعوزاً لمواطنيها، هو وضوح أسبابها وصدق أهدافها الوطنية، من خلال إعلانها الثورة على النظام الطائفي، وفضح فساده الناتج من هيمنة أحزاب إيران على مقدراتهم وثرواتهم.
شكلت أولوية قيام الجماهير الثائرة في مدينة البصرة وباقي مدن الجنوب العراقي بحرق وتدمير مقار الأحزاب الطائفية الحاكمة، دليلا واضحا على الطبيعة الوطنية العراقية لثورة الجنوب واستقلاليتها عن أي نفوذ خارجي أو حزبي. وهذا ما يعطي لهذا الحدث المهم بعدا وطنيا مشابها للبعد الوطني لثورة العشرين. إذا أخذنا بعين الاعتبار امتداد هذه الانتفاضة الوطنية إلى مدينة النجف كبقعة زيت في اتجاه مدن الفرات الأوسط ومدن كبيرة أخرى كالعاصمة بغداد.
وعلى الرغم من أن أهم أسباب هذه الاحتجاجات التي شهدتها محافظات جنوب العراق هذه الأيام، يكمُن تفسيره في مشكلة الفقر والعوز وانعدام الخدمات الرئيسية كتوفير المياه والطاقة الكهربائية، إلا إن هذا الحدث المهم بتسلسل حلقاته وطبيعة أهدافة، بات يشكل انعطافة مهمة وتحولا سياسيا ومجتمعيا في طبيعة تطور المعارضة العراقية، التي بدأت تشمل وسط وجنوب العراق، لتتحول في النهاية إلى انتفاضة وطنية بكل ما تعنيه الكلمة، انطلاقا من كونها انتفاضة بريئة لم تأت ولم تولد نتيجة لمعارضة سياسية أو توجيهات ودعوات حزبية أو طائفية، كما حاول البعض التنديد بها أو تجييرها لصالحه، بل هي بمثابة بداية يقظة الجنوب العراقي للتحرر من قيود التدخل الإيراني، الذي لم يجلب للعراق سوى الخراب الاجتماعي والاقتصادي، كما إنها البداية التي لا بد منها للوصول إلى توحيد الأهداف الوطنية مع باقي العراقيين، بعيدا عن التمييز الطائفي الذي تفرضه عليهم الأحزاب الطائفية، والرجوع إلى الماضي الذي تردده بعض الشخصيات الحزبية التي ما زالت تحلم بكرسي السلطة، على الرغم من حجم الدمار الذي لحق بالعراق وشعبه منذ خمسة عشر عاما.
ففي الوقت الذي يثور الشارع العراقي، يحاول البعض من الحالمين بقيادة العراق بالوراثة، بالتصارع على كرسي السلطة، سواء كانوا من رجال الدين الطامعين بارتداء صفة القائد القادر على ملء الفراغ الناتج من تفتت الدولة العراقية، واختلال أسسها السياسية، أو من خلال من يستغل علاقته العائلية أو الشخصية الحزبية بالنظام السابق لركوب الموجة، وتقديم نفسه كمرجع وطني للعراقيين، واعداً بقدرته على الرجوع إلى عراق الماضي للعمل على ضبط إيقاع المجتمع وإبعاده عن خطر الطائفية والتبعية لإيران، الذي يُقسم العراقيين، وتثبيت مجتمع متوازن بين كافة مكونات الشعب العراقي.
وهنا لا بد من التذكير بأن طبيعة حكم النظام السياسي السابق ونجاحه لمدة خمسة وثلاثين عاما على البقاء في السلطة، وقدرته في حفظ التوازن الاجتماعي، كان نتيجة لظروف تختلف عن ظروف المعادلة الإقليمية والدولية التي يعيشها العراقيون منذ 2003 ولحد الآن، حيث قلبت هذه الفترة الجديدة موازين التحالفات الدولية رأساً على عقب، لتتحول من تحالفات سياسية بين الدول العظمى ورؤساء الأنظمة، إلى تحالفات قومية ودينية، بين هذه الدول العظمى نفسها وأمراء المكونات القومية والطائفية، وكما هو الحال في العراق، من خلال قدرة هذه القوى في جعل أحزاب رجال الدين، صمام الأمان لاستمرار هيمنتهم على مقدرات العراق ومستقبل شعبه.
من هنا أصبحت عملية بروز شخصية عراقية تتمتع بصفة القائد القادر على جمع العراقيين وإبعاد التشتت والانقسام الديني والقومي أمرا من الصعوبة تحقيقه في ظل التواجد الأمريكي ـ الغربي والإيراني، وتباين الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية لهذه القوى، وتعدد الشخصيات العراقية التابعة لهم في المشهد السياسي العراقي الجديد. لقد ترجمت انتفاضة العراقيين الشعبية ضد الأحزاب الحاكمة من خلال الشعارات المعادية للوجود الأجنبي، الذي لم يجلب للعراق وللعراقيين سوى الخراب والطائفية ونهب الثروات وخيرات الأجيال القادمة. حقيقة الأسباب التي دفعت العراقيين في بدء هذه الانتفاضة الشعبية، وكما جاءت على لسان المنتفضين الذين هم ضحايا احتلال العراق وسرقة ثرواته، وسحق شعبه وإذلاله اجتماعيا وإفقاره اقتصادياً. بعد ان تطور الخلاف الغربي ـ الإيراني وبلغ ذروته ليكشف للعراقيين زيف الديمقراطية والمظلومية التي روج لها الاحتلال الأمريكي والإيراني.
وفي هذا السياق، كان لتأثير تداعيات تصاعد الاختلاف الأمريكي ـ الإيراني في موضوع الملف النووي، والتواجد الإيراني الطائفي الاستعماري في البلدان العربية، الدور الكبير في رفع القيود الطائفية التي تحكم على انتفاضة العراقيين هذه المرة، نتيجة لتدهور العامل الخارجي المسيطر على العراق، من خلال تطور النزاع الإقليمي الأمريكي ـ الإيراني من جهة، والعامل الداخلي المتمثل في ازدياد حدة التوتر والصراع بين الأحزاب المهيمنة على السلطة، بعد تزوير الانتخابات وحرق صناديقها من جهة أخرى. إن حالة العراق الحالية بغياب وجود برلمان وتزوير الانتخابات، ومن ثم إتلافها، تكمن في حالة الانفلات الناتجة من تصدع التوافق الأمريكي ـ الإيراني، الذي ابتلي به العراقيون منذ 2003 لإقامه نظام سياسي طائفي يرضي الفرس والأمريكيين. وهذا بحد ذاته إشارة تغير للمستقبل.
لا شك في ان تداعيات المشهد العراقي المقبل ستثير جدلاً واسعاً حول إشكالية وجود قيادة وطنية جامعة قادرة على قيادة الشعب المنتفض، من غير أن تنحرف إلى طائفيتها وتحزبها، في مقابل ضعف الجيش وتراجع هيبته، وهزائمه وإخفاقاته المتكررة في الموصل والبصرة، إضافة إلى تغلغل الأجهزة الخارجية في أمور المجتمع العراقي، واتساع تأثيرها في صنع القرار بشكل سلبي، نتيجة غياب القيادات السياسية الوطنية، التي ترضي القاعدة الوطنية في الشارع العراقي المنتفض التي يُمثلها شئنا أم أبينا، الشيعي والسني، المسلم والمسيحي والبعثي والشيوعي وكل القوى الوطنية المؤمنة بسيادة العراق، التي تحمل راية الوطن في القلب والضمير.
كاتب عراقي

من يقود انتفاضة العراقيين؟

أمير المفرجي

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left