عندما تأمل أن يكون الخبر زائفا

عبير ياسين

Jul 17, 2018

في رحلة البحث عن المنطق المفتقد، وإدراك المنطق المعمول به على أرض الواقع، من أجل التعرف على المساحات الفاصلة بين ما يفترض أن يكون عليه واقع الأشياء في عالم السياسة والحكم والإدارة، وما هو قائم، تصطدم في العديد من الأوقات بأحداث وأخبار غريبة، التي يغيب عنها المنطق ولا يمكن
تقبلها خارج عالم الأخبار الزائفة.
وقائع تبدو قريبة من تلك المصادفات التي تحدث عنها الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو في روايته «البصيرة» عام 2004، حين يقرر الجميع مقاطعة الانتخابات المحلية، خلال ساعات ممتدة من يوم التصويت بشكل يثير قلق السلطة، ثم يقرر الجميع الذهاب إلى صناديق الاقتراع في التوقيت نفسه، من دون اتفاق مسبق، وتقرر الأغلبية ترك الأوراق بيضاء مثيرة تساؤلات لا تنتهي عن الأسباب والمؤامرات التي تحكم وتؤثر على سلوك الجماهير.
تبدو السلطة في رواية ساراماغو مقيدة في الإطار الفكري، الذي يحدد طرق الفهم والتعامل مع ظاهرة الغياب والحضور والأوراق البيضاء، وفي جهود الاستعداد من أجل إعادة الانتخابات، تبرز بوضوح خطط وضع عناصر أمنية وسط الجماهير بهدف الكشف عن مؤامرة التصويت، والقبض على العناصر المسؤولة، كما تتصور. في حين تشهد لجنة الاقتراع خلال ساعات الانتظار الطويلة، ومحاولة استقطاب أصوات عبر اتصال أعضاء اللجنة والمراقبين بأفراد العائلة، جدلا مركبا بين مصالح فردية تحاول استخدام الحدث من أجل مكاسب سياسية، وبين خطاب علني يستخدم اسم الحزب أو التنظيم الذي ينتمي له أعضاء اللجنة، أو الوطن والشعب في عمومه، حسب الخطاب السياسي المفترض لكل جماعة سياسية. تبدو التفاعلات كاشفة عن بحث خاص عن مكانة، ومخاوف من تهديد مكانة، وكيف يعبر نائب رئيس اللجنة عن نفسه بالمبادرة بالاتصال بالهاتف، وضمان حضور زوجته إلى لجنة الانتخاب، قبل أن يفكر رئيس اللجنة في تلك الخطوة، وعندما يقوم الرئيس بالاتصال لا يستطيع ضمان حضور زوجته، بما يعمق صراع النجاح والفشل في لعبة السلطة.
 تعبر تفاصيل الصراع العلنية والخفية في لجنة الانتخاب، التي لم يحضر لها أحد حتى الساعة الرابعة مساء، عن حالة عامة باختلاف التفاصيل وعدد الأفراد، حيث يتشابه سلوك السلطة مع أعضاء اللجنة، وتبرز كيف يمكن أن يقوم البعض بخطوات، تختلف في مضمونها وتقييمها عن مبادرة ضمان ناخب، من أجل تسجيل مكانة وسبق في التعبير عن ولاء للسلطة، أو قدرة على الصعود، من دون اهتمام بقيمة الفعل وما يمكن أن يتسبب عنه من مشكلات أعمق. يفسر صراع أعضاء اللجنة، بكل ما تمثله من تشكيلات سياسية ومكانة هيراركية، الكثير من المبادرات التي تقدم في الحياة السياسية، والتي لا تتسق مع متطلبات دور المسؤول أو الجهة التي يتولى مسؤوليتها بالضرورة، أو متطلبات اللحظة وكيفية تخصيص الموارد المادية والمعنوية. وبالطريقة نفسها، وفي الوقت الذي تزداد فيه الشكاوى من غياب التأمين الصحي، وارتفاع أسعار الخدمات، بما فيها تلك التي تتعلق بالصحة من مستشفيات وأدوية وغيرها، مع شكاوى المرضى والصيادلة من نقص أو اختفاء عدد من الأدوية، تقرر وزيرة الصحة أن المنظومة الصحية تحتاج إلى إذاعة السلام الوطني، وقسم الأطباء في المستشفيات، وكأنها الطريقة السحرية لحل المشكلات وتحسين الصحة.
جاء قرار الوزيرة مثيرا بالطبع لموجة سخرية، إلى جانب العديد من الانتقادات التي جاء بعضها مباشرا، وبعضها غير مباشر وبشكل متحفظ، على طريقة أفراد لجنة الانتخابات، حين قرر ممثل حزب اليمين في الرواية أن يعبر عن رأيه بتحفظ وإيماءة بسيطة من رأسه، تحسبا لتغير الأوضاع وتجنبا للتعامل مع موقفه من غياب الجماهير عن المشاركة، بوصفه تشكيكا في الوطنية، ومفضلا الاختلاف عن ممثل حزب الوسط الذي ربط بين غياب الحضور والأمطار الكثيفة. وعلى عكس ممثل حزب اليمين في الرواية، الذي فضل التأكيد على ما سماه «روح مواطنينا المخلصة والوطنية»، أكدت وزيرة الصحة على أهمية القرار في «تعزيز قيم الانتماء للوطن لجميع المستمعين في المستشفيات، سواء للمريض أو الطواقم الطبية»، ودافع المتحدث باسم الوزارة عن القرار بوصفه وسيلة «لتعزيز قيم الانتماء وتذكير الأطباء بالمبادئ الإنسانية المنصوص عليها في القسم»، مشيرا إلى قسم الأطباء، مؤكدا على استمرار جهود تعميم السلام الوطني على جميع محافظات مصر بكافة المستشفيات. نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة لجنة الأخلاق وحديث المواطنة القابل للقياس الرسمي والتلقين، والتكرار بوصفه وسيلة للتعليم، حتى في ما يتعلق بالقيم والمبادئ الوطنية والمهنية. وبعيدا عن حقيقة عدم وجود علاقة شرطية بين تكرار السلام الجمهوري والمواطنة، أو تكرار قسم الأطباء والأداء المهني والجودة، يظل السؤال مطروحا حول كيف يتم تهميش الأشياء المهمة وتضخيم الأشياء الهامشية، عندما يراد لها، من أجل إدخال الجميع في مساحات من جدال لا ينتهي ولا يفيد في معظم الأحيان.
وعندما يكون الجدال مفيدا فإن السبب الأساسي عادة ما يرتبط بغياب سبب موضوعي لصدور قرار أو تصريح ما، كما حدث مع قرار وزارة الصحة المشار إليه، أو إلغاء اللغة الإنكليزية من مناهج المدارس التجريبية، التي يتم التعامل معها بشكل رسمي، بالتأكيد على حق المسؤول في اتخاذ القرار وعدم العودة عنه، وكأن الكرسي يسمح بسلطات مطلقة تصدر عنها قرارات حتمية لا تناقش ولا  يتم العودة عنها، حتى لا يشعر المواطن بالانتصار، ولو رمزيا، في تلك المعارك المصطعنة.
في الوقت نفسه، يأتي القرار مخالفا للبيئة المفترض توافرها في المستشفيات والأماكن التي تقدم خدمات رعاية طبية، والتي تطالب بالهدوء وعدم الإزعاج، وتفترض أن حالة المريض النفسية والصحية تحتاج إلى التخفيف من التنبيهات مرتفعة الصوت، التي يمكن أن تزيد من حالة القلق والتوتر التي يعيشها المريض، ناهيك عن فترة ترديد الإذاعة الداخلية للسلام الجمهوري وقسم الأطباء يوميا خلال فترة العمل الصباحية والمسائية. كما أن القرار، مثل غيره من قرارات مشابهة، يخفي الحقيقة ويضيف لفكرة تعظيم قيمة الشكل، ممثلا في تكرار السلام الوطني وقسم الطبيب، على الجوهر، ممثلا في تحسين الخدمة وتوفير العلاج.
وفي الوقت الذي تصدر فيه وزيرة الصحة قرارها وتؤكد أنها لن تتراجع عنه، كما هي حالة المسؤول في شرقنا الذي نعرفه، نقلت الأخبار أول حادث سلبي بسبب القرار، حين طغى صوت السلام الجمهوري وقسم الأطباء على صوت التنبيه الصادر من حضانة أحد الأطفال في مستشفى الوراق المركزي، ولم يتم اكتشاف صدور التنبيه وفقا للأخبار حتى انتهاء صوت الإذاعة الداخلية الخاصة بتفاصيل القرار. وعلى هامش الخبر حذّر البعض من مخاوف ارتفاع الصوت عن تنبيهات مماثلة تخص الحالة الصحية للمرضى، أو دخول حالات جديدة للطوارئ وغيرها من الضرورات التي ترتبط بوظيفة المستشفى الأساسية وهي رعاية المرضى وتقديم خدمة صحية.
يبدو التجاوز واضحا في قرار وزارة الصحة، كما في تفاصيل أخرى كثيرة في المحروسة، وبدلا من أن يكون المسؤول معنيا بشؤون وزارته، أو مصلحته وتحسين الخدمة المفترض تقديمها، ومحاسبته وتقييم عمله بناء عليها، ندخل في مساحات أخرى من الصراع، ومن اختراع الكفتة الشهير الذي اختفى بعد أن شغل الجميع لفترة طويلة، إلى لجنة الأخلاق والمواطن الصالح الذي يفترض أن يقتنع أن الوطنية تتمثل في الاستماع إلى السلام الجمهوري على سرير المرض، أو في طرقات مستشفيات قد ترفض دخوله أو لا تجد الإمكانيات الكافية من أجل علاجه.
يفترض أن تقتنع والدة الشاب أبو النور – 23 عاما- الذي انتحر في أواخر شهر يونيو/حزيران الماضي، بسبب عدم  قدرته على توفير دواء لها، أن المشكلة الأساسية أنه لم يكن لديه قدر كاف من الانتماء والوطنية، ولم يستمع إلى السلام الجمهوري بشكل كاف. وأن يقتنع المريض الذي لا يجد الدواء، أو يتعرض للإهمال من قبل الأطباء، أن المشكلة تتمثل في عدم مرور فترة كافية على تطبيق القرار وتكرار السلام الجمهوري وقسم الأطباء عددا كافيا من المرات، وفقا لنشرة يفترض أن تكمل القرار كما حدد عدد الجرعات اليومية. وأظهر القرار جزءا من الحقيقة عندما أكد بعض المستشفيات عدم قدرته على
الالتزام بتطبيقه، بسبب عدم وجود إذاعة داخلية أو حاجتها للإصلاح، وهو ما يكشف عن وجه آخر من الواقع حين تغيب تلك الإذاعات التي يفترض أن تشارك في عمل المستشفيات اليومي ويكون تواجدها أو تذكر إصلاحها من أجل تطبيق قرار يختلف عن جوهر متطلبات البيئة الصحية.
في روايته يقول ساراماغو معبرا عن الموقف بعد اختيار الأغلبية ترك الأوراق بيضاء، «عمت الحيرة والدهشة، بجانب الاستهزاء والسخرية اللاذعة، البلد بأسره من أقصاه لأدناه»، وهي حالة لا تختلف عن التعامل مع العديد من القرارات التي يصعب تصورها خارج حالة السخرية أو الأخبار الكاذبة، التي يتم الدس بها إلى مشهد معقد وفيه الكثير من صور المعاناة، وتأمل احيانا في ان تكون كذلك، حتى تواجه بأنها حقيقة وجزء من حالة تتراكم فيها القرارات والتبريرات المماثلة، وتغيب عنها الرشادة بدرجات مختلفة.
كاتبة مصرية

عندما تأمل أن يكون الخبر زائفا

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left