لماذا يغرق اللاجئون في البحر؟

د. مدى الفاتح

Jul 18, 2018

شهد شهر يونيو/حزيران الماضي حادثة رمزية، لكن معبرة في الوقت ذاته وقادرة على توضيح حجم التعقيد المتعلق بمسائل الهجرة واللجوء. كانت سفينة «أكواريوس» التي تحمل لاجئين أفارقة ومهاجرين غير شرعيين تقف قبالة الشواطئ الأوروبية، في حين كانت كل من إيطاليا ومالطا تعلنان رفض استقبالها، رغم ما احتوته على متنها من حالات إنسانية لنساء وأطفال ومرضى. بقيت السفينة على سطح البحر لوقت طويل حتى تمت أخيراً الموافقة على رسوها على ميناء فالينسيا الإسباني.
توضح هذه الحادثة كيف أن الاتحاد الأوروبي منقسم ومتناقض إزاء هذه القضية، حيث ينشغل القادة الأوروبيون في كل مرة يواجهون فيها مثل هذه التحدي بإقامة الاجتماعات واللقاءات، التي تتحول لجلسات تبادل اتهام بين الدول الشاطئية الأقرب للبلدان المصدرة للاجئين والمهاجرين، ودول العمق الأوروبي.
مرة أخرى تصبح القوانين الأوروبية التي تفرض على دول «الوصول الأول» تحمل مسؤولية القادمين، غير عادلة بنظر دول كإيطاليا أو اليونان. هذه المرة تجاوز الأمر كل ذلك وصولاً لمحاولات الضغط على الدول الحدودية من قبل دول كفرنسا للقبول بمصيرهم وقدرهم والرضى بما تقدمه لهم دول العمق.
الاتحاد الأوروبي يتحدث بأصوات مختلفة، هذه الحقيقة تجعل من الصعب الوثوق في الصوت الترحيبي لشخصية مثل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في ظل وجود أصوات أخرى مثل الصوت اليوناني أو المجري، الذي وصل حد مناقشة تجريم المنظمات العاملة في مجال مساعدة المهاجرين، أو غير ذلك من الأصوات الصادمة، التي بدأت تفرض نفسها على الساحة الأوروبية، كصوت وزير الداخلية الإيطالي، الذي دعا بلا مواربة لطرد الغجر، بل حتى في ألمانيا التي كانت مثالاً على الاستقبال الإنساني وتوفير فرص العيش الكريم للقادمين، فإن أطرافاً داخلية لا يستهان بها بدأت تطرح مشروعاً مغايراً، يحظى بدوره بالكثير من الشعبية كمشروع حزب «البديل»، الذي بدأ يحقق نجاحات مهمة جعلته يتحول لمنافس حقيقي لتوجهات ميركل. التحدي الألماني ليس استثناء هنا، حيث بدأ اليمين يشكل حضوراً لا تخطئه العين في غالب الدول الأوروبية.
الفكرة التي يمكن وصفها بأنها محل إجماع هي تلك التي تدعو للعمل على منع هؤلاء المهاجرين من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية. يتعلق النقاش فقط بالإجراء الواجب اتخاذه، هل هو تعزيز إجراءات الحماية والمنع والتحصين الحدودي؟ أم تكثيف التعاون مع الدول المتوسطية عن طريق دعم مشاريع إعادة التوطين في دول الممر والعبور، عبر طرح ما يسمى «بمنصات الاستقبال»، أو تقديم دعم تنموي ذكي يشجع القادمين من الدول الإفريقية على البقاء في بلدانهم واستبعاد خيار المخاطرة بالهجرة؟
حالياً تحاول الدول الأوروبية الركض في كل هذه الاتجاهات في وقت واحد، لكن الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، خاصة في دولة محورية مثل ليبيا، إضافة إلى تعمق الخلافات واختلاف الأجندات بين الدول الأوروبية، كل ذلك جعل الأمور تزداد تعقيداً. المشكلة هي أن الدول الأوروبية تقوم بالشيء ونقيضه في الوقت ذاته، فهي ترفض المهاجرين لكنها تدرك أنها ستكون بحاجة لأعداد كبيرة منهم خلال العشرية المقبلة، لمواجهة الفقر الديمغرافي وللمساعدة في الحفاظ على مستويات النمو والرفاه الاجتماعي الحالية. أوروبا تعلن أنها تفضل بقاء الأفارقة في بلدانهم خشية عليهم، بزعمها، من مخاطر الهجرة غير الشرعية والانتقالات غير النظامية، لكنها تقوم بقصد أو بدون قصد أحياناً، بإضعاف الكثير من الاقتصادات الناشئة بدلاً من تشجيعها ومساندتها، حتى حين تفكر بالمساعدة تقوم الدول الأوروبية في الغالب بمساعدة الأنظمة الخطأ، فتأتي مساعداتها تكريساً للاستبداد والظلم الذي يقود في المحصلة لفشل اقتصادي وانسداد في الأفق، يؤدي بدوره إلى تحويل الهجرة، مهما كانت مخاطرها، لخيار وحيد.
في الأيام ذاتها التي تناقلت فيها وسائل الإعلام مأساة السفينة أكواريوس، كانت القناة الفرنسية «فرانس 24» تعرض تقريراً عن دور الدول الأوروبية في إفقار المياه الإقليمية السنغالية عبر ممارسات الصيد الجائر وغير المرشّد للأسماك، الذي قضى على جزء كبير من هذه الثروة التي طالما تمتعت بها السنغال. هذا الإفقار أدى لأن يفقد الآلاف من الصيادين مصدر دخلهم التقليدي، كما أدى لتعطيل حلقة اقتصادية مهمة مرتبطة بتجارة السمك. في نهاية التقرير كان معظم الشباب الذين تمت الاستعانة بشهاداتهم، يرون أن الأمل الأكبر لإنقاذ مستقبلهم يكمن في ركوب البحر والمجازفة بعبوره، وإن كانت المخاطر لتحقيق ذلك لا تخفى عليهم.
على الصعيد العالمي فإن هناك الكثير من المنتديات التي تعقد على مختلف المستويات لمناقشة هذه القضية، لكنها في الغالب لا تستطيع الوصول إلى إجابة على أسئلة بسيطة مثل السؤال عن الفرق بين اللاجئ والمهاجر، ولماذا يتم خلط متعمد بينهما، فيتم وصف اللاجئين السوريين، أو غيرهم من المحاصرين الهاربين من جحيم الحرب بالمهاجرين، ما يجعلهم في خانة واحدة مع طلاب الهجرة الاقتصادية والباحثين عن تحسين أوضاعهم أو عن وطن آخر بديل؟ لدهشة المتابع فإن الإحصائيات المعتمدة تخبرنا أن أهم دول استقبال اللاجئين ليست الدول الغربية، بل دول العالم الثالث التي تحظى بحظوظ أقل على صعيد الموارد الاقتصادية. القارة الإفريقية لها في هذا نصيب الأسد حيث تستقر الغالبية العظمى من الهاربين والناجين من ويلات الحروب والنزاعات الإفريقية في البلدان القريبة الجارة، ولا ينتقل إلا عدد قليل جداً منهم إلى البلدان الأوروبية، إما بطرق المخاطرة غير الشرعية، أو عن طريق آليات «إعادة التوطين» التي تظل محدودة.
بدأت المجهودات الإفريقية تجد بعض التقدير من قبل المجتمع الدولي، فما تقدمه المجتمعات الحاضنة والمستقبلة للاجئين يظل كبيراً مقارنة بوضعها الاقتصادي، رغم ذلك فإن هذا المجتمع لا يتوقف عن الضغط طلباً لتقديم المزيد. مشكلة أخرى تواجه المنظرين الغربيين حين يطالبون دول الاستقبال بتوحيد معايير التعامل مع الوافدين لجهة توفير السكن اللائق والعمل والإعاشة، وفي هذا قفز مضحك على الواقع ولا شك، لأن العمل على توفير الموارد اللازمة لتوفير احتياجات القادم الجديد يجب أن يتسق مع مجهود دولي لدعم اقتصاد هذه الدول، فليس من المعقول أن تطالب دولة يعيش نصف أو معظم سكانها عند خط الفقر بتوفير حياة رفاه للقادمين، قياساً على ما يقدم في دول الاتحاد الأوروبي أو كندا على سبيل المثال.
موضوع المعايير الموحدة هذا وبخلاف كون أنه غير واقعي فهو لا يفعل غير تعقيد ما هو معقد أصلاً، خاصة حين ندخل في متاهات فلسفية تهدف لتعريف ماهية هذه المعايير، وعما إذا كان من الممكن الاستعانة بالبنك الدولي، كجهة محايدة، لإجراء المسح اللازم وعمليات التقييم، وهو ما ستتفرع عنه بالضرورة أسئلة جانبية حول ما إذا كانت هذه المؤسسة الدولية محايدة فعلاً.
بحسب تشريعات اللجوء الدولية فإن الإرجاع القسري للاجئين غير قانوني، وتحت هذا القانون تطالَب الكثير من دول العبور بالإبقاء على أعداد كبيرة من العابرين، لكن في المقابل فإن القليلين فقط يناقشون عمليات الإرجاع التي تقوم بها الدول الغربية، خاصة دول الاتحاد الأوروبي التي لا تعجز عن ابتكار مسوغات لتنفيذ هذه العمليات.
في الأخير يجب القول إن ما يضعف مخرجات كل لقاء أممي أو منتدى يعقد لمناقشة هذه القضايا هو كونها تأتي ضمن الإطار الطوعي غير الملزم، وذلك يجعل حتى من الوثائق الأممية المحترمة، كالميثاق الدولي للجوء والهجرة الذي تهدف المجموعة الدولية للتوصل إليه هذا العام، مجرد توصيات طيبة، لكن بلا ممسكات.
كاتب سوداني

لماذا يغرق اللاجئون في البحر؟

د. مدى الفاتح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left