انتفاضة جنوب العراق: قراءة في المعطيات الأولية

صادق الطائي

Jul 18, 2018

منذ نهاية شهر يوليو/تموز 2015، قبل ثلاث سنوات، ومع وصول درجات الحرارة في العراق الى معدلات الـ 50 درجة مئوية، اشتعل الحراك المدني في بغداد وبعض مدن العراق، بسبب سوء خدمات الكهرباء والماء والاتصالات، وتدني الوضع الاقتصادي وهشاشة الوضع الأمني، الذي ما برح ينفلت هنا أو هناك، ليتساقط ابناء الشعب المكلوم ضحايا لتفجيرات العبوات الناسفة وأكداس العتاد المخزنة بين بيوت الفقراء والسيارات الملغمة والانتحاريين في مواسم لا تبدو لها نهاية.
مع التهاب صيف العراق هذا العام، اشتعلت موجة عنيفة من الحراك المدني، انطلقت من مدينة البصرة النائمة على ثروات العراق، المدينة التي أنهكها الماء المالح غير الصالح للاستعمال الآدمي، وانقطاع الكهرباء الذي يمتد لعشر ساعات في اليوم، والبطالة التي رمت بنصف شباب المحافظة إلى الشوارع لتتلقفهم عصابات الجريمة المنظمة، ومعارك العشائر المسلحة، والانضواء تحت جناح الميليشيات المتطرفة. البصرة التي تجهز خزينة العراق بحوالي 65% من وارداته المالية المعتمدة بشكل رئيسي على تصدير البترول، يقتلها الجوع والفقر والجهل، وتدني الخدمات، لتمتد منها شرارة الاحتجاج بعد أيام إلى مدن الجنوب والوسط، كالناصرية والعمارة والكوت والديوانية والسماوة، وصولا إلى المدينتين المقدستين النجف وكربلاء.
إذن دق ناقوس الخطر وكشف أكذوبة حكومات ما بعد 2003 التي تدعي أنها تحكم باسم الأغلبية الشيعية، فقد أظهر حراك المدن ذات الاغلبية الشيعية اليوم، أن الطبقة السياسية الفاسدة المتنفذة المسيطرة على رقاب الخلق لا علاقة لها بطائفتها أو دينها أو قوميتها، إنما هي احزاب تجمعت فيها القطط السمان التي نهبت المال العام، ولم تقدم بالمقابل حتى الحد الأدنى لمن انتخبها وأصعدها إلى سدة الحكم. لكن من جانب آخر يتخوف العديدون من الانفلات الذي قد يحصل مع تنامي الانتفاضة الشعبية، أو من احتمالية الصدام المسلح بين القوات المسلحة والأهالي الذين باتوا يمتلكون ترسانات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وربما قاد ذلك إلى دوامة حرب أهلية جديدة.
إن ما كتبه الكاتب العراقي محمد غازي الأخرس في صفحته على الفيسبوك يمثل أوضح توصيف لمحنة المراقب للوضع العراقي، إذ قال «الفقراء ينتفضون، المحرومون ينهضون من أكفانهم ، لن يوقفهم شيء. لا يوجد صدام هذه المرة ليدفنهم أحياء، ما يجري يبدو وكأنه انفلات وسقوط للنظام السياسي في الجنوب. هل الحرب الأهلية هي البديل؟ هل بمستطاع الجيش حسم الأوضاع؟ هل يملك النظام السياسي إمكانية إصلاح نفسه؟ هل الشعبوية الجارفة هي الحل؟ لا أدري، ثمة هاجسان يتنازعان في صدري، الخوف على البلاد، والفرح والحماس لهذا الحراك الجماهيري العظيم».
دوامة العنف تصاعدت منذ اليوم الأول، عندما هاجم المحتجون مقرات الحكومات المحلية في المحافظات، وقطعوا طرق المرور السريعة التي تربط محافظات الجنوب ببغداد بإشعال الإطارات، كما هاجم بعض المحتجين مباني لمقرات أحزاب السلطة، لكن الخوف ابتدأ مع توجه المتظاهرين الغاضبين إلى بعض المرافق المهمة، مثل شركات النفط في ضواحي البصرة، ومهاجمة مطار النجف وتدمير صالاته، ما دفع بعض منتسبي القوات الأمنية والجيش إلى إطلاق النار على المتظاهرين، فسقط جراء ذلك عدد من المتظاهرين قتلى وجرحى، ما أدى الى تصاعد التظاهرات واستدعى تدخلا حكوميا سريعا.
الخطر الكبير استشعرته بعمق حكومة تصريف الأعمال التي يقودها حيدر العبادي، حكومة ضعيفة تقود بلد يمر بهذا الوضع المتوتر، لذلك توجه العبادي مباشرة الى البصرة قادما من بروكسل، التي كان يحضر فيها مؤتمرا عالميا لمحاربة إرهاب «داعش». زيارة رئيس الوزراء كانت واضحة التوجه في مساع لتهدئة الاحتجاجات المندلعة على خلفية مقتل الشاب المتظاهر أسعد حمد المنصوري، الذي قتل في حقل باهلة النفطي شمال البصرة ‏بنيران القوات الأمنية التي تحمي الشركة ومنشآتها، عندما هاجم المتظاهرون مباني الشركة فحصل تبادل ‏لإطلاق النار أدى إلى مصرع المتظاهر المذكور.
لكن العبادي لم يلتق بأي وفد من المتظاهرين، بل ‏اجتمع مع قيادة العمليات العسكرية للمحافظة، حسبما نقلت وكالة الانباء الفرنسية. وقال في مؤتمره الصحافي، إن «هناك عناصر مندسة تريد الإساءة للتظاهر السلمي والقوات الأمنية»، مؤكدا حرص الحكومة على توفير الخدمات في البصرة بشكل سريع. وأضاف أن «المواطن البصري لن يعرض أمن محافظته للخطر، وهو أحرص عليها من غيره». ولامتصاص النقمة التي وصلت حد الانفجار، أصدر العبادي سبعة قرارات من بينها، حل مجلس إدارة مطار النجف وتخصيص 3 مليارات دولار للبصرة، ووجه باستخدام الميزانيات المتوفرة حاليا لتحلية المياه، وحل أزمة الكهرباء، وتوفير الخدمات الصحية اللازمة.
كما صرح العبادي قائلا: «شكلنا بأمر ديواني لجنة عليا لإعمار البصرة برئاسة رئيس الوزراء ومشاركة الحكومة المحلية، وإن شاء الله نتعاون جميعاً لإنجاز هذه المهام». كما قرر توفير الميزانية اللازمة لحل أزمة الكهرباء في المحافظات المنتفضة، وتوفير وظائف للعاطلين عن العمل وفق نظام عادل، بالإضافة الى زيادة حصص مياه محافظات البصرة وذي قار والمثنى والديوانية.
هذه القرارات جاءت بنتائج عكسية، وزادت من غليان الشارع أكثر وأكثر، لأن الشارع الغاضب عزى قرارات العبادي الى احتمال من احتمالين، الاول ان الحكومة تملك الحلول والاموال اللازمة، لكنها لم تتحرك لتنفيذها إلا بعد ان أجبرها خطر وجدية المظاهرات على ذلك، لذلك يرى المتظاهرون ضرورة الاستمرار في التظاهر حتى تحقيق كل الأهداف. والاحتمال الثاني، أن قرارات العبادي ستكون مثل سابقاتها، وعودا فارغة لامتصاص النقمة، ولن يرى المواطن أي تغيير بعد ان تتفرق المظاهرات وتعود سيطرة الحكومة على الشارع، والنتيجة ايضا ضرورة عدم إيقاف التظاهر بسبب غياب الثقة بوعود الحكومة.
ومن اللافت أنه مع تصاعد الضغط وامتداد وتوسع المظاهرات الى مدن كثيرة، لجأت الحكومة الى قطع خدمة الإنترنت عن العراق لتحجب تواصل المتظاهرين وتمنع صوتهم من الوصول إلى الخارج عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية للناشطين، ومن جانب آخر ولامتصاص غضب الشارع لجأت حكومة العبادي إلى إقالة عدد من القيادات الامنية والعسكرية التي اتهمت بإعطاء الأوامر بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. فقد أعلن في بغداد يوم الاحد 15 يوليو الجاري أن وزير الداخلية قاسم الاعرجي أقال قائد شرطة محافظة النجف، وكلّف اللواء علاء غريب بإدارة شؤون مديرية شرطة المحافظة، جاء هذا الإجراء بعد ساعات من إقالة رئيس الوزراء حيدر العبادي قائد عمليات البصرة اللواء الركن جميل الشمري من منصبه، وإجراء تحقيق عاجل بشأن إطلاق النار على المتظاهرين.
كما تجدر الإشارة الى ظاهرة قديمة متجددة باتت تقفز أمامنا مع كل حراك عراقي، وهي ما بات يعرف بمناضلي لوحة المفاتيح «الكيبورد»، الجالسين في منافيهم البعيدة يشعلون من خلف الشاشات حماس المتظاهرين المظلومين، مطالبين الخارجين في ساحات الاعتصام بالقتل والسحل والتدمير، وتجدهم كما وصفهم كاتب عراقي بـ»مناضلي اسكندنافيا» الذين يضخون حماسا ثوريا افتراضيا فارغا، وكانت آخر زيارة قام بها المناضل للوطن قبل سنوات لينجز معاملة تقاعده الوهمي، وعاد متذمرا من حر وقذارة وتخلف الوطن، ليجلس بعدها ويناضل بالنقر على مفاتيح «الكيبورد» وهو مرتاح الضمير. وفي الجانب الآخر، هنالك من هاجم المتظاهرين، وأيضا عبر النقر على لوحة المفاتيح ، متهما إياهم بأنهم هم من اختاروا الاحزاب الاسلامية التي نهبتهم ‏في كل الدورات الانتخابية، وبالتالي ليس من حقهم الخروج والتظاهر، لأن ما حصل هو نتاج طبيعي لما زرعته أيديهم ونتيجة حتمية لتخلف خياراتهم.
لكن يبقى هنالك التعاطي الموضوعي مع الامر، الذي يحاول أن يكون دقيقا وعلميا في توجيه النقد للحراك الحالي، فقد تركزت الانتقادات على غياب القيادة وعدم وضوح الرؤية السياسية للحراك الشعبي، أو الانتفاضة، لأنها حتى الآن لا لون او اتجاه سياسي واضح لها، ولم تستطع أي من الاحزاب أو الحركات المعروفة من ركوب موجتها، وربما يحسب البعض ذلك لصالح الحراك. لكن هل يعني ذلك أن توفير المطالب المحددة بالخدمات من ماء وكهرباء وأمن وفرص عمل ستنهي هذه الاحتجاجات في حال تنفيذ الحكومة وعودها؟ أم إن الأزمة باتت أعمق واكبر من ذلك؟ أزمة تتمثل في فساد استشرى في كل مفاصل العملية السياسية، ولن ينجح معه حل توفير الخدمات، بل يجب اللجوء الى حرق كل شيء كما يصرخ ثوريو الامس، الذين ينفخون في كور الازمة اليوم؟ وإذا اشتعلت نار ما يسميه البعض اليوم «الثورة» فهل يمتلك أحد رؤية لما سيكون عليه الحال بعد الحريق؟ أم إن مرارة ظلم الفاسدين وتسلطهم على رقاب العباد أوصل المواطن البسيط الى ان يكفر بكل شيء ويتحول الى كرة نار غاضبة تحرق كل ما يواجهها بدون ان تحسب حساب لما سيأتي في المقبل من الأيام؟
كاتب عراقي

انتفاضة جنوب العراق: قراءة في المعطيات الأولية

صادق الطائي

- -

1 COMMENT

  1. يجب محاربة الثالوث الشيطاني وهم الفساد والطائفية وايران!!! فإيران من أدخلت الطائفية والفساد للعراق لتدمير الديموقراطية فيه! ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left