الأردن: عن أي «عقد اجتماعي» تتحدثون؟

بسام البدارين

Jul 18, 2018

حاولت بشغف واخفقت طبعا في تلمس مظاهر الحكمة العميقة في خطاب الحكومة الأردنية الجديدة المكثف والمتواصل عن ما يسمى بمشروع العقد الاجتماعي الجديد الذي طرح في الشارع كقنبلة دخانية بدون تفاصيل وتركت الملامح والهوية والتوقعات والتكهنات لخيال المجموعات والنخب السياسية.
تصوري الشخصي أن رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز خطط جيدا لجذب الانتباه عندما تحدث قصدا وبإلحاح وعدة مرات وخلال كل المشاورات عن البند الأبرز في خطة حكومته وهو بناء عقد اجتماعي جديد.
هذا التخطيط أغفل قصدا التفاصيل في أسلوب نادر الاستخدام يجذب انتباه الداخل والخارج ولا ينطوي على أي التزام بأي نص محدد وبصورة توفر هوامش للمناورة والتفاوض لاحقا.
عملية الرصد تبدو مضجرة عندما يتعلق الامر بمحاولة هوسية لفهم ما الذي يقصده ويريده المقيم الجديد في الدوار الرابع في عمق العاصمة عمان او ما هي تلك النوايا التي يحتفظ فيها الشريف الجديد في لعبة المدينة السياسية والتي يمكن ان تتطور لتصبح لعبة مدنية وليست لعبة مدينة فقط.
بكل حال وحده دون بقية الوزراء خرج وزير الشؤون القانونية مبارك أبو يامين ببعض التفاصيل على إحدى الشاشات وهي تفاصيل تجاهلها الإعلام الرسمي كما تجاهلها الناطق الرسمي بإسم الحكومة.
ما نفهمه من تفصيلات أبو يامين العلنية عندما يتعلق الامر بشرح بعض ما تفهمه الحكومة عن العقد الاجتماعي الجديد هو إقرار السلطة بوجود حاجة ملحة وطنية لمراكز بحث عميقة تساهم في توفير المعطيات والمعلومات.
ذلك يعني ببساطة شديدة أن القرارات في الماضي كانت تتخذ دون بحث وتعمق حيث لا يوجد ضمن عادات وتقاليد الإدارة البيروقراطية في الأردن ما يوحي أن عملية البحث الدقيقة في اصلا جزء من صناعة القرار.
وذلك قد يعني أن ما تحاول حكومة الرزاز لفت النظر إليه أنها وزارة مختلفة وتؤمن بالرقم والحقيقة وستمنح الفرصة لعملية البحث والتقصي والتعمق قبل أي قرار إداري أو سياسي أو تشريع.
هنا حصريا ما كشفه عمليا أبو يامين هو ضرورة الحاجة لوجود مؤسسة وطنية مستقلة وتحظى باستقلالية قانونية وظيفتها تزويد صانع القرار بدراسات عميقة لها علاقة بكل ما ينتج من آثار وتأثيرات وتداعيات عن أي تشريع أو قرار.
بالمقابل تبدو الحاجة ملحة لتطوير ذراع حكومي يقدم اساسا للبحث الاستراتيجي في التفاصيل مادام مركز الأزمات الوطني تدار فيه الأمور بذهنية القلعة ووفقا لمسطرة بمقياس امني وليس بيروقراطيا أو علنيا ومادامت المؤسسات الحليفة والشريكة للحكومة تصر على الاحتفاظ بالمعلومات لذاتها او تنافس في عزلها عن أي حكومة.
تبدو تلك خطوة اصلاحية بامتياز خصوصا وقد سمعت رموزا في الحكومة تقر وتعترف أن القرارات في مقر رئاسة الوزراء سواء كانت ادارية او تشريعية أو سياسية تتخذ بالعادة بدون دراسة تأثيرها على المجتمع والاقتصاد الوطني والناس وبقية المؤسسات وبدون وجود فريق من الباحثين العميقين خلف الستارة من أصحاب الكفاءة المهنية.
وتبدو الخطوة إصلاحية لكنها اشبه بتجربة الهيئة المستقلة للانتخابات التي ولدت كجسم دستوري جديد لكن سرعان ما رفض جسد الدولة البيروقراطي الهيكلي الترحيب بها أو التعاون معها الا بعدما خضعت للمألوف والسائد ومشكلة الأردن عمليا وحصريا في المألوف والسائد.
مثل هذه المؤسسات لا يمكنها العمل حتى وان ولدت ونشأت بحسن النوايا فقط فلا بد بكل حال من حصانة دستورية لها ومن إرادة سياسية مختلفة عن ما سبقها.. بدون ذلك نتحدث مجددا عن مؤسسات جديدة تقترحها الحكومة لتنظيم ومأسسة فكرتها عن العقد الاجتماعي بدون مضمون حقيقي او عن مؤسسات سرعان ما تخرج عن الخدمة والسكة عندما يخضع جهازها أو رموزها للمحاصصة الكلاسيكية المريضة أو لاعتبارات الأمنية المحافظة بمعنى ولادتها ثم إدخالها إلى نفس الماكينة المعروفة سابقا في انتاج دجاج بالمعنى السياسي وليس توصيات أو برامج يمكنها مغادرة منطقة التدجين المعتادة.
واضح تماما ان الرزاز تقصد الاحتفاظ ببعض التفاصيل حتى يختبر الأجواء والمناخات.
وأغلب التقدير ان ما تبادر للذهن العام فور ترديد عبارة العقد الاجتماعي قد لا يكون له علاقة بالعقد الاجتماعي الأول بين القبائل الأردنية والملك المؤسس وقد لا يكون له علاقة بأية افكار ومقترحات لها علاقة بتعديل الدستور أو بتنظيم صيغة لعلاقة جديدة بين الحكم والمحكومين فذلك تفسير بجرعة تفيض عن المقصود والمطلوب.
وهو بكل الأحوال تفسير تحريضي من المرجح أن رئيس الوزراء يعرف ذلك ويحاول إدارته بطريقته عبر الاحتفاظ في التفاصيل والتأشير على ان ما يقصده بالحديث عن العقد الاجتماعي هو تنظيم العلاقة بين الحكومة والمواطنين وليس بينهم وبين الحكم.
عنصر الجذب تحقق تماما بهذا المعنى عندما لفت الرزاز انظار المجتمع الدولي والمجتمع الداخلي لمشروعه في العقد الاجتماعي والذي ورد أصلا في خطاب التكليف الملكي لحكومته.
بعد الجذب وبضوء ما كشفه الوزير أبو يامين من بعض التفاصيل تصبح الفرصة مواتية للتفاوض وحتى للمساومة السياسية الشرعية وفي أغلب الزوايا لمقايضة محتملة بين التيار المحافظ النافذ وحكومة الرزاز.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن: عن أي «عقد اجتماعي» تتحدثون؟

بسام البدارين

- -

2 تعليقات

  1. أيها الناس لماذا انا وغيري مجبرون على الانطواء تحت عقد اجتماعي تم بين ( القبايل الأردنية) وهنأ اركز على القبايل التي كانت تتصف بالبداوة في ذالك الوقت الذي كان فيه القبيلة والشيخ هو صاحب الرأي، وبين الملك الموسس المتخرج والمدرب في المدارس الإنجليزية، ، ماذا نستخلص من هذا العقد الغير متكافئ؟ أن الأوان بل لزم وبالضرورة الملحة ولمصلحة المواطن والوطن صياغة عقد جديد بين الشعب والحاكم ……..اردني

  2. مفهوم العقد الاجتماعي له علاقة بطبيعةالعلاقة با الحاكم والمحكوم وهنا يمكن ان تبدأ مما نص عليه الدستور والذي يقول ان الشعب هو مصدر السلطات وان نظام الحكم هو نيابي قبل ان يكون ملكي . .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left