فضاءان لزمن واحد

سعيد يقطين

Jul 18, 2018

علاقة أي ثقافة بالفضاء والزمان وثيقة. ومع ذلك يمكن أن نجد في زمن واحد ثقافتين أو أكثر تبعا لتبدل الفضاءات وتغيرها. لطالما ميزنا بين الثقافة العالمة والشعبية، ولم نلتفت إلا قليلا للتمييز بين ثقافة المدينة والبادية.
إن الفضاء يحدد نوع الثقافة والسلوك الاجتماعي والقيم تبعا لخصوصيته وتميزه عن غيره من الفضاءات التي قد تتقاسم معه الزمن نفسه. ويبرز هذا التمايز في أوقات معينة، خاصة في الصيف حيث يتعزز هذا الاختلاف، ويؤكد أن الفضاء الثقافي يلعب دورا كبيرا في تعيين الأنشطة الثقافية وتحديد نوعيتها ووظيفتها الاجتماعية.
أمهاتنا كن يجدن في الصيف مشكلة «تحرر» الأطفال من «اعتقال» المدرسة لهم خلال الفصول الثلاثة الأخرى. وكانت كل واحدة تفكر في طريقة ما لجعل الصيف يمر بدون متاعب. فالعطلة الصيفية أو «التحريرة» كما كانت تسمى تطرح مشكلة أين يمكن قضاؤها؟ وكانت بعض الأمهات يقررن بعث أطفالهن إلى البادية، تجنبا لما يمكن أن يقع من اختلالات تؤدي إلى الضياع والتسكع. أما الآن فصارت إمكانات التخييم والذهاب إلى الشواطئ تفرض نفسها، مع تطور وسائل النقل وتغير أنماط الحياة. كما أن هيمنة المراكز التجارية الكبرى، خاصة في المدن الكبرى، وما توفره من إمكانات للترفيه ولعب الأطفال، جعل بالإمكان تزجية الوقت مع الأسرة بين الفينة والأخرى بدون متاعب، إلى جانب بعض المهرجانات الثقافية التي تعقد في مختلف المدن الشاطئية وغيرها.
إذا كان الصيف يعني، في البادية، نهاية أشغال السنة من الحرث إلى الدراس، نجد تثمين مجهودات سنة من الكد والعمل يتجلى في الاحتفالات الشعبية بالأعراس، والمواسم التي تؤجل لتقام في الصيف. كما أن فرصة الذهاب إلى الأسواق الأسبوعية تصبح متاحة للجميع، وحتى النساء والأطفال. هكذا نجد توازيا بين عالمين وفضاءين مختلفين في آن: فهناك من جهة المراكز التجارية والمهرجانات الثقافية، ومن جهة أخرى الأسواق الأسبوعية والمواسم والأعراس.
جاءتني ثلاث دعوات لحضور ثلاثة مهرجانات ثقافية في نهاية هذا الشهر في ثلاث مدن شاطئية. وفي الوقت نفسه جاءتني دعوتان من أقارب وأصدقاء لحضور ثلاثة مواسم ثقافية في منطقة الشاوية، ولأنني التزمت مع تلك الجمعيات فقد اعتذرت عن الذهاب إلى تلك المواسم، لتزامنها مع تلك المهرجانات، وفي قلبي غصة من استحالة حضور أحد تلك المواسم. جعلتني تلك الدعوات أتأمل الفروق بين المهرجانات والمواسم، وثقافة المدينة والبادية. وحين أربط ذلك بما كان ساريا من أحاديث عن مقاطعة بعض المراكز التجارية الكبرى في الآونة الأخيرة، وهي إلى جانب كونها فضاءات للتسوق، هي أيضا فضاء ثقافي ترفيهي، تساءلت مع نفسي: ما هي علاقة المثقف بتلك المواسم التي تقام في البادية؟ وما مدى حضوره فيها، ومساهمته في أنشطتها؟ ألسنا أمام مقاطعة مدينية لما يجري في البادية؟ فرضت حياة المدينة الانقطاع عن فضاء البادية وثقافتها. ولم يكن لذلك من نتيجة غير مقاطعة البادية وعلى المستويات كافة، فظل التمايز بين الفضاءين كبيرا والهوة واسعة.
حين تزور المراكز التجارية تجد عالما مغلقا ونظيفا ومنظما ومنسقا بطريقة دقيقة ودائمة وثابتة، فهي تفتح يوميا، وتجد فيها في كل يوم شيئا جديدا. فهي تقدم الماركات المسجلة والمطاعم الشرقية والأمريكية إلى جانب أماكن لعب الأطفال، إلى جانب رجال الأمن الذين يملأون الساحات والأروقة. ويمكن قول الشيء نفسه عن المهرجانات الثقافية التي تقام في قاعات مكيفة في الفنادق الفخمة، أو في مؤسسات خاصة، أو على الشاطئ. وكل من يتفاعل مع هذه الفضاءات يحرص أشد الحرص على أن يظهر بهندام خاص، وسلوك محدد يتلاءم مع هذه الفضاءات.
أما الأسواق الأسبوعية فهي فضاءات مفتوحة ومؤقتة، وعلى النقيض من المراكز التجارية يعلوها الغبار، وتنعدم فيها وسائل النظافة، ولا تنعدم فيها وسائل الترفيه الشعبي، لكن مرتاديها يأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون ويتحدثون بدون عقد ولا حواجز، ويحلون مختلف المشاكل التي تقع بينهم. ويمكن قول الشيء نفسه عن المواسم التي تقام حول أضرحة بعض الأولياء، حيث يحج القرويون إليها من كل حدب وصوب، يذبحون الذبائح، ويتطاعمون، وهم يتسابقون لمشاهدات منافسات فرق الفروسية، وفي الليل يسهرون مع الأهازيج الغنائية، ويرقصون على الإيقاعات الموسيقية. وتبقى ذكريات الموسم مواضيع لأحاديث لا تنتهي طوال العام، حتى يأتي موعد موسم جديد. كما أن الأغاني التي حفظت تظل عالقة في الذاكرة الجماعية منتقلة من جيل إلى جيل.
فضاء البادية المفتوح والعابر، يخلق الثقافة التي تقوم على أساس جماعي وثابت، بما فيها من عفوية وبساطة حيث يتخذ الدنيوي بعدا دينيا. أما ثقافة المدينة المغلقة والدائمة فلا تخلق سوى الثقافة العابرة والفردية والمتحولة والاستهلاكية وكأن الدنيوي لاديني. يطبع ثقافة فضاء المدينة التباهي والتفاخر والظهور بغير ما عليه الأمور في الحقيقة، فنجد أنفسنا أمام الرغبة في التعبير عن التميز الفردي. وبالمقابل نجد العفوية والتواصل والبساطة، وتبادل الأحاديث حول الأمور الخاصة والعامة يجعلنا أمام ثقافتين مختلفتين باختلاف الفضاء، وإن كان الزمن واحدا.

٭ كاتب مغربي

فضاءان لزمن واحد

سعيد يقطين

- -

2 تعليقات

  1. لم اكن ادرك و انا صغير لما كان اصرار الوالدين على ارسالنا عقب كل عطلة ” تحريرة”
    -
    نحو بعض من تبقى من عائلة الوالدة ببادية “الرحامنة ” العروبية “او نحو اقارب لنا امازيغ
    -
    بمنطقة ايت اورير و الحق اننا كأجيال كنا نشترك في وجهتنا نحو القرى و البوادي لم اكن
    -
    حينها ادرك ان الامر بابع من حرص و درء لاختلالات خلقية
    -
    تحياتي

  2. ذكرني الأستاذ يقطين، بأغنية ناس الغيوان (فين غادي بيا أخويا)
    حين كان يغني بوجميع، أناما نسيت الموسم والخيل ثربة ثربة ،
    أنا مانسيت مجمع الطلبة
    ، ولا قمح الرحبة.
    هذا هو الثرات المغربي الأصيل، أما اليوم على شاطئ البحر والناس
    عرات فحدث ولا حرج.
    أتبعنا عادات وتقاليد ليس من ثقافتنا بشئ.
    الله يحفظ.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left