مقري يعلن إفلاس الجزائر سياسيا ويدعو الجيش للتدخل!

بشير عمري

Jul 19, 2018

بدعوته لتدخل الجيش في واقع الأزمة السياسية الحاصلة في الجزائر، بعد هزة الكوكايين العنيفة في بيت السلطة، واقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، أين تغيب معالم الحل فيها حتى عن صناع الرئيس أنفسهم بعد تفكيك آلية إنتاج الرؤساء ونعني بها جهاز الاستخبارات، يكون رئيس حركة مجتمع السلم التنظيم السياسي الاخواني الأول في الجزائر قد سدد الضربة لفكرة تمدين الحكم كأفق للتغير والإصلاح الذي نادت به حركته مذ تحولت من طابعها الدعوي الاجتماعي إلى حزب سياسي كان يرى في الجناح المغالب (جبهة الإنقاذ خطرا على الإسلام والمجتمع) وكشف بالتالي عن إخفاق نظرية المشاركة التي تبناها وسار عليها لعشرية ونيف من الزمن وصار بها إلى وعاء انتخابي هزيل، أوصلت البلاد إلى حالة الإفلاس شبه التام على صعيدي الاقتصاد والسياسة التي تعيشها اليوم، كون حركة «حمس» كانت تشتغل طيلة هاته الفترة داخل إطار ثالوث اللاهوت السياسي الجديد الذي أرسى معالمه بوتفليقة مذ اعتلى سدة الحكم عام 1999 والمتمثل في الجمع بشكل مضاد للطبيعة، في معبد السلطة، بين الإسلاميين (حمس) والوطنيين (جبهة التحرير الوطني) والعلمانيين الديمقراطيين (التجمع الديمقراطي الوطني).
ففي السياق عينه وفي إحدى مداخلته التلفزيونية، أبدى البرلماني (الحمسي) ناصر حمدادوش تخوفه من أن تطول حالة الاستقرار السلبي الذي تعيشه الساحة السياسية في الجزائر لخمسين سنة أخرى إذا لم تتوافق القوى الوطنية على ورقة طريق تعمل على قيادة البلاد نحو التغيير، رؤية نُظر لها كتأكيد ليأس حمس والإسلاميين من قدرة المجتمع ونخبه السياسية على امتلاك وسيلة إنتاج وفرض التغيير والتحول من الارتهان إلى آلية حكم منغلقة منفصلة على إرادة المجتمع، إلى الإرادة المجتمعية النابعة من التعبير والاختيار الديمقراطي الشعبي الحر.
لكن ما لم يقو على الإشارة إليه والاعتراف به الإطار الاخواني ناصر حمدادوش، هو أن حمس كانت قد راهنت بل وارتهنت داخل إرادة تلك الدائرة الفوقية الضيقة حين رفعت عنوان المشاركة في الحكم ورافعت عنها كوسيلة لتجنيب الدولة مغبة الانهيار الذي كانت على شفا جرف هار منه فيما تلا عملية إيقاف المسارين الانتخابي والديمقراطي التعددي الحقيقي بداية تسعينيات القرن الماضي، ومعنى ذلك أن إستراتجيتها النهائية لما تسميه هي بالاصلاح الذي يعقب كحتمية مفهومية الارشاد، التي تقتضي شروط انبساطها وتحققها في الميدان أن يتمدن الحكم في الجزائر وتنجلي طبيعة اشتغاله وفق الآليات المؤسسية الحقيقية، قد استحال تحققها على المديات الزمنية الثلاثة فلربما، ومرادف ذلك، بمحصلة التحليل السياسي، أن المشاركة كخيار استراتيجي للحركة كان خاطئا بالمرة، لكونه أُتخذ كغاية وليس كوسيلة ! فالمستفيد منه كان السلطة الفعلية باعتبارها تجيد اللعب على ورقة الزمن، وليست الحركة التي لا تفقه لعبة التاريخ وورقة السياسة فيه.
كما أن المطالبة بخلق إطار ومرجع توافقي للعبور من الأزمة إلى الوضع الطبيعي الذي رفعه رئيس حركة مجتمع السلم وإطاراتها، يكاد يغفل حقيقة أن إرادة التغيير في أعلى هرم السلطة في الجزائر، ذلك الهرم الذي قولب سنة 1962 بوجدة، بعد أن داست آليات أركان الجيش مؤسسات الشرعية، هي في قبضة جهات داخلية ضيقة تستمد شرعيتها الفعلية وقدرتها على التجديد والتجدد لا من الداخل المغيب على مستوييه الشعبي والنخبي، بل من جهات خارجية أقوى، لا سيما في ظل تغول وتقوي سُلطان الشركات المتعددة الجنسيات والذي تجاوز سلطان الدولة، وهذا أسوأ ما باتت توجهه اليوم الدولة غير السائرة في طريق النمو في عصر العولمة وتعدد محاور الصراع القطبي خارج النسق الأيديولوجي المتهالك، على الرُكح الاقتصادي، فلسنا اليوم بأحسن، مثلما كنا نعتقد خطأ، من الدول الإفريقية الأخرى المنزوعة السيادة والسياسة والتي تُفرض عليها ديكتاتوريات تنهب اقتصادها بسند تام وعام والدائم من القوى الاستعمارية القديمة، فهل تناسى الحمساويون أو غفلوا على ثنائية الاستقطاب في النفوذ الحاصل بين أمريكا وفرنسا على الجزائر من خلال الجماعة الحاكم بأمرها سرا وعلانية؟
فوهم تمدين الحكم في الجزائر، أعقد بكثير مما يروج له إعلاميا ويروج في ثنايا خطاب السياسة والساسة المستأنسين بالنظريات والتحليل داخل الصالونات الباردة، ذلك لأن بنية الحكم في الجزائر هي ذات طبيعة منافية للطبيعة ! وهي بهكذا معنى لا تقبل التعاطي معها وفق النظريات النقدية ولا حتى الانتقادية التي تطرحها العلوم السياسية وأدبيات خطابات السياسة المستهلكة والمستوردة، فأي تغيير حقيقي يُرام تفعيله يحتاج إلى وعي تام ودقيق بخصوصية هاته البنية من أجل جزأرة الحل وجعله واقعيا وليس خرافيا يمتح خرائطه وتفصيلاته من هلاميات التاريخ وشمولية تجاربه الإنسانية السابقة، سواء أكانت تاريخا دعويا أو أيديولوجيا يساريا، أو وطنيا ديماغوجيا.
هو إذن تحول جذري في خطاب الابن الأكبر للإخوانية في الجزائر، الذي عكس ما هو حاصل في البلاد العربية الأخرى حيث يتلظى بنير المؤسسة العسكرية، فهو يدعوها لقيادة التغيير، الذي استعضل واستعسر تجسيده على نشطاء المسرح السياسي بسبب تداعي جلهم للعبة السلطة الخفية التي رفضت أن تفلت من يدها زمام حكم البلاد في مقتبل التعددية الفتية التي كانت تجربة رائدة فيها نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته، أضاعها الجزائريون كما أضاعوا مواعيد كبرى مع التاريخ، بسبب فشل نخب سياسية في استيعاب اللحظة التاريخية وتمثل طبيعتها بما يمكنها من وضع نفسها هي أولا (النخب) بمنأى عن فخاخ استقطاب السلطة قبل أن تتصدى لعلمية تحرير المجتمع من إرادة استبقاء السيطرة عليه من قبل هاته السلطة.
كما ويظل من أهم ما عرته دعوة عبد الرزاق مقري وإطارات حزبه بضرورة تدخل الجيش للفصل في أزمة الجزائر المتعددة الأبعاد حاليا، هو زيف المشهد السياسي التعددي الذي خُلق لتزيين الواجهة وتنشيط أعراس انتخابية موسمية لا غير، وبالمرة تكون هاته الدعوة «المقرية» قد اعترفت بمساهمة حركته في التأسيس لهذا الفلكلور السياسي الموسمي الذي أوصل البلاد إلى أفق مسدود في نهاية النفق المظلم الذي أدخلت فيه البلاد بعد توقيف المسار الانتخابي وتحييد التعددية عن سكة الجدية، تضحية كما قيل وقتها من أجل الوطن وفق مقولة من هراء لو خيرت بين «الديمقراطية والجزائر لاخترت الجزائر» قبل أن نكتشف من سوقوا لهاته المقولة لم يختاروا لا الديمقراطية ولا الجزائر بل مصالحهم الشخصية ومصالح من يوكلهم أمر البلاد والعباد للاستحفاظ على مصالحه بها.
على أن ردة حمس على سمتها السياسي لا يعدو درجة التكتيك كي يصل إلى مرحلة التغيير الاستراتيجي العام فالدعوة إلى توافق وطني لحلحلة الوضع المأزوم تحت قيادة المؤسسة العسكرية، لا يبتعد ولا يختلف كثيرا عن خيارها الأول عشية بداية أزمة البلاد الكبرى ودخولها حربا أهلية طاحنة، حين انحازت إلى دعم اللاشرعية وشاركت في كل احتفالات «التوافقات الميتة» والتي لا تجدي كدواء للحالة المرضية السياسية القديمة التي تعانيها الجزائر بسبب عسر ولادة الشرعية وتعفنها في رحم الأمة، بديلا عن دواء الموضوعية التاريخية للشفاء منها، المتمثلة في كسر الجبيرة الخاطئة التي جمع بها قدم وساق السلطة ليلة الاستقلال، وترك المبادرة لوعي الناشئة الجديد من خلال مجلس تأسيسي منتخب يعيد إصلاح ما عبث به الصراع الشرس على السلطة فجر استرجاع السيادة الوطنية أو هكذا وصف الاستقلال، وجعل منطلق ومنتهى الأمر لحكم المؤسسات الفعلية بعيدا عن نزوات الزعيم الفرد والعصب المستترة في ظلاله.

٭ كاتب صحافي جزائري

مقري يعلن إفلاس الجزائر سياسيا ويدعو الجيش للتدخل!

بشير عمري

- -

2 تعليقات

  1. البلاد وصلت إلى حالة إنسداد خطير..ومفاتيح القرار كما هو معلوم لدى الداني والقاصي في يد مجموعتين متناكفتين في أعلى السلطة..وقد إنتهى الجميع بعد عقود من النضال إلى حقيقة أن قواعد اللعبة مغلقة تماما في وجه أي محاولة تأثير أو إقتراب من صناعة أي قرار..
    قناعتي الشخصية.. أن الذي نطق به مقري ليس نكوص عن مبدأ أو مشروع.. إنما هو تعبير صريح عن حالة اليأس والعجز الذي يعيشه الجميع (معارضة منخبة وفئات مجتمعية أو حتى قواعد شعبية..لا الحالة الإسلامية فقط) أمام العصابة الحاكمة المتغولة والآخذة بيد الجزائر نحو الكارثة..
    مقري كانت له شجاعة إختيار بين أهون الشرين.. وقدم أقرب الحلول العملية المتاحة.. وسيتحمل من أجل ذلك الإنتقادات المغرضة والمزايدات من الفئات المتفذلكة التي لا يعنيها إلا الغمز بكل معارض أو ساعي للتغيير خادمة كالعادة الكتلة الدكتاتورية الحاكمة…

  2. قلتها واعيدها قناعتي ان حزب جبهة التحرير مكانه الطبيعي هو المتحف وهو سبب ما آلت اليه بلدي اليوم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left