روبرت فالزَر كارها نفسه وبطل روايته

حسن داوود

Jul 19, 2018

هي رحلة ليوم واحد قام بها ذلك الرجل الذي يحبّ الأدب بالقدر ذاته الذي يحب فيه المشي. وإذ نتابعه يسير في مشيه نعرف أنه لن يكتفي بأن يشاهِد أو يَرى. إنه يراقب ويدرس كل ما يصادفه في طريقه، «بحبّ كبير» حسب ما يقول. وما يراه ويقف عنده دارسا ومتأمّلا يشمل كل ما هو حيّ، سواء كان «طفلا، كلبا، بعوضة، فراشة، عصفورا دوريا، دودة، وردة، رجلا، دارا، شجرة، سياجا، حلزونا، فأرا، غيمة، جبلا…إلخ».
أما في ما خصّ من يلتقيهم من البشر، فعليه أن يحاور، ليس من أجل أن يسمع، بل لكي يقول ما ينبغي قوله، أمامهم أو بينه وبين نفسه.
أول من مرّ به في تلك الصبيحة هو البروفيسور مايلي، الذي هو طاقة علمية من الدرجة الممتازة حسب تعريفه له. لم يستوقفه الأديب المشاء، بل استنطق صمته كاشفا عن داخل هذا الرجل من علامات يوحي بها خارجه. كان «أنف البروفيسور أقنى مثل أنف نسر أو عقاب، مسيطر وحازم»، أما «مشيته فتشبه قانونا صارما». لكنه كان يتصرّف بلطف كبير، رغم كل تلك الصرامة. «أولئك الذين لا يبتسمون بطريقة حلوة جميلة، وهذا هو حال البروفيسور وايلي، هم أشخاص شرفاء يعتمد عليهم». هم إذن بخلاف أولئك المتملّقين الذين يبتسمون بكل لطف وتهذيب وهم يقومون بأشنع الأفعال».
مع هذه الحكمة الأخيرة انتهى حضور البروفيسور في الكتاب، أي أنه استُخدم من أجل أن يُشتَم الآخرون الذين لا يشتركون معه بفضيلة عدم الابتسام. أما المحطة الثانية في طريق المشّاء فكانت المكتبة. هناك، من فور دخوله، سأل صاحبها بخجل: «أتسمح بتعريفي على الكتاب الأثمن لديكم والأكثر جدية» ثم أكملَ مسترسلا عن ذلك بما يملأ صفحة ونصف الصفحة، لكن بما لا يزيد شيئا أو فكرة عن الجملة الأولى التي طلب فيها أن يؤتى له بأثمن كتاب. ثرثرة خالصة ولعب بالكلام المنقّح المتفذلك الذي لا يفضي إلى شيء هو كلام المشاء. وهو خبيث فوق ذلك ولعين، إذ ما أن انتهى رجل المكتبة من إحضار الكتاب أخضعه المشّاء إلى هذا الحوار، حيث قال له بادئا:
- أفي وسعك أن تقسم على أن هذا الكتاب هو الأكثر انتشارا هذه السنة؟
- بلا شك.
- أفي وسعك الزعم بأن لا بد للمرء من قراءته؟
- حتما.
- هل هذا الكتاب جيد حقا؟
- هذا سؤال يجب ألا يُسأل، قال صاحب المكتبة.
- أشكرك جزيل الشكر، قال المشاء بأعصاب باردة وترك الكتاب في مكانه ثم غادر المكتبة بكل هدوء.
لكنه مع ذلك اعترف في سريرته بأن احتجاج صاحب المكتبة، في أثناء ما كان هو يخرج غير مبال، كان في محله. إنه هكذا يخطئ أحيانا لكنه يعترف بخطئه. ذلك حصل له أيضا مع الخياط الذي، بمجرّد أن بدأ يقيس له بروفة البدلة التي كان طلبها، انهال عليه المشاء نقدا وشتما، واتهمه بأنه أسوأ خياط عرفه في حياته. وفي أحيان لا يكون نقده موجها لشخص أو لأشخاص، بل لما يفعله البشر عادة حين يتبجّحون ويستكبرون على غرار ما رأى من حال ذلك الخباز الذي كتب اسم محلّه بحروف ذهبية، فعدّ المشاء ذلك بربرية وعنجهية. وفي أحيان يبدي سخطا يفوق الحد على فلاح لمجرّد إعجابه، في أثناء نزهته تلك، بشجرة البلوط الجميلة السامقة. كان تخيّله لإمكان أن يقطع الفلاح الشجرة ما أثار سخطه إلى حدّ أنه تمنى، في ما لو أقدم الفلاح على ذلك حقا، أن يكون ما يستحقّه ألف جلدة، بل إنه يستحق الموت، لكن صاحبنا، المشاء، عدل عن قسوته تلك، بعد أن أوصلته نزهته إلى محطّة مشاهدة تالية.
لكنه، في ما هو يعترف بفشله ككاتب، ينطق عن أشياء صحيحة، بل عن حِكَم جديرة بأن تُحفظ. من ذلك مثلا قوله إنه توصّل في الآونة الأخيرة إلى قناعة «بأن فن الحرب وإدارة الحرب يماثلان فنّ الأدب من حيث الصعوبة وتطلّب الصبر». وهو، إذ أتيحت له هاتان الميزتان، لم يتمكن مع ذلك من أن يكون كاتبا مقروءا. وهذا يعيدنا، نحن قراء كتابه، إلى ذلك المقلب الذي أوقع صاحب المكتبة فيه، بادئا كتابه بذكر تفاصيله.
هو الكاتب المسكين الذي، ليقرّ كم هو بائس، احتاج أن يذكر أنواع فشله جميعها أمام مكتب الضرائب، لكي يبدو هناك فقيرا معدما وفي حاجة إلى مَن يطعمه. مكتب الضرائب واحد من المحطات التي توقف عندها في يوم تمشيته ذاك. كان يوما طويلا شاهد فيه البروفيسور ما يلي واستنطقه، وزار المكتبة، وكذلك زار المصرف حيث أبلغه الموظّف أن سيدات البلدة الفاضلات تبرّعن له بألف فرنك سويسري، كما مرّ بمتجر المعجّنات ورأى أطفالا يلهون وقال قولته في لعبهم، وتغدّى في منزل السيدة إبي، وحادث امرأة كان ظنها ممثلة سينمائية، وفتاة في عمر الزهور، ومرّ بمحل القبعات، ومحل القصاب والخياط ومكتب البريد، كما التقى صديقه تومتساك وتبادلا حوارا قصيرا من ثلاث جمل أو أربع جمل.
كان يحب المشي، هو روبِرت فالزَر مؤلّف الكتاب، شأن بطل قصته الطويلة، وقد بدأ في فترة من حياته القيام بما أطلق عليه في التعريف الملحق بالكتاب «المشاوير الطويلة». كما أنه، تبعا لذاك التعريف أيضا، توفي في أثناء مشوار طويل في الثلج، وهذا ما أجراه على بطل قصته المماحك الثرثار، إذ أماته في آخر الكتاب، أي في آخر نهار المشي الطويل، مستلقيا على عشب البرية ومحدّقا في السماء البديعة الزرقاء.
نزهة اليوم الواحد هي مشوار الحياة كله. أما المشاء فهو روبرت فالرَز نفسه. في كتابه هذا كان يرثي نفسه بكراهية دافعا قراءه إلى ازدرائه واستصغار أقواله وحِكمه. لكنه، من وجهة نظر سواه، مثل موزيل وتوخولسكي وبنيامين وكافكا وهسّه، كان معلّما ترك بصماته القوية في أدبهم.
مشوار المشي» قصة طويلة لروبرت فالزر (1878- 1956) صدرت عن دار الجمل ترجمة نبيل الحفار في 120 صفحة – 2018.

٭ روائي لبناني

روبرت فالزَر كارها نفسه وبطل روايته

حسن داوود

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left