مشاهد سريعة من فلسطين المحتلة

د. عبد الحميد صيام

Jul 20, 2018

خلال شهور الصيف وعودة المغتربين يصبح عدد سكان بلدتي مخماس القريبة من القدس ثلاثة أضعاف سكان الشتاء. فغالبية أبناء البلدة في المهجر الأمريكي، لكن أبناء القرية في المهجر أنجزوا أشياء عظيمة لبلدتهم. فقد أنشأوا جمعية خيرية تعتني بالمدارس والطرقات والعيادة، وتقديم بعثات دراسية للطلبة المتفوقين من خريجي الثانوية في الجامعات ومساعدة المحتاجين. كما شكل شباب البلدة فرق حراسة يرابطون على مدخل القرية ليليا من الساعة الحادية عشرة مساء حتى ساعات الصباح تخوفا من هجمات المستوطنين. وقد بدأ العديد من القرى تقليد ظاهرة الحراسة الليلية، بعد أن بث التلفزيون الفلسطيني تقريرا عن هذه المبادرة.
القرية الآن مكتظمة بالمغتربين العائدين مع عائلاتهم، رغم التكاليف والمشقة أثناء المرور من الأردن. فكل من يحمل هوية فلسطينية يمنع من الدخول إلا عبر جسر الملك حسين فقط، الذي يطلق عليه جسر اللنبي، ذلك الجنرال البريطاني اللعين الذي احتل فلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد تستغرق الرحلة ساعات طويلة في قيظ يوليو/تموز.
في هذه الفترة تكثر الأعراس، وقد مررت على ثلاثة أعراس في الأسبوع الأول. والذي لاحظته أن معظم أهالي البلدة يشاركون في السهرة التي تسبق يوم الزفاف بليلة أو ليلتين. وقد درجت أسماء العديد من المغنين وفرق الدبكة الشعبية لإحياء هذه السهرات، وأصبح لكل مغن أسلوب وجمهور وسعر. والجميل في هذه الحفلات أن هناك عودة للتراث الأصيل، الذي تم تمزيقه مع تمزيق الشعب الفلسطيني. فقد انتشرت المجموعات الدراسية التي جمعت التراث من أغان وأمثال شعبية وأزياء ومأكولات خاصة بكل منطقة، وأعشاب برية وغيرها. وقد سعدت لدى رؤية الفرس وعنفوانها تدخل ساحة العرس يمتطيها العريس بالعباءة والكوفية والعقال، والرجال يلتفون حوله يهزجون مرددين الأغاني الشعبية القديمة التي ما زلنا نختزنها في الذاكرة «حنتين الحنا الحنا – ضرب السيف يلبقنا- حنتين للنبي صالح – ونحن رجال ما بنصالح – والصلح ما بدنا إياه – الفدائي علمنا إياه». أتذكر كلمات محمود درويش: «وأبي قال مرة الذي ما له وطن – ما له في الثرى ضريح – ونهاني عن السفر».
بيت فلسطين
فشلت محاولات سابقة للقاء رجل السياسة والمال والاستثمارات والحضور القوي في المشهد الفلسطيني منيب المصري، أما هذه المرة فقد نحجت الترتيبات بلقاء أبي ربيح. قابلته في مقر شركته «باديكو» في رام الله، وأصر على أن يرافقني إلى بيته في نابلس في سيارة الأجرة المتواضعة جدا، التي أستخدمها بدل أن أرافقه في سيارته التي يقودها سائق محترف. كنت متهيبا من لقاء رجل بمثل وزن أغنى أغنياء فلسطين، وكنت أتخيله متجهما قليل الكلام يعرف في المال والاستثمارات أكثر من السياسة والنزاعات الدولية. من الوهلة الأولى اكتشفت أنه إنسان متواضع جدا وقريب من القلب، مثقف، واع مسكون بفلسطين يعرف تفاصيل الأحداث، مشاركا أو صانعا. وقد جاء اللقاء بعد اعتقاله لثلاث ساعات في سجن المسكوبية بالقدس، لتمويله مؤتمرا في جامعة القدس عن أوقاف القدس والحفاظ عليها.
توجهنا إلى مكان سكنه في نابلس في رحلة زادت عن الساعة، وعندما استخدمت كلمة قصر واصفا بيته الكبير على رأس جبل جرزيم الشاهق والمطل على مدينة نابلس العريقة صححني رأسا قائلا بل اسمه «بيت فلسطين». والبيت يحتاج يوما كاملا أو أكثر للاطلاع على ما فيه من كنوز وتحف وآثار ولوحات فنية ومقتنيات تاريخية ومخطوطات وحجارة بعضها يعود لعصور ما قبل التاريخ. أثناء بناء البيت اكتشف تحته كنيسة بيزنطية فتم ترميمها والحفاظ عليها وتسجيلها تراثا إنسانيا لدى منظمة اليونسكو. «هذا أهم بيت في العالم» قال لي أبو ربيح موضحا. ففي هذا المكان التقى آدم بحواء بعد الضياع، وهو البيت الوحيد المسجل لدى اليونسكو والمنشأ على كنيسة بيزنطية لا تقدر بثمن. وفي الحديقة الواسعة كان ثلاثة عرسان مع عروساتهم يتجولون قرب حوض السمك الكبير لالتقاط صور العرس. سألته مستوضحا فقال «البيت مفتوح لكل الفلسطينيين وفيه حديقة حيوان صغيرة للأطفال ومناطق للنزهة والاسترخاء». والأهم من هذا أن البيت يحتوي على كل تفاصيل القضية الفلسطينية- كل أسماء القرى التي هدمت كل صور القادة الشهداء – لوحات فنية للنكبة، لوحات لانطلاقة الثورة الفلسطينية التي شهد بداياتها شخصيا في الجزائر عام 1963 ولوحات للزعماء العرب، وغرفة خاصة لذكرياته مع صديقه وقائده ومعلمه ياسر عرفات، كما يحلو له أن يصف العلاقة معه. استوقفتني صورة مهمة لأبي ربيح مع نيلسون مانديلا في بيته بلندن فسألته عنها فقال: «أتعرف يا صديقي أنني بقيت أبعث مساعدات منوعة وبطرق مختلفة للسيد مانديىلا لمدة 27 سنة وهو في الأسر. وعندما خرج من السجن وجاء إلى لندن زارني في بيتي للسلام وكنوع من رد الجميل».
نتائج امتحانات التوجيهي
اشتعلت القرية بالألعاب النارية والزغاريد يوم 8 يوليو لنعرف أن نتائج امتحان الثانوية العامة المسمى «توجيهي» قد خرجت. فقد تقدم للامتحان أكثر من 72 ألف طالب وطالبة نجح من بينهم أكثر من 68 ألفا بنسبة 66%. أي أن 24 ألفا فشلوا. والفشل يتبعه قهر وحالات انتحار وعار ليس للطالب فحسب، بل ولعائلته الصغيرة والكبيرة. أي تخلف أكثر من هذا؟ إنها نوع من ممارسة التعذيب الجماعي. تصوروا أن أحد الناجحين في قريتنا حصل على معدل 51% بينما فشل طالب في مادة اللغة الإنكليزية فقط ومعدله العام 76 %. أين العدل يا سيادة الوزير ممدوح صيدم؟
كيف لامتحان واحد أن يكون المقياس الوحيد لتفوق الطلبة وتخلفهم؟ هل من المنطق أن يقاس أداء طالب أو طالبة بناء على نتيجة امتحان شامل واحد متناسين 12 سنة من الأداء المدرسي.. لقد دعونا في ما سبق إلى تغيير هذا النظام المتخلف واستبداله بمؤشرات أربعة أكثر عدلا ودقة تستخدم في الدول الراقية: نتائج علامات آخر ثلاث سنوات، توصيات سرية من معلمي الطلبة، امتحانات شاملة فصلية لقياس قدرات الطالب وغير ملزمة، وأخيرا الأنشطة غير الأكاديمية كالرياضة والكتابة في جريدة المدرسة أو التطوع في الأعمال الخيرية. الرحمة على روح الشاب رامز جمال داود من حي الشجاعية بغزة الذي سقط برصاصة في الرأس وهو يحتفل بنجاحه.
نابلس تحيي التراث الفلسطيني
بدعوة من محافظ نابلس أكرم الرجوب شاركت في يوم «الزي التراثي الفلسطيني». صورة لا أجمل ولا أحلى. كل الفتيات كن يلبسن الأثواب المطرزة بالحرير. والرجال عادوا إلى ملابس التراث، القمباز والحطة (الكوفية) والعقال وطافت المسيرة شوارع نابلس القديمة الضيقة التي تذكرني بأسواق دمشق القديمة. وشارك المحافظ العديد من رجالات المدينة في المهرجان الذي انتهى في الساحة الرئيسية، لتقوم الفرق الفنية بتقديم العروض الشيقة، خاصة مجموعة من النساء من عصيرة الشمالية اللواتي أتحفن الحضور بالأغاني التراثية القديمة، التي كانت تغنى في الأعراس. ثم تناوبت بعدها فرق الدبكة الشعبية والحدائين وإبداعاتهم المنوعة خاصة بمناطق الشمال. وقال المحافظ الرجوب مخاطبا الجمهور:»نعمل الآن على أن يكون يوم 18 يوليو هو يوم إحياء الزي التراثي في كافة أنحاء الوطن. من شماله إلى جنوبه. إن إحياء التراث عبارة عن رسالة تاريخية ثقافية حضارية لمن يحاولون أن يلغوا فلسطين من ذاكرتنا. يعملون على سرقة تراثنا وحضارتنا. هذه أيضا رسالة إلى المتغطرس دونالد ترامب الذي انحاز للفكر التلمودي الصهيوني، لنقول له إننا لن نسمح بسرقة تراثنا أو أرضنا أو هويتنا». سماح الخاروف عضو المجلس البلدي في نابلس قالت «هذه هي السنة الثانية التي نحيي فيها يوم التراث، والتراث منظومة متكاملة تشمل الزي والأغاني الشعبية، والعادات والتقاليد تعزز الانتماء للهوية الفلسطينية المهددة من عدو عنصري. هذه منظومة متكاملة تندرج تحت بند المحافظة على الهوية الوطنية وتعزيزها بهدف إسقاط الرواية المزورة التي تعممها إسرائيل عن موضوع الانتماء لهذه الأرض.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرسي

مشاهد سريعة من فلسطين المحتلة

د. عبد الحميد صيام

- -

2 تعليقات

  1. صور جميلة
    اما التوجيهي فقد انتقده طه حسين قبل 80 عاما او يزيد. و اقول انه جيد لامتحان المدارس و المدرسين ووزارات التربية و التعليم. فالاصل ان الانسان يطلب العلم و ان هؤلاء يتقاضون اجورهم و سنوات عمر تلاميذهم لمساعدتهم و ان اغلب الفشل تقع مسؤوليته على النظام التعليمي نفسه و القائمين عليه.

  2. تحية لإبن فلسطين الكاتب عبد الحميد صيام
    نعم صمودنا يجيز لنا الفرح
    رغم الظروف الصعبة التي مر ولا يزال يمر بها الشعب العربي الفلسطيني إلا أن النشاط عنده أوتماتيكي يتجدد وذلك يعود للعقيدة الراسخة بحب الوطن،ولكن من أراد تركيعه فهو فاشل ، لذلك الأعراس والحفلات التي يقوم بها هي جزء من تراثه على اراضيه المحتلة ولا تثنى العزيمة والثقة بالنفس أبداً عند الفرح والسرور بل هي صفعة لمن أراد لهم الرقص على أنغام حزينة .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left