العراق: خرافة المندسين ومعضلة الحلول المستعصية

يحيى الكبيسي

Jul 20, 2018

لم يعرف العراقيون ثقافة الاحتجاج والتظاهر والاعتصام المدني على مدى عقود طويلة، وظلت الصورة الوحيدة الماثلة في أذهانهم هي مسيرات التحشيد والتأييد التي تسيرها الانظمة الحاكمة وأحزابها. وكان الحراك الذي بدأ في 25 شباط/ فبراير 2011 بداية لتحول نوعي في وعي العراقيين عن إمكانية الضغط والتأثير عبر الاحتجاج المدني السلمي، في الوقت نفسه أظهر هذا الحراك السلوكيات النمطية التي تتعاطى بها السلطة/ النظام مع أي حراك جماهيري، وهي الاتهامات المجانية المسبقة، وخطابات التشكيك والتحريض التي تعد جزءا من تقاليد الخطاب السياسي العراقي من جهة، والمقاربة الأمنية المفرطة في قمعها وقسوتها من جهة ثانية، ليتم أخيرا اختطاف الحراك عبر مظاهرات تأييد وتحشيد مدفوعة الثمن احتلت ساحة التحرير في بغداد، مركز الحراك، وطرد المحتجين منها. ثم شهد العراق حراكا ثانيا في الجغرافيا السنية بداية من 21 كانون الاول/ ديسمبر 2012، سرعان ما تحول إلى حركة اعتصام جماهيرية في الموصل وسامراء والرمادي والفلوجة والحويجة، تمت مواجهتها بالاتهامات والتحريض نفسه، لكن مع قوة أكثر إفراطا في مواجهتها، وكان العامل الطائفي حاسما في شيطنتها، ليصل الأمر إلى حد ارتكاب مجزرة ضد المعتصمين في الحويجة في محافظة كركوك، وأخيرا إلى قرار بإزالة ساحة اعتصام الرمادي بالقوة، لننتهي إلى مواجهة مسلحة بين المحتجين والقوات العسكرية والامنية، انتهت إلى دخول تنظيم الدولة على المشهد في ظروف ما زالت بحاجة إلى تحقيق محايد لكشف ملابساتها!
في العام 2015 تكررت المظاهرات والحراك، وفي شهر تموز/ يوليو هذه المرة، وقد رفعت فيها شعارات سياسية بالدرجة الأساس، مع حضور خافت للشعارات المرتبطة بأزمة الخدمات، هذه المرة لم تتم مواجهتها بالطريقة التقليدية: الاتهام والمقاربة الأمنية، بل تم استغلالها سياسيا بشكل كامل، عبر سيطرة شبه مطلقة لتيار سياسي على هذا الحراك ومصادرته (التيار الصدري)، او عبر استغلالها لصالح تسويق برنامج دعائي وتصفية حسابات سياسية (العبادي)! ليتحول الحراك بعدها إلى هايد بارك نموذجي؛ مظاهرات تقليدية أيام الجمع، وخطب وشعارات، ورقابة امنية روتينية، من دون ان يكون لها أي تأثير حقيقي على صانع القرار.
اليوم نحن أمام موجة رابعة من الحراك، بدأت في البصرة، وامتدت سريعا إلى محافظات الوسط والجنوب وصولا إلى بغداد. وعلى الرغم من أن مطالب هذا الحراك ظلت محصورة في سياق الاعتراض على نقص الخدمات، ونقص فرص العمل، إلا أن شرارها طال مقرات الاحزاب السياسية، وتوجهاتها السياسية (تحديدا فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران)، فضلا عن بعض الرموز الصارخة للفساد وسوء الإدارة (مثل مطار النجف). هذه المرة أيضا تكرر الخطاب التقليدي نفسه، من خلال الحديث عن «المندسين» و«الاجندات»، وتكررت المقاربة الأمنية المفرطة في قسوتها وانتهاكاتها. في الأيام الاولى للمظاهرات كانت هناك محاولة صريحة من بعض الأطراف الشيعية في الأيام الاولى للحراك اتهام فصيل محدد، وهو التيار الصدري، بانه وراء هذا الحراك، ولكن مهاجمة مبنى محافظة العمارة التي يسيطر عليها التيار الصدري، فند هذا الاتهام تماما. كما فشلت السياسة التقليدية باتهام هذا الحراك والتحريض ضده، وبدا واضحا ان الجميع يتعامل مع هذه الاتهامات باستهزاء واستخفاف غير مسبوقين! وأخيرا بدأ الجميع، لأول مرة ربما، ينتبه إلى حقيقة السلوكيات غير المهنية، وغير الاخلاقية، التي تعتمدها المؤسسة العسكرية والامنية تاريخيا ضد أي حراك جماهيري، بداية من الاستخدام المفرط للقوة حد استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، مرورا بالاعتقالات العشوائية، وصولا إلى عمليات التعذيب المنهجية. وهذا الانتباه، ربما، سيجعل الجميع يقتنع بأن ثمة مشكلة بنيوية في هذه المؤسسات لا بد من التعاطي معها بجدية، خاصة وأن هذه الممارسات، التي غالبا ما كان يتم إنكارها، أو التقليل من أهميتها (عبر الادعاء بانها ممارسات فردية)، كانت تحظى بغطاء سياسي، وشعبي!
إن هذا الاتساع السريع لحركة الاحتجاج، وفي المناطق التي يستمد النظام السياسي العراقي المحتكر شيعيا زخمه وشرعيته، والذي يأتي بعد نسب التصويت المتدنية التي سجلتها هذه المناطق على غير العادة في الانتخابات الاخيرة، يطرح تحديا حقيقيا على الأحزاب السياسية الشيعية، خاصة في ظل انقسامها الحاد والصراعات البينية فيما بينها، يفرض عليها مراجعة شاملة لخطابها وسياساتها إذا ما أرادت استعادة ثقة الجمهور مرة اخرى.
المعضلة الأهم هنا أننا أمام عجز كامل عن التعاطي مع المطالب الأساسية المتعلقة بالكهرباء والماء وفرص العمل. فالكهرباء التي يعاني العراق من عجز مزمن فيها منذ العام 1991، بسبب التدمير الكبير الذي تعرضت له منظمة الكهرباء بفعل حرب تحرير الكويت، ثم بسبب العجز عن تحسينها بسبب الحصار الاقتصادي، شكلت أحجية حقيقية بعد العام 2003، فمراجعة الموازنات الاقتصادية للسنوات الماضية تكشف عن أن الموازنات الاستثمارية في قطاع الكهرباء زادت عن 20 مليار دولار، فضلا عن اموال مباشرة قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لقطاع الكهرباء بشكل مباشر، فقد خصص الكونغرس الأمريكي مبلغ 5.56 مليار دولار في العام 2004. ومع هذا لم تستطع هذه التخصيصات أن تحقق أكثر من زيادة مقدارها أقل من 12 ميغا واط (قدرة الانتاج في العام 2003 عشية الحرب بلغت 4.075 ميغا واط وفقا لصندوق النقد الدولي، وقدرة الانتاج الحالية تبلغ 15.9 ميغا واط وفقا لأرقام وزارة الكهرباء العراقية). وهذا يجعل قيمة الميغا واط الواحد يتجاوز ملياري دولار، أي ضعف السعر المتعارف عليه دوليا، وذلك لأسباب تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.
اما مشكلة المياه، فهي وعلى الرغم من انها مشكلة مزمنة في البصرة، فقد فاقمتها التطورات الاخيرة المتعلقة بأزمة المياه في العراق، بسبب الانخفاض الشديد في امدادات المياه الواردة من تركيا وإيران، وبسبب عدم القدرة على تنفيذ السياسات المائية التي تضعها وزارة الري، وهو ما ادى إلى ارتفاع نسبة التلوث والملوحة في مصبات نهري دجلة والفرات مما ادى إلى تفاقم مشكلة المياه في البصرة!
أخيرا لا إمكانية حقيقية للحديث عن أي فرص عمل في القطاع العام في العراق، فهذا القطاع تضخم أكثر من ثلاثة أضعاف بين عامي 2003 ـ 2018 بسبب سياسات التوظيف الارتجالية، والتي استخدمت بشكل أساسي لرشوة الجمهور (لم يزد حجم القطاع العام في العراق عن مليون في العام 2003 في حين بلغ هذا القطاع ما يقرب من 3 مليون في العام 2018). لذا عمدت الحكومة العراقية في العام 2016 إلى التجميد الجزئي للتعيينات في القطاع العام، مع بعض الاستثناءات. وقد وصف التقرير القطري الصادر عن البنك الدولي 2017 القطاع العام في العراق بانه «كبير للغاية مقارنة باقتصاده»، وان الانفاق العام من خلال تعويضات العاملين في القطاع العام والتحويلات الاجتماعية يشكل المستوى الاعلى مقارنة بالمستويات العالمية. وكان من ضمن التوصيات التي قدمها التقرير هو تنفيذ خطة لتخفيض أعداد الموظفين من خلال التناقص الطبيعي للعمالة والغاء الوظائف التي تصبح شاغرة.
بناء على هذه المعطيات يبدو واضحا انه لا وجود لأية إمكانية لدى الحكومة العراقية لتنفيذ مطالب المحتجين، وأنها ستعمد إلى المقاربة الامنية، والوعود، لشراء الوقت، لعبور الأزمة. ولكن مراقبة الفئات العمرية للمحتجين، وحجم الغضب، يجب أن تنبه الطبقة السياسية العراقية إلى ان الاستمرار في السياسات الزبائنية المعتمدة، وبنية الفساد المستحكمة، لا بد من تغييرها، وإلا فان الغضب في المرة القادمة لن يقف عند حدود الخدمات.

٭ كاتب عراقي

العراق: خرافة المندسين ومعضلة الحلول المستعصية

يحيى الكبيسي

- -

1 COMMENT

  1. المندسون ذوو النوايا الخبيثة موجودون في صفوف الحكومة و الأحزاب و قوات الامن .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left