أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس سعيد زيداني لـ «القدس العربي»: الشعب الفلسطيني في حاجة لرؤية سياسية وقيادات جديدة

وديع عواودة:

Jul 20, 2018

الناصرة – «القدس العربي»: يؤكد أستاذ الفلسفة في جامعة القدس بروفيسور سعيد زيداني للقيادات الفلسطينية حاجة الشعب الفلسطيني لرؤية سياسية وأدوات نضال وقيادات جديدة لمواجهة التحديات وهو على أعتاب نهاية مرحلة تاريخية. جاء ذلك في مقابلة أجرتها معه «القدس العربي». فيما يلي نصها:
■ إلى أين تتجه القضية الفلسطينية في ظل مشاريع تصفيتها اليوم؟
■ القضية الوطنية ليست في أحسن أحوالها اليوم ونحن على مستوى النضال الفلسطيني والأطر القيادية والمستوى الإقليمي على أعتاب نهاية مرحلة خاضتها منظمة التحرير حتى وصلنا لفقدان الحيوية النضالية لكل الفصائل التي أفلست وتكلست وحتى فقدان الإسناد العربي. مع ذلك لست متشائما حيال مستقبل القضية فقد مرت بتحولات. نحن في فترة بحاجة لإعادة بناء على أسس ومبادرات نضالية جديدة وبناء قيادة جديدة شرعية ومنتخبة وهناك مبادرات تشد نحو هذا الاتجاه وهناك مبادرات للحفاظ على وحدانية الشعب الفلسطيني. نريد تجديدا على مستوى القيادة ووسائل وأفعال النضال ووحدة الشعب الفلسطيني. رغم كل التكلس والترهل هناك الوجه الآخر».
■ والرؤية لا تحتاج لتجديد؟
■ من الواضح أن مشروع الدولتين الكلاسيكي وصل لطريق مسدود بسبب الانتهاكات الإسرائيلية. في المقابل هناك مبادرات لـ «دولة واحدة» غير ناضجة تفتقد للظهر الشعبي. وهنالك مبادرة تدعو للمحافظة على مبدأ الدولتين والشراكة على ما تبقى (وطن واحد) توفر حلا لقضية اللاجئين وللمستوطنين وغيره. تنم الفكرة عن رؤية واقعية وهي نصف الطريق للدولة الواحدة وأكثر من حل الدولتين الذي تآكل. السؤال هنا إذا كان الوضع الفلسطيني بهذا السوء اليوم نتيجة الانقسام وفقدان فصائل في النضال والتمثيل وفقدان الدور العربي فكيف تطلب أكثر من حل الدولتين؟. والجواب: هذه طبيعة القضية بغض النظر عن المراحل فهي قضية عادلة وشعبنا قادر على أن ينهض ويناضل رغم ذلك.
■ وهذه الفكرة تأخذ بالحسبان قبولها في الجانب الإسرائيلي أيضا ؟
■ هي في نصف الطريق بين الدولتين وبين الدولة ومن مزاياها منحها حل للقضايا الأساسية كاللاجئين والمستوطنين والقدس وبالأساس حل لقضية الدولة اليهودية التي تعني الكثير من المعاني. الصهيونية سعت لدولة يهودية منذ قيامها ويمكننا القبول بـ «الدولة اليهودية» بمعنى الحد الأدنى بمعنى: دولة بأغلبية يهودية دون الأولويات والاعتبارات الأخرى. وبالمقارنة مع مشروع الدولتين المنهار وحلم الدولة الواحدة بعيد المنال هذا التصور أفضل وهو يضعنا في وسط الطريق وفي ظروف محلية ودولية لاحقا نتقدم عندئذ أكثر نحو الدولة الواحدة».
■ وأصل المبادرة؟
■ هذه مبادرة عمرها نحو عقدين وبادرت في بلورتها على صعيد الأفكار ولكن هناك مجموعة إسرائيلية فلسطينية تنشط على مستوى الممارسة العملية وتحتاج للترويج فالناس يجهلونها».
■ تقول الدولة الواحدة تسوية غير ناضجة لماذا؟
■ تسوية الدولة الواحدة هي حلم بعيد المنال فهي غير ممكنة دون إلحاق الهزيمة بالحركة الصهيونية القائمة على فكرة الدولة اليهودية وهذا لا يبدو حلما قابلا للتحقيق في المنظور القريب، بالعكس فإسرائيل تتطور من ناحية مكانتها وعلاقاتها الخارجية ولا أرى بذورا لانهيار الصهيونية».
■ ولكن في ظل فقدان الحل يتشكل في فلسطين نموذج جنوب إفريقيا: مواطنة للجميع؟
■ الفكرة الرئيسية هنا أنه علينا النضال من أجل حقوق المواطنة متساوية  كفلسطينيين في فلسطين التاريخية.هذا يتحقق في دولة ديموقراطية واحدة وفي دولتين ديموقراطيتين متشاركتين في وطن واحد. في بدائل الحل النهائي في كل الحالات ينبغي أن تقوم على التساوي بالحقوق الديموقراطية لكل الفلسطينيين في الوطن الكامل وفي الشتات واللاجئين العائدين. السؤال كيف نصل لذلك ؟ النضال من أجل الحقوق المتساوية وضد التمييز العنصري على طريق جنوب إفريقيا كمثال. طبعا هذا حق ولكن الدولة الواحدة حلم بعيد المنال لأن إسرائيل ستبحث عندئذ عن حلول تحافظ على مفهوم الدولة اليهودية».
■ الديمغرافيا ربما تترك مفاعيلها نتيجة الزيادة الطبيعية وتراجع الهجرة اليهودية؟
■ حتى لو تساوى عدد الطرفين بين البحر والنهر وناضلنا من أجل الحقوق المتساوية هذا لن يوصلنا للدولة الواحدة طالما أن الصهيونية قوة فاعلة وهي ستوفر حلولا للتحدي الديمغرافي. فاليوم تتحدث عن شبه دولة فلسطينية في غزة أو في بعض مناطق الضفة وعلينا أن نأخذ ذلك بجدية. الهاجس الديمغرافي هاجس مركزي موجود منذ قيام إسرائيل والتهجير حصل من أجل إبقاء الدولة اليهودية مع أغلبية يهودية فهذا عصب الصهيونية ولذا فهم مستعدون  للتعاطي مع حلول مختلفة شريطة المحافظة على مفهوم الدولة اليهودية. لم يكن صدفة أن انسحبوا من غزة في 2005 ويسعون لأن تكون كيانا فلسطينيا مستقلا وإبقائهم  بمليوني فلسطيني لن يكونوا بشكل أو آخر في دولة واحدة وهذا ما يفعلونه في الضفة الغربية فهم يريدون أرضا لا سكانا وهم مستعدون لمنح قدر من الحكم الذاتي للسكان الفلسطينيين لحل مشكلة المواطنة في إطار فلسطيني كشبه دولة ولكنهم يريدون تفادي نظام الأبرتهايد وإمكانية الدولة الواحدة والمحافظة على دولة يهودية والسؤال ماذا نفعل نحن؟
■ لكن العالم لن يقبل بدولة نظام عنصري في ظل تطورات ديمغرافية لصالح الفلسطينيين؟ 
■ لا أؤمن بالحتمية التاريخية والتاريخ لا يسير بالضرورة  بخط مستقيم. لا أعرف كيف سيكون العالم بعد عقود. وأشكك في غلبة الخطاب الحقوقي في العالم بل أشكك به، فإسرائيل اليوم بوضعها الحالي تخسر جماهير في الغرب والعالم ممن يتعاطفون مع مفاهيم الحقوق المتساوية والديمقراطية ولكنها على علاقات ممتازة مع الهند والصين ومع روسيا وأوروبا الشرقية. وضع إسرائيل لا يسوء بالعكس فالصهيونية تشهد زخما نذوقه على جلدنا. علميا الحتمية التاريخية أمر لا يمكن نفيه أو تأكيده».
■ الفلسطينيون في إسرائيل لا يقومون بدورهم في تسوية الصراع بما يخدم حقوق شعبهم؟
■ اعتقد أن فلسطينيي الداخل لا يقومون بدورهم حتى في الدفاع عن حقوقهم داخل إسرائيل لأننا لا نرى إنجازات على مستوى المواطنة المتساوية في الحقوق للفلسطينيين. القائمة المشتركة البرلمانية مثلا تدعم النضال الفلسطيني العام بالأقوال والدعم الإنساني ولكن نحن بحاجة لتغيير أنماط النضال لتحقيق الأهداف: المواطنة المتساوية داخل إسرائيل وكذلك أن يعملوا كجزء من الشعب الفلسطيني من أجل الحل الممكن. القيادات السياسية الفلسطينية في إسرائيل فشلت على المستويين: حتى الآن نقدم دعما خطابيا للنضال الفلسطيني فترفع نبرة الخطاب وتؤيد سياسيا ودبلوماسيا وتشارك في مظاهرة أو احتفال لكن لا يوجد عمل جدي نرى ثماره.
■ أين الخلل ومنذ متى هو قائم؟
■ الخلل موجود في القيادات فهي لم ترتق للمستوى المطلوب لا بأدواتها النضالية ولا بوضع جدول أعمال قابل للتحقيق.هذه القيادات لا تقود نضالا شعبيا من أجل إنجاز أي قضية أساسية. تحتج على هدم بيت وتتظاهر ثم تعود وبعد أسبوع يهدمون بيتا آخر وتعود وتتظاهر والسؤال ماذا بعد؟ ليس هذا هو النضال. مهم أن تحتج وتتظاهر ولكن السؤال ما هي الأهداف وهل هي قابلة للتحقيق في هذه الظروف وكيف تقوم بتنظيم ذاتك سياسيا وكيف تناضل وهنا القيادات قاصرة».
■ مثال على ذلك؟
■ مثلا كيف نقبل أن يبقى جهاز التعليم تحت سيطرة  الدولة كما هو الحال اليوم ولماذا لا نناضل لاسترجاع ما أمكن الأوقاف الإسلامية غير المصادرة لإفادة الناس في مجال الأرض والمسكن وغيرها من قضايا أساسية٠ الحكم الذاتي هو إطار يوفّر الأدوات اللازمة وفيه أنت تقول أنا مواطن متساو وأناضل من أجل مساواة ديمقراطية داخل الدولة تتحقق على مستوى الأفراد وعلى مستوى الحفاظ على الهوية المميزة وعلى ما يلزمها وهذا يعني حيازة مؤسسات ثقافية، سيطرة على أرض وتخطيط وتعليم وإعلام. فكرة الحكم الذاتي هي وعاء فيه تصور لحلول لقضايا أساسية وللموارد اللازمة لتحقيق ذلك وهي فكرة مشتقة من الفكرة الديمقراطية التي تعني المساواة بالحقوق الفردية والجماعية في الدولة.
■ في قضية الأرض والمسكن نحن نعالج العوارض لا الأصول؟
■ نحن نملك نحو 3% من الأرض اليوم ونسبتنا السكانية 17% ولدينا أرض مصادرة واسعة وهناك بلدات عربية تتفجر نتيجة الازدحام فهل نبقى نكتفي بالاحتجاج على هدم كل بيت ونستريح لنحتج على هدم البيت المقبل؟ نحتاج لتصور من نوع آخر ونضال من نوع آخر وربما قيادات من نوع آخر. نحتاج نضالا مدمجا: شعبي وبرلماني ومؤسساتي وحزبي ودولي الخ. 
■ دولي؟ كيف؟ لا يؤدي لزيادة الاستعداء من قبل إسرائيل؟
■ في كل ما نناضل يبرز الجانب القومي هذا يعرضك لمواجهات داخل إسرائيل يقودها اليمين ويعرضك للنقد في الخارج. لذا لابد من سعي لمساواة على مستوى المواطنة الديمقراطية التي تحقق المساواة كما حققت مساواة لأقليات قومية عرقية وفي أستراليا، وكندا، ونيوزلندا وغيرها. يعني حديث بلغة ديمقراطية. إذا رفعنا نبرة الخطاب القومي وقلت «أنا فلسطيني» وأنا كذا فهذا يدغدغ مشاعر الجماهير لكنه لا يحقق أهدافنا، بالعكس. هذا الخطاب القومي يصب الماء على طاحونة اليمين الإسرائيلي ولعب في ملعبه وهو يسعى لاستدراجنا له.
■ المشتركة فشلت من هذه الناحية؟
■ المشتركة فشلت لأنه لا توجد رؤية مشتركة توّجه  النواب العرب ولا برنامج مشترك. هناك أحزاب تشاركت على أفكار عامة بدون رؤية وبدون برنامج عمل جدي تكون النتيجة هي توترات بين مكونات المشتركة أكثر من عمل مشترك».
■ هل تكتفي القيادات السياسية الفلسطينية في إسرائيل بما هو سهل ومريح؟
■ ما هو سهل ومريح أن تخطب وترفع نبرة الخطاب وتنظم مظاهرة وتلتقط صورا وتعود للبيت. هذا نضال نجومي. ينقصنا نضال جدي ومكلف أكثر من النضال الإعلامي البرلماني.
* ■ يقول بعضهم إنه لو تحول الفلسطينيون في إسرائيل إلى مواطنين خنوعين فلن تتغير لأنها عنصرية بجوهرها ؟
■ إسرائيل عنصرية  هذا واضح ولذلك نحتاج لنضال جدي ومنظم أكثر لإنجاز تغييرات في التأييد المحلي والخارجي. نريد إنجازات لا إحراج إسرائيل حسب. حكم ذاتي فيه تحد ولكنه ليس تحديا لوجود إسرائيل أو لطابعها الأساسي. هم يريدونها دولة يهودية ونحن نريد مساواة حقيقية. يمكننا الموافقة على إسرائيل كدولة يهودية بمعنى واحد فقط: دولة ذات أغلبية يهودية. لكن في المقابل أريد تعويضا على شكل ضمان تشريعات تكفل مساواة على مستوى حقوق فردية وجماعية. هذا تحد ديمقراطي والأمور قابلة للتدرج. يعني يمكن التعامل مع قومية الطرف الآخر تحت هذا السقف الديمقراطي».

أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس سعيد زيداني لـ «القدس العربي»: الشعب الفلسطيني في حاجة لرؤية سياسية وقيادات جديدة

وديع عواودة:

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left