قطار التنمية الصيني ينتظر على باب العرب

د. يربان الحسين الخراشي

Jul 21, 2018

منذ سنة 2013 والصين بثقافتها، وحضارتها، وتاريخها تقدم للعالم نسختها للعولمة عن طريق مبادرة «الحزام والطريق» وهي مبادرة يحددها إطار تشاوري، تشاركي، منفعي، يرتكز على خمس أولويات: التنسيق السياسي، وربط البنى التحتية، وفتح القنوات التجارية، وتدفق التمويلات، والتواصل بين الشعوب. ودعا الرئيس الصيني نظراءه العرب إلى الانضمام إلى هذه المبادرة خلال خطابه التاريخي الذي ألقاه في مقر جامعة الدول العربية في كانون الثاني/يناير 2016 حيث قال:
«علينا أن نغتنم مرحلة الخمس سنوات المقبلة الحاسمة لنبني معا مبادرة الحزام والطريق ونحدد مفهوما للعمل على أساس إحلال السلام، والابتكار، والريادة، والحكامة، والاندماج، ونكون بناة السلام في الشرق الأوسط».
الصين التي تقيم حاليا شراكة استراتيجية مع ثمانية بلدان عربية، وتعد ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية حوالي 230 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يتجاوز 500 مليار دولار بحلول عام 2020 تعول كثيرا على هذه الشراكة، وتسعى إلى تطويرها في إطار مبادرة إحياء طريق الحرير البري والبحري على أساس المنفعة المتبادلة، لكن هل سيولي العرب وجوههم شرقا؟

الخليج العربي والحضور الحذر

لعبت حواضر العالم الإسلامي دورا محوريا في التجارة عبر طريق الحرير القديم البري والبحري نظرا لموقعها الجغرافي، وخاصة المنطقة الخليجية التي كانت جسرا حضاريا بين آسيا، وأوروبا وافريقيا. ومن بين 65 بلداً تقع على طول نطاق طريق الحرير القديم، نجد 25 بلدا مسلما، منضويا تحت سقف منظمة التعاون الإسلامي، بل وحتى إقليم شينجيانغ الصيني الذي هو بوابة طريق الحرير على العالم ذي أغلبية مسلمة.
لكن ورغم كون إحياء طريق الحرير قد يعيد مركز التجارة العالمية إلى الشرق بعد ما اختطفه القراصنة الأوروبيون لأكثر من ستة قرون، ويعيد بذلك للمنطقة الخليجية وظيفتها الحضارية كمنطقة يتم عبرها التبادل الثقافي، والحضاري، والاقتصادي، وحتى الأمني بين الشرق والغرب، ورغم كون الصين أصبحت ترتبط مباشرة بالمنطقة الخليجية عن طريق ميناء جوادر الباكستاني المطل على بحر العرب، والذي تملك حقوق تشغيله 40 سنة، رغم كل هذا وغيره ما زالت الدول الخليجية تنظر إلى «مبادرة الحزام والطريق» بعين الريبة والحذر، وقد تكون الكويت الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فهي أول دولة عربية خليجية وقعت على مذكرة تفاهم للتعاون مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، وربطتها برؤية جعل الكويت مركزاً اقتصادياً ومالياً عالمياً في أفق 2035 ورفعت علاقتها مع الصين إلى الشراكة الاستراتيجية.
وعلى الرغم من أن سواحل شمال افريقيا لم تكن ضمن نطاق مجرى طريق الحرير البحري القديم، إلا أن أهميتها الجيواستراتيجية نظرا لقربها من أوروبا، وقربها من المنطقة البكر للخزان البشري القادم من جنوب الصحراء، جعل منها حلقة مهمة جدا في أي استراتيجية ذات بعد عالمي.
كما أن النطاق الجغرافي لمبادرة الحزام والطريق يعتبر نطاقا مفتوحا، لكن حتى الآن تعتبر دول المغرب العربي الغائب الأكبر، رغم حاجتها الماسة إلى الاستثمارات الخارجية لدعم استراتيجياتها التنموية المحلية كمنطقة انواذيبو الحرة في موريتانيا، ومخطط المغرب الأخضر في المغرب. والأهم من هذا أن الانضمام لهذه المبادرة قد يكون نقطة تحول في موقف الصين تجاه قضية الصحراء، وقد يخلق إحياء طريق القوافل عبر الصحراء ظروفا جيوسياسية جديدة في المنطقة قد تكون المفتاح لحلحلة مشكلة الصحراء، وقد يصلح الاقتصاد ما أفسده التاريخ، وعجزت السياسية، والحرب عن إصلاحه، مما يخدم الحل السلمي لهذا النزاع الذي يعيق تحقيق حلم الشعوب المغاربية في الاتحاد. ومن المنتظر أن توقع تونس على مذكرة التفاهم للتعاون مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق لتكون بذلك أول دولة من دول المغرب العربي توقع عليها.
اليوم وبالرغم من مرور أكثر من سنتين ونصف على خطاب الرئيس الصيني التاريخي، وقبل الاجتماع الوزاري الثامن لمنتدى التعاون بين الصين والدول العربية المنعقد مؤخرا كان هناك فقط ست دول عربية لبت الدعوة، ووقعت على مذكرة التفاهم للتعاون مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، ويبدو أن العرب ينقسمون إلى من ينظر إلى هذه المبادرة بعين الريبة والحذر، ومن يتجاهلها تماما.
لقد علمنا التاريخ قديمه وحديثه، أن صراع الدول العظمى يخلق فرصا استراتيجية لا تتكرر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت حرب الكوريتين، والحرب الباردة السبب المباشر في نقل الصناعات الثقيلة من الاتحاد السوفييتي إلى الصين، ونقل صناعات التكنولوجيا المتطورة من أمريكا إلى كوريا الجنوبية، وحتى إعادة إعمار اليابان وألمانيا، فهل سيغتنم العرب الفرصة، ويركبون قطار التنمية الصيني فائق السرعة قبل فوات الأوان؟

 قطار التنمية الصيني ينتظر على باب العرب

د. يربان الحسين الخراشي

- -

2 تعليقات

  1. لو العالم العربى حر ربما يستفيد من هذه الامور
    لكن العالم العربى يعتبر ملعب ومختبر تجارب لامريكا وحليفاتها وغرسو به اعمدة لهم يرتكزون عليها
    والصين ايضا لها مصالحها ولاتخلو من اطماع
    هذه هى القوه والنفوذ يبرز منه اطماع وانياب

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left