لماذا الريال أكبر الخاسرين من صفقة القرن؟

عادل منصور

Jul 21, 2018

لندن ـ «القدس العربي»: جار الزمن على رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز، ليجد من يُعامله بنفس طريقة التجبر التي كان يتخلص بها من المدربين واللاعبين الذين يرغب في طردهم من جنة «سانتياغو بيرنابيو»، بصفعة أولى كان بطلها زين الدين زيدان، بتقديم استقالته وهو في أوج نجاحه بعد ساعات من تتويجه بكأس دوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة على التوالي، وتبعه كريستيانو رونالدو، بالضربة القاضية، لتُذكره بالمقولة الشهيرة «دوام الحال من المُحال» على ما فعله مع ديل بوسكي وأنشيلوتي وغيرهما.
 
عجلة الزمن تتغير

أقل درس يُمكن لرجل الأعمال الإسباني الخروج منه بعد صفعة رونالدو التاريخية، أن السياسة أو بالأحرى باللهجة التونسية الجميلة بين ظفرين العقلية، التي كان يُدير بها الفريق في بداية الألفية وحتى أربع سنوات مضت، لم تَعد صالحة. دعك من سياسة البخل المبالغ فيه، بعدم إبرام صفقة من العيار الثقيل منذ خاميس رودريغز وتوني كروس عام 2014، هذا في حد ذاته تسبب في فَصل النادي عن العالم الخارجي، ولعلنا نسمع يوميا عن الأرقام الفلكية التي تتعاقد بها الأندية مع اللاعبين من بعد انتقال نيمار إلى باريس سان جيرمان، لكن بيريز، لم يواكب العصر، وظل مكتوف الأيدي، إلى أن أصبح مُجبرا على دفع ملايين قد لا تتحمله خزينته، فقط لتعويض تأثير كريستيانو رونالدو داخل الملعب.
 
طامة مدريدية 

هذه ليست مبالغة أو مدح زائد في صاروخ ماديرا، فهو ليس مُجرد اللاعب الأسطوري الذي حطم كل الأرقام القياسية في تسع سنوات، وتخطى عدد أهداف ألفريدو دي ستيفانو وراؤول غونزاليز، بل أيضا علامة تجارية، يجني من ورائها شعار ريال مدريد مئات الملايين سنويا من الإعلانات والأمور التجارية. نتحدث عن أكثر رياضي تذهب إليه محركات بحث «Goggle»، ويتابعه ما يزيد على 120 مليون عبر صفحاته في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، ومن حُسن حظ الجيل الحالي، أنه حظى بفرصة قد لا تتكرر مرة أخرى في العمر، بالاستمتاع بحرب رونالدو وميسي، عكس الثنائي التاريخي بيليه ودييغو مارادونا، أحدهما نثر إبداعه في الستينات والآخر عاش لحظات توهجه في الثمانينات، حتى أسطورة هولندا كرويف، جاء بين الاثنين! فقط الجيل الحالي سيعيش كثيرا على أطلال الدون وليو. كيف لا ولم يسبق في التاريخ أن تناوب اثنان على احتكار جائزة أفضل لاعب في العالم على مدار عقد كامل، لهذا لا يشعر بالحسرة والحزن إلا مشجع النادي، الذي بالكاد لم يُصدق بعد أنه لن يرى صاحب القميص رقم 7 الذي سجل 450 هدفا في آخر تسع سنوات، والعكس تماما لمشجع اليوفي بوجه خاص وعشاق كل ما هو «كالتشيو» بوجه عام، والشريحة الأخيرة بالذات ما أكثرها في منطقتنا العربية، يكفي الحدث الاستثنائي التي تقوم به الجماهير، بالإقبال الجنوني على شراء القميص رقم 7 الجديد، الذي ساهم في استرداد ما يزيد على 80 مليون يورو، من أصل 105 ملايين قيمة إجمالي صفقة رونالدو، أي أن بطل إيطاليا في آخر ست سنوات قد يربح ضعفي ما أنفقه على الصفقة قبل أن يلمس رونالدو الكرة في أول مباراة رسمية.
  
بشائر الخسائر

أعاد الكثير من عشاق رونالدو إلى الأذهان ما يفعله مجانين محمد صلاح عندما ينتقل من نادٍ إلى آخر، بإلغاء المتابعة على حساب ناديه القديم، وتسجيل متابعة للجديد، هذا المشهد تكرر بشكل كربوني خلال الأيام الماضية، بخسارة أكثر من مليون متابع لصفحات النادي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عكس صفحات النادي الإيطالي التي تتزايد بشكل لا يُصدق، بفضل شعبية رونالدو على «فيسبوك»، حيث يُعتبر الأكثر متابعة في العالم على هذا الموقع، وعلى «انستغرام» يحتل المرتبة الثانية في الأكثر متابعة، لذلك تأثر رواج الميرينغي في «السوشيال ميديا» برحيل ملك مواقع التواصل الاجتماعية، بجانب الخسائر المُحتملة متمثلة في الشركات الراعية التي لا تنظر إلا رونالدو بصرف النظر عن شعار ناديه، والخسارة الأسوأ بطبيعة الحال ليست مادية فقط، بل معنوية، بتصدير المعنى الحقيقي للإحباط للجماهير، بالتخلي بكل سهولة عن الهداف التاريخي، الذي كان سببا في عودة النادي للزمن الجميل، بقيادته للفوز بالكأس ذات الأذنين أربع مرات في آخر خمس سنوات، أضف إلى ذلك، أنه يُصنف من قبل الكثير من النقاد، على أنه أحد ألمع أساطير الكرة على مر العصور، إن لم يكن لمهارته الأقل من مارادونا وبيليه ورونالدو الظاهرة، فلعقليته وصموده في تحدي لاعب من كوكب آخر مثل ميسي على مدار 10 سنوات، ناهيك عن أرقامه القياسية التي ستتوارثها الأجيال القادمة، كونه أول من كسر حاجز الـ100 هدف في دوري الأبطال (سجل 105 أهداف في 120 مباراة بالقميص الملكي في الأبطال)، وهو الهداف الأول للبطولة بـ120 هدفا، وأول من يفوز بالأبطال وأفضل لاعب في العالم مع ناديين مختلفين، وعلى مستوى الليغا سجل 311 هدفا، وبطبيعة الحال هو كبير الهدافين في البرتغال، لذا سيجد النادي صعوبة بالغة في العثور على بديل بنفس الكفاءة والخبرة، أو بمعنى أدق لن يتعاقد بيريز مع لاعب قادر على تعويض الدون 100٪… كيف ذلك؟
الأمر أشبه بخروج ميسي من برشلونة. السؤال، هل هناك بديل على نفس مستوى ليو في العالم؟ بالتأكيد لا. كذلك رونالدو، هو إصدار ونسخة فريدة من نوعها، باختصار شديد، لا يوجد أي لاعب قادر على تعويضه فنيا داخل الملعب، وتحديدا في الثلث الأخير من الملعب. لماذا؟ بسبب القدرات والفوارق البشرية التي تُميز لاعب عن آخر، وبالمُصطلح الدارج في كرة القدم تُسمى «اللمحات الإبداعية»، التي لا شأن للمدربين بها، فقط تكون وليدة اللحظة تتحدث خلالها الموهبة عن نفسها، كان يفعلها ديل بييرو من حين لآخر في التسعينات، وزيدان والظاهرة رونالدو في نفس الفترة، والآن يمتاز بها رونالدو وميسي أكثر من أي لاعب آخر على سطح الأرض، بمن فيهم نيمار ومحمد صلاح وأنطوان غريزمان، لذلك على النجم الكبير المُنتظر، أن ينظر لنفسه فقط، ولا يضع نفسه في مقارنات مع لاعب أسطوري ولى زمنه ولن يعود مُجددا، أيضا المدرب جولين لوبيتيغي، عليه أن يُسخر الغلاكتوز المُنتظر لخدمة مشروعه طويل الأجل، الذي يستهدف منه احتكار البطولات المحلية مع عدم التفريط في إرث زيدان الأوروبي، وذلك بتخفيف الضغط عليه، وعدم تحميله أكثر من طاقته، على الأقل، إلى أن يُثبت أقدامه ويسير على الطريق الصحيح.
 
رأي فني

كما أشرنا، المشكلة أكبر من إيجاد بديل بعينه لرونالدو، لذلك الحل المثالي لبيريز الذي يجعله يُخلي مسؤوليته أمام الجماهير الحزينة على رحيل النجم المُدلل، هو التعاقد مع جناحين من الأسماء الثقيلة، لا تقل أبدا عن إدين هازارد ومحمد صلاح زكيليان مبابي ونيمار وإيفان بيريسيتش أو جناح من هؤلاء مع اسم بعينه وهو هاري كاين، وواقعيا، أكثر من نصف هذه القائمة غير متاحة لصعوبة إقناع أنديتها ببيعهم، لكن لنفترض جدلاً وهذا في الغالب لن يَحدث، إذا جلب اسمين من هذه القائمة، سيكون على الأقل قد ضمن مُعدل الأهداف التي كان يُداوم عليها الدون طوال مسيرته مع الفريق، على اعتبار أنه في أسوأ الحالات سيُسجل كل لاعب 15 هدفا أو أكثر في كل البطولات، كما أنها من الناحية التسويقية، مهمة جدا للريال ليُظهر للشركات والرعاة أنه ما زال قادرا على الإنفاق، بمشروع من زمن جيل الأحجار الكريمة زيدان وفيغو ورونالدو البرازيلي وراؤول، يعكس جدية مُخططه مع المدرب، لاحتكار البطولات المحلية والمنافسة بكل قوة على دوري الأبطال الموسم المقبل، ولا ننسى أن انضمام لاعبين من الوزن الثقيل، سيُعطي المدرب خيارات أكثر لتنويع اللعب وبناء مشروع لا علاقة له برونالدو وماضي  BBC، كما أن الضغط على لاعبين بعد رحيل رونالدو سيكون أهون وأخف بكثير من الضغط على لاعب بعينه.
 
ماذا عن رونالدو؟

البعض يعتقد أنه سيندم على خطوة رحيله عن الريال، والبعض الآخر يتوقع العكس، وبالنظر للقرار برُمته، فيبدو في مصلحة اللاعب، صحيح هو داخل الملعب يبدو خارقا للعادة، لكنه في نهاية المطاف بشر مثلنا، ربما وصل لمرحلة التشبع مع الفريق الملكي، بالإنجازات غير المسبوقة التي حققها على مدار تسع سنوات، وهذا قد يكون سببا في قراره، بجانب ما يُقال عن أزمة الاختلاف حول راتبه السنوي الجديد، والقرار في حد ذاته أشبه بالمغامرة المضمون نجاحها، بعيدا عن بيئة يوفنتوس المثالية له، كنادٍ يُقدر الاسماء الكبيرة، فهو سيخوض تحدياً مع نفسه، ليُثبت للعالم أنه لم يذهب إلى بلاد البيتزا لقضاء وقت مُمتع هناك، بل ليدخل تاريخ النادي على غرار ما فعله مع مانشستر يونايتد وريال مدريد، كما قال بنفسه في مؤتمر تقديمه للصحفيين، هذا بجانب التحدي المُشترك بين اللاعب وناديه الجديد، بوضع كأس دوري أبطال أوروبا كهدف رئيسي غير قابل للنقاش، تماما كما هو اتفاق بوفون مع باريس سان جيرمان، وتحديات وأرقام قياسية يبحث عنها في مغامرته الجديدة، منها على سبيل المثال، الفوز بالدوري الإيطالي، ليُسطر اسمه في التاريخ، كأول لاعب يفوز بالدوريات الثلاثة الكبرى، ويا حبذا لو اكتملت بجائزة هداف الكالتشيو، سيكون الوحيد الذي فعلها في الدوريات الكبرى، وبعقليته وشهيته ليبقى أطول فترة ممكنة في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، قد يصل للكرة الذهبية السادسة والكأس ذات الاذنين السادسة أيضا، وهذا ليس بالأمر الصعب أو المستحيل للفريق الأكثر استقرارا في إيطاليا، والذي يضم أكبر مجموعة مواهب وخبرة في الدوري، وقبل هؤلاء مدرب تكتيكي اسمه ماسيمو أليغري يعرف كيف يُهدي المهاجم الفذ مساحات وفرص داخل منطقة الجزاء، بدعم من بيانيتش وماركيزيو ودوغلاس كوستا وديبالا، فدرع الدوري الإيطالي لن يُغادر تورينو قبل عامين أو ثلاثة.
 
أين مكان رونالدو في تشكيلة أليغري؟ 

إذا اعتمد على نفس الاستراتيجية التي كان يلعب بها الموسم الماضي 4-3-3، فسيتعمد على رونالدو كرأس حربة صريح، يكون على يمينه ديبالا وعلى يساره دوغلاس كوستا أو العكس، وقد يتبادل مركزه مع الجناح الأيسر في بداية المباراة، نفس المركز يُجيد فيه في طريقة أليغري البديلة 3-2-3-1، نفس الدور الذي كان يؤديه مع زيدان، الفارق أنه بدلاً من مودريتش وتوني كروس، سيجد بيانيتش وماركيزيو، لكن بوجه عام، يُمكن القول بأنه لن يجد صعوبة في الانسجام مع المنظومة الجماعية الجديدة التي لا تختلف كثيرا عن المنظومة المنضبطة التي اعتاد عليها  في «البيرنابيو»، وبُحكم تواجده في أقوى فريق في إيطاليا، سيجد الهدايا من كل مكان في الملعب، فقط عليه الحفاظ على لياقته البدنية والمواصلة بنفس الصورة التي كان عليها في المونديال، وأن يكون محظوظا بعدم التعرض لإصابة سيئة، ليكتب أسطورته بالقميص الأبيض والأسود، الذي حرمه في يوم من الأيام من كأس الأبطال في النهائي ومرة أخرى من الدور ربع النهائي، وزار شباكه 10 مرات في 7 مباريات.
 
ومضة أمل 

رغم أن وجود رونالدو في صفوف يوفنتوس، سيخل بميزان القوى بين البانكونيري وبقية فرق الكالتشيو، إلا أنه سيُنعش الدوري الإيطالي تسويقيا، والدليل على ذلك، أن أغلب الصحف ووكالات الأنباء العالمية، ستضع في أولوياتها نشر أخبار رونالدو في إيطاليا، بعد حقيقة يكاد عشاق الكرة الإيطالية لا يصدقوها، أن جنة كرة القدم في التسعينات تأخرت بسنين عن البريميرليغ والليغا والبعض يراها أقل من البوندسليغا والليغ1، ويظهر ذلك بوضوح في التركيز الإعلامي العالمي على عملاقي إسبانيا وجبابرة إنكلترا وباريس وبايرن ميونيخ، أما في وجود رونالدو، الوضع سيكون مختلفا، وهذا أمر تفتقده الملاعب الإيطالية في السنوات الماضية، تلك الجماهير التي اعتادت منذ أواخر الثمانينات وحتى بداية الألفية الجديدة، على رؤية أفضل وألمع نجوم العالم في ملاعبها من نوعية فان باستن وباولو مالديني وروبيرتو باجيو وغابرييل باتيستوتا وآخرين، باتت تُعاني من أزمات مالية طاحنة وتعتمد على أنصاف نجوم، في الوقت الذي تعيش فيه أندية إسبانيا وإنكلترا أزهى عصورها، لكن هناك توقعات أن تتحسن الأوضاع المادية بعد زيادة نسبة مشاهدة الدوري كما كان قبل 20 عاما، كما رحيل رونالدو فيه عدل لكرة القدم، كونه سيُدخل الكرة الإيطالية «المعمعة الأوروبية»، بعودتهم للمشاركة بأربعة فرق في الأبطال، وأيضا سيُعطي فرصة مثالية لليغا لتُعيد ترتيب أوراقها بعد ميسي، الآن كما قال مورينيو المشاهدة ستنحصر بين الدوري الإنكليزي لأنه الأقوى والدوري الإسباني بسبب ميسي والإيطالي بسبب رونالدو، وكما نعرف، وجود ليو والدون في إسبانيا جعلها تُغرد خارج السرب من الناحية الإعلامية بالهالة الضخمة على النجمين الكبيرين، والآن. على المســؤولين أن يُخططوا للمرحلة المقبلة قبل أن يُسحب البساط من الليغا كما حدث مع الطليان في السنوات الماضية. مبروك لعشاق يوفنتوس وكرة القدم الإيطالية انبعاث الأمل من جديد في جنة كرة القدم.

لماذا الريال أكبر الخاسرين من صفقة القرن؟

عادل منصور

- -

2 تعليقات

  1. عنوان خادع .. ظننت أن الريال السعودي هو المقصود ههههه .. لقد صادني في شباكه

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left