حلم بلا حدود في رحاب السيمفونية العالمية

مهرجان الجم للموسيقى في تونس

روعة قاسم

Jul 21, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: لقدسية المكان، لتلاقي الحضارات، عزفت أنامل 124عازفا من فرقة «Cameristi della Scala» الايطالية ليقدموا للجمهور باقة من أجمل المقاطع السيمفونية لكبار الموسيقيين العالميين، في سهرة خاصة يوم 7 تموز/يوليو الفائت، استيقظ خلالها مسرح الجم التاريخي على حلم متلألئ تهادى فوق الشموع الخجولة التي أضاءت زوايا المعلم الأثري. وأعلن عن افتتاح الدورة 33 لمهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية بهذا العرض الأوركسترالي التونسي الايطالي بقيادة المايسترو مارسيلو روتا وتستمر الدورة حتى 11 آب/اغسطس حيث يكون الاختتام مع أوركسترا «New Music» من جمهورية تاتارستان التابعة لروسيا الفيدرالية.
من يقطف ورود الألحان، ولمن تبوح الكمنجات بأسرارها، وأين يهرب الجمهور من لوعة الحلم الليلكي أمام الصمت في حضرة الموسيقى بأنبل وأرقى مشاهدها في موطن السيمفونيا العالمية؟ لا مفر من الـــركـــون بهدوء واســتـــسلام لنـســـمات الموسيقى وهي تلفح الوجوه الباحثة عن الأمل وعن معنى الحياة وإبداع الجمال.
اختار القائمون على المهرجان انطلاقة الدورة الحالية مع أوركسترا Cameristi della Scala الايطالية التي تأسست سنة 1989 وتعد من أعرق الفرق الموسيقية المختصة في العالم وشاركت هذه الأوركسترا في أكبر التظاهرات العالمية في عديد المسارح عبر العالم. ثلاث ساعات من العروض الفرجوية والموسيقية قدم فيها العازفون مقاطع لأهم الأعمال الموسيقية العالمية بمشاركة 16 راقصا. هنا استمع الجمهور لموسيقى «ملّيني» و»بيزات» و»رافال» و»نينو روتا» و»موركون» و»بيرنشتاين» و»بوتشيني» و»فيردي» و»روسيني» و»ماسكاغن».
أما الموعد الثاني فكان ليلة 12 تموز/يوليو مع فرقة «the Mallorca Chamber Orchestra « الاسبانية التي جاءت من إقليم كاتالونيا حيث عزف الموسيقيون مقاطع تحكي أروع قصص العشق المنسية في الأساطير القديمة ومضى فيها الجمهور في رحلة بين ينابيع الشعر والألحان.
انها الموسيقى العذبة كينبوع للأحلام يتدحرج من مختلف الآلات التي تنقل الجمهور إلى عالمها الرحب بعيدا عن الضجيج، عبر الآلات الإيقاعية والوترية وآلات النفخ الهوائية وغيرها.
يقول مدير المهرجان مبروك العويني لـ «القدس العربي» ان لمهرجان الجم خصوصيته الثقافية والحضارية، فهو لا يكتفي فقط بعروض الفرق العربية والتونسية، بل يمثل شرفة للانفتاح على الحضارات والعوالم الأخرى. من هنا نجد عروضا لفرق عالمية من شتى أنحاء العالم وضفافه وحضارته من كوريا الجنوبية إلى روسيا وايطاليا واسبانيا وغيرها. وعن بدايات المهرجان وتأسيسه يوضح بالقول «تأسس المهرجان سنة 1986 على يد محمد الناصر رئيس بلدية الجم في الوسط الشرقي للجمهورية التونسية واليوم الناصر هو رئيس مجلس نواب الشعب وهو الرئيس الشرفي للمهرجان أيضا. الفكرة انطلقت من ان الجم مدينة تونسية صغيرة لكنها تحتوي على معلم أثري ضخم هو قصر الجم لذلك كانت الفكرة بإطلاق مهرجان يجمع بين الفن والسياحة الثقافية. ويعد المهرجان اليوم من التجارب الرائدة في تونس ويستقدم السياح لاكتشاف ليس فقط سحر الموسيقى العالمية انما جمال ورونق المعلم الأثري الهام».
وأكد ان الدورة الحالية في جعبتها العديد من العروض المتميزة وأضاف: «اليوم يمضي أكثر من 33 سنة على تأسيس المهرجان، فهو عمر النضج وقد ارتفع عدد العروض من ثمانية إلى عشرة، وانفحتنا أكثر على ثقافات أخرى، فلأول مرة نستضيف فرقة الأوركسترا من كوريا الجنوبية إضافة إلى الفرق التي اعتادت الارتياد للمهرجان وظلت وفية لجمهورها العاشق منذ 25 سنة مثل فرقة فيينا النمساوية للسيمفونيا العالمية المتميزة بأدائها وعراقتها وخصوصيتها». وأعرب عن أمله في ان تسهم المؤسسة الثقافية الجديدة التي أطلقها «الاتحاد الدولي للبنوك» في دعم المهرجان وجعله ينافس أعرق المهرجانات الموسيقية العالمية.
ويؤكد محدثنا ان مسرح الجم بات علامة على تلاقي الحضارات في تونس من الفينيقية والقرطاجية والرومانية إلى العربية الإسلامية وأضاف «لا يمكن تأسيس مهرجان بفرق عربية أو تونسية فقط، فهناك نظرة تفتح على أبعد من المحيط لذلك استضفنا هذا العام فرقا موسيقية من كوريا وروسيا إضافة إلى الايطالية». وقال ان الجديد هذا العام هو تقديم حفل خاص لما يسمى بالموسيقى الغجرية التي انقسمت إلى عدة فرق وسيستقبل الجم ثلاثة من أهم العازفين.
وللإشارة فإن في تونس مهرجانات عريقة أخرى لا تقل أهمية عن قرطاج بمختلف اختصاصاتها، كما المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم، وينتظم هذا المهرجان صيفا في قصر أثري ضخم في مدينة الجم بالوسط الشرقي للبلاد التونسية على أضواء الشموع. ويشهد قدوم فرق مختصة في الموسيقى السيمفونية من مختلف أنحاء العالم وكثير منها يتبع وزارات الثقافة والإذاعات والتلفزيونات الرسمية في بلدانها. وكانت دورات هذا المهرجان في السنوات الأخيرة لافتة، حتى أن البعض اعتبره الملجأ في حال تراجع المستوى في مهرجانات أخرى، وذلك بالنظر إلى رقي عروضه خصوصا وقد أصبح التلفزيون الرسمي التونسي ينقل بعضها مباشرا أو مسجلا.
«عندما تترك الكلمات تبدأ الموسيقى. والحقيقة هي العنصر الأكثر أهمية بكل ما تفعله في الموسيقى». هكذا قال افلاطون، وقال جبران خليل جبران «وملأوا الهواء أرواحاً لطيفةً وعلَّموا الإنسان أن يرى بسمعه ويسمع بقلبه». وإذا كانت الموسيقى «غذاء الروح» مثلما قال شكسبير فان الجم هي غذاء الروح والعين معا عندما يتداخل جمال هذا الصرح الأثري بجمال الموسيقى وعالمها الأخاذ.

حلم بلا حدود في رحاب السيمفونية العالمية
مهرجان الجم للموسيقى في تونس
روعة قاسم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left