مازن خالد: «شهيد» فيلم يحث لغة الجسد والحواس الخمس

خاض في الفقه وحاذر السياسة مقدماً بعض لبنان من شاطئ عين المريسة

زهرة مرعي

Jul 21, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: عايش المخرج مازن خالد فيلمه «شهيد» طويلاً، بدأت الفكرة من كورنيش عين المريسة، وتقفت من هناك أثر المغرمين بهذا البحر، وأولئك الذين وقفت رحلة حياتهم في مائه. وكان فيلم «شهيد» شاهداً على جزء من حياة مقيمة بيننا لشباب يقض مضاجعهم التهميش. هي حياة تنقل واقعاً بتناقضاته الاجتماعية، الاقتصادية والدينية، وفي الوقت نفسه مغامراتهم في الغطس.
في سجل المخرج مجموعة من الأفلام الوثائقية وفيلم روائي بعنوان «حلم برجوازي صغير». معه كان هذا الحوار.
○ لماذا «شهيد» وهل قدر السينما المستقلة تصوير عالم المسحوقين؟
• موضوع استحوذ على اهتمامي. كذلك البحر والقافزون من أمام السور إلى أعماقه. تربطني بكورنيش عين المريسة صلة حب. أشعره من أهم الأماكن التي تظهر مجتمعنا حقيقياً. مجتمع يضم اختلاطاً طبيعياً بعيداً عن النمطية. في حوزتي مجموعة فيديوهات صورتها عن الحياة القائمة على هذا الشاطئ. توقفت ملياً عند ظاهرة «الشك» القفز إلى البحر من فوق. هذا السور المعدني يتخطاه القافزون، يولون ظهورهم لحدود المدينة ومجتمعها ويسرعون إلى الماء. وهنا رمزية الحدث، رغم خطورة الفعل. يتشجع هؤلاء بوجود المتفرجين والمصورين، عندها يرون فعلتهم نوعاً من البطولة. هي رياضة تستحق الإهتمام تُظهر كيف تفكر شريحة كبيرة من مجتمعنا، سواء من يقفز منهم أو من يتفرج. إضافة لما سبق، فكلمة «شهيد» تتكرر في نشرات الأخبار. تعاملت مع الكلمة مجانباً النقاش السياسي من حولها كونه عقيم، وليس نقاشاً حقيقياً. تناولت «شهيد» من منطلق شخصي وعائلي، هم أم وأب وأصدقاء. فكرت في الشهادة ولم أفكر في السياسة من حولها. هؤلاء الناس غير مسحوقين كما وصفتهم بالسؤال. ففي هذا المجتمع جميعنا مسحوق إنما بدرجات، من النساء وحقوقهن إلى الأقليات الجنسية وحقوقها. كما أن السينما المستقلة مسحوقة نوعاً ما. ربما ظهر تكاتف بين الموضوع وطريقة التعبير عنه.
○ لماذا لم تحضر إطلاق الفيلم في بيروت؟
• هي أسباب خاصة ولوجستية حالت دون السفر.
○ لماذا اخترت هؤلاء الشباب غير المحترفين؟
• لأنهم رائعون. عندما أكتب احتاج لوجه ملهم. في غمرة الانشغال في كتابة الفكرة التقيت حمزة المقداد «أدى دور حسان» طلبت حضوره معي. وافق وكان شجاعاً جداً، فالدور صعب. رافقته إلى مقرر للتمثيل بحيث يتقن التعامل مع جسده، فتوثقت علاقتنا. وعندما التقيت مصطفى فحص قررت حاسماً أنه سيلعب دور «محمد». أفضل غير المحترفين، فالنجوم عندنا يكتسبون عادات من التلفزيون لا تناسب السينما. من التقيتهم من المحترفين قالوا أن المخرج في الدراما يقول لهم فقط تفضلوا إلى التصوير ولا وجود لإدارة الممثل. تكررت اللقاءات بين الممثلين قبل تصوير «شهيد» اعتاد بعضهم الآخر، خضعوا لتمارين وثّقت الصلة بينهم. بالمناسبة أذكر أنه بعض عرض الفيلم ثلاث مرات في مهرجان البندقية كان الناس يشيرون للفريق ونحن نسير في الشارع اعجاباً. فقد صار للممثلين معجبون هناك. في الواقع هم قدموا صورة حقيقية وعاطفية معاً للرجولة.
○ هل التعامل معهم أسهل أم أقل كلفة؟
• لا صلة للكلفة بالممثلين. كارول عبود، ربيع زهر ويارا أبو حيدر محترفون وأحبوا الفيلم. منذ اليوم الأول بلغ الجميع أن المال محدود في السينما المستقلة، ولن تكون لنا سينما لبنانية إلا من خلالها، وإلا سنبقى مرتهنين لذوق الخارج.
○ الاختيار موفق لكارول عبود في دور الأم. هل قالت كل ما أردته في كلامها وصمتها؟
• صلتي بكارول بدأت مع توليها إنتاج فيلم «حلم برجوازي صغير». ربما لم تصل كارول لعمر الأمومة لشاب. لكنها في رأيي ممثلة رائعة شربت الشخصية لحدود أنها لم تعد ممثلة. كذلك كافة الفريق. فرحي كبير لحضور كارول في «شهيد» في اعتقادي أن التاريخ سيقول أنه من أجمل الأدوار النسائية.
○ يمكن وصف الفيلم في جانب منه بالقاتم هل توافق؟
• لأنه يتعامل مع الموت تطرحين السؤال؟ صراحة لا أرى الموت قاتماً بل هو الحياة. نولد وفي الوقت نفسه نموت ككائنات. الموت جزء من وضعنا كمخلوقات تعيش وتموت. في رأيي من الضروري النظر إلى الموت كي نعيش أفضل. أعتقد أن المشاهد لن يرى الفيلم قاتماً بقدر ما سيراه صعباً. نرى الموت صعباً ثم نتخطى الصعوبة لاحقاً، وعندما نقبل الموت تصبح حياتنا أفضل. إنها قراءتي للموت ولا أرغم أحداً على تبنيها.
○ نجحت لغة الصورة لديك بقدر نجاح الكلام القليل والمعبر. كيف تفسر المشاهد الصامتة؟
• لا أرى فائدة مجدية من الكلام. ربما يكون التواصل عالياً مع الآخر بدون كلام. يساهم الكلام في تصغير المعنى. من البدء قلنا للفريق أن الفيلم بصدد الموت. الجسد هو الذي يموت، لهذا لغة الفيلم هي الجسد والحواس الخمس. ومن البدء عرف الفريق أننا حيال فيلم اختباري وليس روائيا. المشاعر هي محرك القصة، سواء في الصورة على الشاشة أو من خلال المشاهدين الذين يتحدثون معي بعد العروض. بعضهم من تتكون لديه عواطف جياشة. فبعد عرض الفيلم في البندقية وروما، افتتح في مهرجان أمريكا الشمالية «S.S.W» ثم لندن، صقلية، زغرب، بلغراد وقريباً في المكسيك وسيدني.
○ في الفيلم أكثر من مشهد اعتمد الرمزية. هل هي جماليات فقط؟
• في الواقع أن السيناريو هو من استدعى تلك اللغة. فيلم عن الجسد، وكان التعبير عبر الرقص والكوريوغرافي، إضافة إلى اللوحات التي اخترقت المشاهد. هذا التنقل بهدف إيصال القصة يشبه كيفية وصول الأخبار في عالمنا الحاضر. تلك الأخبار تصلنا متداخلة وتائهة، لا نتمكن من خلالها من معرفة الحقيقة من غيرها. لهذا وصلت أفكار الفيلم متداخلة ودون حدود بينها. فقد يكون الميت واقفاً ولا نعرف حقيقة حالته.
○ تقنياً قدمت مع ديالا قشمر فيلماً مميزاً هل تعتقد أن الصالات التجارية ستُفتح له خارج لبنان أم فقط المهرجانات؟
• سيكون في صالات نيويورك ولوس انجلوس بعد شرائه في شمال أمريكا. ومن ثم سيكون فيديو عبر شركة أمازون، و»دي في دي» عبر شركات أخرى. لم نوقع سوى هذا العقد للعرض التجاري، ونتمنى توقيع عقود أخرى. أهتم بعرض الفيلم في لبنان، ليس من منطق شوفيني، بل لأن موضوع الفيلم عن هذا المجتمع، فإن هو تقبله يصلني حقي.
○ كم عشت مع مشروع «شهيد» حتى وصفته بالمستحيل الذي صار ممكناً؟
• من زمن بعيد. صورت أكثر من فيديو على الشاطئ ولم أكن أعرف مرادي بالتحديد. لاحظت العدد المحدود للشباب الذين يقفزون فوق السور. من ذاتي قررت النزول إلى بحر عين المريسة إنما عبر الصخور.
○ ماذا شغلك أكثر بحر عين المريسة أم تعبير شهيد؟
• بدأت الفكرة من بحر عين المريسة بعد مشاهدتي لفيديوهين مات فيهما اثنان من الشباب بعد القفز. صورتان لم أتمكن حتى اللحظة من اقتلاعهما من مخيلتي. من لحظتها سألت نفسي من هو الشهيد؟ هل هو فقط من يموت خلال الحرب؟ فقهياً من يموت غرقاً شهيد، وبأنواع محددة من السرطان، وكذلك أثناء ذهابه إلى عمله. من جهتي أناهض الحرب والسلاح، جدلية لن أخوض فيها، لكن الفيلم تضمن نقاشاً حول تسمية الشهيد، وإن كانت الشهادة درجات. كانت لنا استشارات فقهية حول هذا الموضوع إضافة لفيديو طويل لتنفيذ مشهد الغسل. لقد عشت الموت خلال الكتابة ولازمني الاكتئاب، كدت أقع في عبثية الحالة، وعدت لأنقذ نفسي.

مازن خالد: «شهيد» فيلم يحث لغة الجسد والحواس الخمس
خاض في الفقه وحاذر السياسة مقدماً بعض لبنان من شاطئ عين المريسة
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left