تجارب سينمائية تقترب من حياة الأرض المحتلة محاولة الحفاظ على الذاكرة في ظل وقائع عبثية

محمد عبد الرحيم

Jul 21, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: تتراوح الأفلام التي تتخذ من الحياة في الأرض المحتلة موضوعاً لها، بين وجهة نظر تحاول أن تبحث وأن تقبض على ذاكرة المكان والناس، وأخرى تحاول البحث عن حلول تلفيقية، أو تتمثل وجهة النظر المتعاطفة لا أكثر ولا أقل. ونستعرض هنا عدة تجارب قام بها فلسطينيون، وبعض من الغربيين المهتمين بطبيعة القضية الفسطينية والصراع الدائر فوق هذه الأرض.

ترميم الذاكرة

يأتي كل من فيلمي ناهد عواد «5 دقائق عن بيتي» 2008، وليانة بدر «القدس مدينتي» 2010، وقد دار كل منهما حول ذكريات متآكلة، في محاولة للقبض عليها، كجزء من تاريخ يغيب سريعاً، أو غاب بالفعل. فالبحث عن الماضي، من خلال اللحظة الحالية وحالة التناقض المأسوي، هما الخط الدرامي للفيلمين، رغم صيغة التهكم والسخرية السوداء في الموضوعين. فالتشابه يبدو واضحاً، من خلال لعبة البحث عما فُقِد، ومحاولة مستميتة لإحياء ذكريات انتهت، إلا من مخيلات أصحابها. وعن طريق ما كان وما هو كائن بالفعل، تبدو حالات التأسي، وإن شابتها درجات متفاوتة من السخرية. يتم السرد السينمائي في «5 دقائق عن بيتي» من خلال تداعيات لصور فوتوغرافية قديمة تعود إلى مطار القدس، ومنها تبدأ حكايات بعض مَن عاصر تلك الفترة. فالمطار الذي يقع على بُعد 5 دقائق من رام الله، والذي تم احتلاله من قِبل القوات الإسرائيلية عام 1967، أصبح اليوم نهاية لطريق مسدود في وجه غالبية سكان الضفة الشرقية، بعدما كان مكاناً يسمح للفلسطينيين التنقل عبر العالم، في خمسينيات ومنتصف ستينيات القرن الفائت، ولم يتبق منه إلا مَعْبَر (قلنديا) الذي يتطلب العبور منه إلى القدس تصاريح خاصة لا تعطى إلا للحالات المرضية أو لموظفي المؤسسات والهيئات الدولية. ومن خلال الذكريات التي يعيد حكيها الكثير من الأشخاص، سواء من الطبقة الوسطى أو البسطاء، من نساء ورجال، ارتبطت ذاكرتهم بالمطار في مرحلة زمنية سابقة تبدو الآن كحلم بعيد، كما ارتبطت بتاريخ احتلال يريد محو المكان والذكريات من العقول، لكن هذه الذكريات تنتقل أيضاً وتنقلنا معها، عبر الصور الفوتوغرافية العديدة التي تستخدمها المخرجة، وشهادات الشهود الذين عاصروا الماضي، إلى تأمل ما وقع من تغير أيضا على صعيد البنية الاجتماعية الفلسطينية نفسها، كيف كانت صورة المرأة وكيف أصبحت، وكيف أصبح الناس أكثر تعصباً، وأكثر قلقاً وانعداماً للثقة في ما يجري حولهم. بينما تبحث ليانة بدر في «القدس مدينتي» عن أيام طفولتها، من خلال الصور الفوتوغرافية للمدينة قديماً، وما تسجله الكاميرا لحال المدينة الآن، وقد أصبحت تحيطها المستوطنات من كل جانب، بالإضافة إلى السور الإسمنتي والبوابات الضخمة، التي يخضع عندها المواطن الفلسطيني إلى تفتيش دقيق، وتصريح خاص للعبور. وتتوسل المخرجة وكاتبة السيناريو بمحاولة تذكّر أغنية قديمة سمعتها في عيد ميلادها الرابع ــ أغنية تفضلوا معي اليوم عيدي، ليسري جوهرية وألحان سلفادور عرنيطة، من الأغنيات الشهيرة في الخمسينيات ــ لتقابل أصدقاءها القدامى، وتتحدث معهم عما كان، في ما تستعرض الكاميرا الوضع الحالي للمدينة التي تحوَّلت إلى سجن كبير. فمنزل طفولتها والشوارع والأزقة التي كانت تعرفها أصبحت تعلوها الأعلام الإسرائيلية. وبالمقارنة، نجد أن الفيلمين فيهما الكثير من خطوط الالتقاء، وأن الحكاية العادية والمتوقعة في «القدس مدينتي» تعلو عليها حالة «5 دقائق عن بيتي»، من خلال تكنيك السرد وطريقة بناء السيناريو، فالأسلوب السردي ابتعد تماماً عن التوثيقية المباشرة، والكليشيهات السياسية المعروفة، بل قام بدمج التوثيق بالخيال، أعطى الفيلم بعضا من الحياة لهذه الذكريات، بدلاً من التباكي عليها، وإقامة علاقات متناقضة مباشرة، كما في فيلم ليانة بدر. وقد ساعد ناهد عواد أنها تحكي عن مكان وعلاقة شخصياته المتعددة به، كالطيارين والمضيفات، أو الموظفين، سواء بالمطار أو في وكالات للسفر، إضافة إلى حكاياتهم الشخصية ولحظاتهم الفارقة أثناء عملهم، كالحب والزواج أو ما شابه من لحظات مهمة في حياة الإنسان، وهو ما ساعد على خلق تواصل، ولو بدرجة مقبولة، بين التاريخ الخاص والعام للمكان، والحالة العامة التي يعانيها الفلسطينيون الآن. لكن الذي يميز الفيلمين أن كلا من المخرجتين ابتعدتا عن المشاهد المتداولة في وسائل الإعلام والفضائيات التي تعرض ليل نهار الطبيعة المادية للصراع، بل تعمّق حسهما إلى حقيقته، وهو ضياع الذاكرة/التاريخ، وهو ما تحاول القوة العسكرية الإسرائيلية محوه بشتى الطرق، من تغيير أسماء الشوارع، وتشويه البنايات، وهدمها، وإن كانت نجحت نسبياً في السطو على الجغرافيا، فإن الفيلمين أدركا بوعي جدوى الاحتفاظ بالتاريخ حياً يتواتره الناس في جلساتهم، حتى لو كانوا داخل سجن كبير يدعى وطنهم.

Inch’allah

هو اسم فيلم للمخرجة الكندية آنايس باريو، من إنتاج 2012، ويستعرض العلاقة المتوترة في الأراضي المحتلة، من خلال طبيبة شابة، تصل إلى هناك، وتعمل في مصح للنساء والأطفال في مخيم لاجئين في الضفة الغربية، وتقيم في الجانب الإسرائيلي، وبذلك، تصبح هي الرابط في علاقة أكثر رمزية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من خلال إحدى المريضات الفلسطينيات، وفتاة في الجيش الإسرائيلي، تعمل في نقطة تفتيش حدودية. وعن طريق كلوي، طبيبة النساء الشابة، التي تعالج النساء الفلسطينيات، يتم استعراض الأوضاع القاسية لسكان أحد المخيمات، حيث يعمل أكثر السكان في جمع وتصنيف القمامة، ويواجهون جداراً فاصلاً عن الجانب الإسرائيلي، في هذه المنطقة تتعرف كلوي على رند ــ الاسم غريب على العرب ــ امرأة حامل، وزوجها في أحد السجون الإسرائيلية، وينتظر قرار محاكمته النهائي. من ناحية أخرى، تعيش كلوي في الجانب الإسرائيلي، وتصادق في بنايتها آفا، مجندة في الجيش الإسرائيلي، في نقطة حدودية، تصل بين الجانبين.
تحاول الطبيبة عقد صداقة واهية بين مريضتها وجارتها، حتى أنها تأتي بهدية من آفا ــ أحمر شفاه ــ وتعطيه لرند، إلا أن هذا لا يغيّر من الأمر شيئاً، واللقاء الوحيد بين المرأتين، يتم في تبادل نظرات متوجسة، لا توحي إلا بالخوف وعدم الاطمئنان تجاه كل منهما للأخرى. تعرف كلوي أن رند في حالة وضع، لكن المرور متوقف نتيجة احتياطات الأمن الإسرائيلي المعتادة، حتى أن الطفل يولد ولا تستطيع الطبيبة نقله للمستشفى، فيموت بين يديها، فتحمّلها رند مسؤولية موت طفلها، وبعد صدور الحكم بسجن زوجها 25 عاماً، تقوم رند بعملية انتحارية، وتفجر نفسها عن طريق مساعد كلوي بتمرير المتفجرات عبر البوابة الحدودية، دون أن تعرف أن رند هي التي ستنفذ العملية الانتحارية!
وقعت المخرجة وكاتبة السيناريو آنايس باريو في مفارقة شديدة الصعوبة، وهي ما بين ترميز شخوصها، والطابع التوثيقي الذي تريده شكلاً للفيلم، فالمجندة الإسرائيلية آفا، لم تكن سوى رمز لكل المجندات، أكثر منها شخصية حية، كلاشيه مُكرر في العديد من الأفلام التي تريد رؤية وجه صاحب أو صاحبة المدفع الرشاش والخوذة العسكرية، فالفتاة تعيش في خوف، وتبدو متوترة، وتحيا الحياة رغماً عنها، من ناحية أخرى يبدو المناضل الفلسطيني الشاب شقيق رند كلاشيه آخر في الأقوال والأفعال التي نراها في الأعمال الدرامية التي تستسهل تصوير مثل هذه الشخصيات، الرمز الأخير والأكثر مباشرة هو الطفل صافي ـ الأسماء في حد ذاتها رمزية أكثر منها واقعية ـ الصامت دوماً، والمُرتدي زياً أشبه بزي «سوبر مان» وهو يتطلع إلى الجدار العازل، يذهب الطفل مع أسرته إلى أرض طفولة والدة رند، المكان خالٍ إلا من بعض أحجار البيت المهدم، يجمعها الطفل، الذي لم يتجاوز السادسة، ويحملها في حقيبة قماشية، وفي النهاية يذهب إلى الجدار ويدق عليه بالأحجار التي جمعها، حتى ينقب ثغرة يرى من خلالها الجانب الآخر. ورغم نغمة التعاطف، فالأمر منافٍ للمنطق، فهل تحوَّلت الطبيبة إلى مناضلة ومناصرة للقضية الفلسطينية؟ رغم أن العقاب الدرامي جعل ضحيتها الأولى تتمثل في صديقتها رند؟! الصديقة التي تواصلت كلماتها، وكأنها الخطاب الأخير للمشاهدين، بأنها بفعلتها تلك ستكون مع مولودها Inch’alla في الجنة!

ماء بارد 45 دقيقة إلى رام الله

وهو عنوان الفيلم الألماني، الذي تخلص من النظرة الغربية لطبيعة هذه المنطقة المُشتعلة، تاركاً لقطات القتل والتفجير والاعتقال للقنوات الفضائية، التي حوّلت هذه الأحداث في أعين المشاهدين إلى درجة الحدث العادي، الذي لا يثير الدهشة. ناقش الفيلم فكرة الهوية والانتماء لجيل ظل بعيداً عن الأراضي الفلسطينية، مهما ادّعى أو تظاهر بغير ذلك. كتب السيناريو الألماني غابرييل بودنشتاين، وأخرجه الألماني والإيراني الأصل علي أحادي.
رفيق شاب فلسطيني من القدس الشـرقية، يذهب إلى ألمانيا، مفضلاً العمل في مطعم بهامبورغ بدلاً من العـيش والعمل جنباً إلى جنب مع والده المُتسلط في القدس. يدعوه شقيقه جمال لحضور زفافه، وبعد تردد يقبل الدعوة ويعود إلى فلسطين. وما تلبث النزاعات القديمة بين الإخوين والأب أن تطفو على السطـح، ما يؤدي إلى وفاة رب الأسرة بأزمة قلبية. وبما أن رغبته الأخيرة كانت أن يدفن في مسقط رأسه بالقرب من رام الله، يضطر الأخوان لنقل الجثمان في مهمة خطرة في سيارتهم الخاصة في رحلة إلى رام الله، فتتحوّل زيارة رفيق التي كان من المقرر لها أن تكون قصيرة، إلى رحلة معقَّدة تقوده عبر إسرائيل وماضيه الذي يود نسيانه. فتبدأ بذلك مطاردتهما من قِبل الشرطة الإسرائيلية والإرهابيين والمافيا الروسية. فيتورط وأخوه أكثر ــ بدون قصد ــ بالدخول إلى جماعة مسلحة تمارس الجهاد ضد العدو الصهيوني، وقد دخل الشقيقان في هذه الجماعة المسلحة بطريقة لا يعلمونها من خلال سرقة السيارة التي تحمل جثة والدهما، فيعملان معاً للتخلص من هذا المأزق، وتبقى جثة الأب في السيارة كرهان لتنفيذ عملية مسلحة من قِبلها. الحكاية في شكلها العادي هروب من سلطات الاحتلال ونقاط التفتيش، ولكنها في دلالتها رحلة للعودة واكتشاف هروب عبثي من أحداث أكثر عبثية.
يحاول الفيلم وصف عبثية الحياة التي تفوق التخيّل فوق هذه الأرض. فالعُرس ينقلب إلى مأتم، ورحلة العودة من بلد أوروبي، تتحول إلى رحلة عودة جثمان لأرضه. وكيف يتورّط أشخاص لا حيلة لهم في عمليات نضالية أو إرهابية حسب وجهة النظر التي تؤول مثل هذه الأحداث! موقف عبثي منذ بدايته حتى النهاية، لا منطق سوى للمصادفة. الكل يحلم بالعودة أراد أو لم يرد ــ ولو ظاهرياً، العودة حياً، أو محمولاً في نعش. أما أصحاب المصالح المتشابكة في هذه المنطقة فلا يرون سوى أهدافهم أمام أعينهم. فأصحاب الجهاد أو النضال، أو أي اسم يختارون لا يهمهم سوى تنفيذ عمليتهم، حتى لو شاركتهم جثة رجل عجوز، بينما المحتلون ومَن يوالونهم يريدون تثبيت سلطتهم، والاطمئنان ببسط سيطرتهم على الجميع. أما كومبارسات هذا الصراع فهم أتفه ما في الموضوع، فطرفا الصراع يستمد كل منهما قيمته من لعبة القط والفأر هذه، لكن المخلوقات الأخرى التي لا وزن لها فلا يراها أحد، خاصة وقد تساوى لدى الجميع كونك حياً بالفعل، أو عبارة عن جسد مُسجّى يحمل تاريخاً من الغربة والمرارة لم تمنعا عنه الحلم بالعودة إلى تراب منسي، وهو أصدق الأحلام جميعاً وأخفتهم صخباً.

11ADA

تجارب سينمائية تقترب من حياة الأرض المحتلة محاولة الحفاظ على الذاكرة في ظل وقائع عبثية

محمد عبد الرحيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left