إهدن «جنة عدن» لبنان تنبض بالحياة صيفاً والعين على السياحة الشتوية

رلى موفّق

Jul 21, 2018

إهدن ـ «القدس العربي»: القدماء من الرجالات يُطلقون عليها اسم مدينة، لا بلدة ولا قرية. إنها إهدن في لبنان الشمالي، الواقعة على الكتف الشرقي الشمالي لوادي قاديشا ـ وادي القديسين. تتربع على علو 1450 متراً عن سطح البحر وسط طبيعة جبلية صخرية. تُعرف على أنها «موئل المسيحية ومهد الموارنة»، ومقصد السياحة الدينية لكنها أيضاً قبلة للمصطافين بوصفها عروسة الشمال، تبعد عن طرابلس 30 كلم وعن العاصمة بيروت حوالي 120 كلم. وأضحت كذلك مكاناً للسياحة البيئية وعلى خريطة المهرجات السنوية اللبنانية.
لها تاريخ موغل في القِدَم يُميّزها، من «إهدن الوثنية إلى إهدن المسيحية»، حيث يذكر الخوري يوحنا مخلوف الإهدني في كتابه «إهدن فردوس الكنائس والأديار ـ حجارة تتكلم» أن الآلهة توزعت على الجبال المحيطة بها منذ عهد الأموريين والكنعانيين والفينيقيين مروراً بالرومان، فكان الأهالي يسجدون أمامها ويقدّمون لها العبادة والأضاحي، إلى أن تأسست في القرن الخامس ميلادي أول جماعة مسيحية في جبل لبنان عُرفت في ما بعد بـ «الجماعة المارونية». فكانت انطلاقة النهضة اللغوية واللاهوتية والطقسية للكنيسة المارونية التي تنتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية.
تتعدّد المعاني لـ»إهدن»، غير أنه يطيب للبطريرك اسطفان الدويهي أن يصف إهدن بـ «الفردوس الأرضي» استناداً إلى سفر حزقيال: «إن الله غرس الفردوس أو جنة عدن في إهدن»، و»إن جنة عدن هي بالقرب من أرز الرب»، مفنداً ذلك ضمن مجلد محفوظ في مكتبة الفاتيكان.
لكن إهدن في التاريخ القديم شهدت المآسي والنكبات كما في التاريخ الحديث. تروي «موسوعة المدن والقرى اللبنانية» لعفيف مرهج أن «الإهدنيين حاربوا في صفوف الصليبيين عندما هاجموا طرابلس عام 1264 في عهد الملك الظاهر فهزموه وفرّ إلى حصن الأكراد في سوريا، إلا أنه جمع شمل جيوشه عام 1283 وزحف إلى جبّة بشري والتقى الإهدنيين في محلة تُعرف بـ «عقبة حيرونا»، وبعد قتال دام ثلاثة أيام اندحر الإهدنيون وعادوا إلى بلدتهم واعتصموا في القلعة التي في وسطها، إلى أن دخلها الملك الظاهر بعد أربعين يوماً من الحصار، فدكّ القلعة في البلدة والحصن الذي على رأس الجبل، ما اضطرهم للهرب. ولما عادوا إلى بلدتهم شيّدوا كنيسة مار جرجس القديمة على أطلال القلعة وبنوا كنيسة سيدة الحصن على آثار الحصن الذي كان قائماً على رأس الجبل، وبدأوا عصراً من الاستقرار بعد النكبات التي حلت بهم».
وفي سنة 1586 أُحرقت إهدن ولم يُعرف كيف كان ذلك، أما ذِكْر هذا الحريق فقد ورد في مخطوطة سريانية محفوظة في المكتبة العمومية في باريس تحت رقم 270، وقد ورد في إحدى صفحاتها العبارة التالية: «وصار حريق إهدن سنة 1897 يونانية أي في سنة 1586م» وكانت هذه النكبة هي الأخيرة في تاريخها القديم، وبدأت منذ ذلك الحين تنمو وتزدهر. ذاع صيتها، سحراً وجمالاً، فزارها عدد كبير من الشخصيات اللامعة أبرزهم الأمير فخر الدين المعني الكبير عندما كان قاصداً طرابلس من بعلبك واستقبله أهلها بالترحاب، ألفونس دي لامارتين الذي وصف رحلته إليها وصفاً دقيقاً في كتابه «رحلة إلى الشرق»، وإبراهيم باشا خديوي مصر، ومتصرفا جبل لبنان رستم باشا وأوهانس باشا وغيرهم كثر.
ولم يكن تاريخها الحديث أقل مرارة ووطأة على أبنائها الذين عاشوا «مجزرة مزيارة» سنة 1957 بحيث لفّ السواد نساءهم لفترات طويلة ودخل الحزن غالبية البيوت في اقتتال ذات خلفيات عائلية وسياسية، و»مجزرة إهدن» سنة 1978 ذات الأبعاد السياسية في خضم الحرب الأهلية، والتي ذهب ضحيتها نجل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية طوني وزوجته وابنته وعدد من أبناء البلدة.

شعب واحد في بلدتين

من الحالات النادرة أن ينتمي شعب واحد إلى بلدتين واقعاً معاشاً لا شعارات سياسية وعقائدية وعاطفية. هذا هو حال إهدن وزغرتا. إهدن المقر الصيفي وزغرتا المقر الشتوي. بلدتان تبعدان عن بعضهما البعض نحو 25 كلم، سجلات النفوس واحدة والبلدية واحدة هي بلدية زغرتا ـ إهدن، والرعية واحدة هي رعية إهدن ـ زغرتا. جذورهم تعود إلى إهدن حيث عبق تاريخهم القديم لكن التاريخ الحديث، سياسياً وإدارياً ومدنياً، يرتبط بزغرتا التي تحمل إرث حكايتها.
يقول نائب رئيس بلدية زغرتا ـ إهدن غسان طيون «في زمن السلطنة العثمانية جاء وفد عثماني من ولاية مصر عبر سهل البقاع في طريقه إلى طرابلس، فمكث في إهدن خمسة أيام لم يُبارح خلالها مواقد النار نتيجة العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة، فاستضافهم أهالي البلدة الذين كانوا يعيشون ظروفاً مناخية قاسية ويعانون شظف العيش، وأحسنوا وفادتهم وأطعموهم من «حواضر البيت»، ونزل رئيس الوفد في بيت الشيخ اسكندر ابن «ريس» إهدن، وعندما هدأت العاصفة سار الأهالي معهم حتى وصلوا إلى «عقبة حيرونة» التي هي بين أيطو وإهدن، وأرشدوهم إلى الطريق التي أصبحت سالكة بعدما كانت أقفلتها الثلوج».
غير انه «خلال وجود الوفد العثماني في إهدن صودف أن حدثت حالتا وفاة في القرية، إحداها لطفلة، فطمرت الجثتان بالثلج حتى سمحت الظروف المناخية بدفنهما في الكنيسة. هذه الحادثة وحسن الضيافة تركتا أثراً في نفوس الوافدين الضيوف، فسأل رئيس الوفد الشيخ اسكندر الذي واكب العملية، كيف يمكن أن يردّ الجميل لأهل إهدن الذين وقفوا معهم وقفة يُعتدّ بها رغم وضعهم الصعب، فحمّله الشيخ اسكندر رسالة إلى الباب العالي يطلب فيها السماح للإهدنيين بتملك أرض في السهل يقضون فيها فصل الشتاء. غادر الوفد العثماني إلى طرابلس ومنها إلى مصر، وبعد مضي أشهر تلقى الشيخ اسكندر كتاباً من مصر يفيد بالموافقة من قبل السلطان سليم على السماح للإهدنيين بتملك أرض ساحلية يبنون عليها منازلهم لقضاء أيام الشتاء القاسية فيتّقون شرّها وويلاتها، فكان أن اختاروا منطقة زغرتا القديمة التي هي أرض زراعية وسهلة الإدراك والحماية. وحصل كل واحد له بيت في إهدن على بيت في زغرتا.

الثقل الاقتصادي صيفاً

وأصبح السكان يُمضون فترة الصيف في إهدن وفترة الشتاء في زغرتا بعد أن بنوا بيوتاً لهم فيها، وكانت زراعتهم فيها تقتصر على الخضروات ليعتاشوا منها، وباقي الزراعة كالقمح في إهدن بحيث يبذرونها قبل الشتاء ويحصدونها في الصيف. النسيج العائلي للبلدتين متطابق، لكن إهدن بقيت مركز الثقل الاقتصادي. في فصل الربيع من كل عام كانت الاحتفالات تترافق مع رحلة الصعود إلى إهدن، وما أن يصل الأهالي إلى مكان يُطل على كنيسة «سيدة الحصن»، حتى يبدأ سباق الخيل، ومَن يصل أولاً يُحضِر مفاتيح المنازل التي كانت تُحفظ في كوّة من الصخر، إيماناً منهم بأن «سيدة الحصن» هي الحامية، وكان الفارس الفائز يُسمّى بطلاً للعام كله. هذه الكنيسة كانت قديماً معبداً للحصن الذي كان قائماً حولها، يلجأ إليه الأهالي في مِحَنِهم ليردّوا من وراء جدرانه وصخوره غارات الأعداء، تظلّلهم يد العذراء العجائبيّة، ومن هنا اكتسبت هذا الاسم».

للثقافة والسياسة عنوان في «الفردوس»

إهدن وزغرتا بوتقة واحدة، اتكأت الأولى على تاريخ قديم عابق بالأحداث الجسام، وتفخر الثانية بمساهمتها في صنع تاريخ لبنان الحديث. هذه البوتقة قدّمت رجالاً ساهموا في إغناء الفكر والثقافة والعلم والشعر والأدب والمسرح، على رأسهم العديد من البطاركة والمطارنة، في مقدمهم البطريرك اسطفان الدويهي الذي ينتظر اللبنانيون أن يُطوّب قديساً. ترك أبناؤها بصماتهم في التاريخ كيوسف بك كرم الذي قاد ثورة ضد العثمانيين ونُفي وتوفي في نابولي الإيطالية وتم نقل جثمانه المحنّط ووضع في كاتدرائية مار جرجس في إهدن، ودُشنت له عمارة مع تمثال في زغرتا، وأسهموا في الثقافة أمثال جواد بولس وصليبا الدويهي ورشيد الضعيف وأنطوان الدويهي وجبور الدويهي وجرمانوس جرمانوس وجورج يمين ويعقوب الشدراوي وغيرهم.
وزغرتا التي تجسد ثقل الزعامة المارونية الشمالية تلعب عائلاتها دوراً في الحياة السياسية اللبنانية، وهي أوصلت إلى رئاسة الجمهورية رئيسين: سليمان فرنجية في العام 1970 ورينه معوض في العام 1989 الذي اغتيل بعد عشرين يوماً من انتخابه. وقد يخرج رئيس ثالث منها هو سليمان فرنجية الحفيد التي تحول إلى مرشح رئاسي قوي مع كل استحقاق رئاسي. وتختصر عائلات زغرتا التي تتنافس في ما بينها تمثيل القضاء في البرلمان. وعرفت السياسة اللبنانية أسماء لامعة أمثال حميد فرجية في زمن الاستقلال الأول وابنه سمير فرنجية الذي ترك بصمته في انتفاضة الاستقلال الثاني 2005، وأمثال الأب سمعان الدويهي الذي كان أول كاهن يدخل البرلمان.

للكنائس ناسها و»إهدنيات» تجتذب الشباب

تشتهر إهدن بكنائسها القائمة التي تقارب العشرين وتلك المندثرة التي تصل إلى تسع. الكنائس التي كانت تسور البلدة ووادي قاديشا ودير قزحيا اللذين هما جزء لا يتجزأ من جغرافيتها كلها عوامل تنعش السياحة الدينية، لكن كثيراً من الجيل اليافع يتجه إلى إهدن لشهرتها كمصيف وما تمتاز به من أماكن سياحية ومن طبيعة مميزة. نبع مار سركيس حيث المقاهي والمطاعم وأنواع المأكولات الذائعة الصيت مثل «الكبة الزغرتاوية» يعج بالسياح. الساحة الرئيسية في قلب البلدة التي تُعرف بـ»الميدان» لا تنام ليلا. تصدح الموسيقى فيها ويتآلف الساهرون بشكل تلقائي. ويفترش الناس الأدراج المؤدية إليه. صحيح أنه ينبض بالحياة صيفاً غير أنه بات يستعيد بعضاً من روحه شتاءً مع مناسبات خاصة مثل «عيد العشاق» الذي يقام وسط مواقد النيران المشتعلة اتقاء للبرد القارص. فالسياحة الشتوية يتم العمل على تعزيزها.
و»محميّة حرش إهدن» الطبيعية التي أنشئت في العام 1992 تمتاز بالتنوّع البيئي، إذ تم الآن إحصاء نحو 1300 صنف من النباتات في المحمية، فضلا عن أنواع الأشجار المختلفة. كما تحتوي على فطريات وعلى الثدييات، كما أنها غنية بالطيور. وقد تحولت بعد نحو ربع قرن إلى ثاني أكبر محمية في لبنان، ووصلت شهرتها إلى العالمية حيث أنها مقصد للباحثين الأجانب. ويمكن «التخييم» والتمتع بالنزهات البرية ورحلات المشي الصحية بعيداً عن الضجيج والصخب. وتسعى البلدية إلى تطوير السياحة الشتوية عبر تنظيم زيارات إلى المحميّة يستعمل الروّاد خلالها «أحذية خاصة» تساعدهم على السير فوق الثلوج، إلى جانب منطقة الأرز التي تجذب السواح في فصل الشتاء.
ووادي إهدن أحد المعالم الطبيعية الجاذبة بما يحيط به من جبال مكشوفة وسط منتجع يستقطب الزوار ليس صيفاً بل وشتاء لممارسة رياضة التزلج على الجليد. على أن «إهدنيات» التي يجسدها مهرجان «إهدن الدولي» بات عنصراً دافعاً للبلدة ومُحفّزاً للسياحة نظراً لنشاطاته الواسعة التي تتنوع بين فنية وبيئية وحتى رياضية بما يسهم في اكتشاف جـمــال إهــــدن التي يقتنع كثير من أهلها أنها «جنة عدن» على الأرض.

إهدن «جنة عدن» لبنان تنبض بالحياة صيفاً والعين على السياحة الشتوية

رلى موفّق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left